الاهتمام الاقليمي والدولي بالحرب الأهلية في السودان وهي التي وصفت بأنها الأطول في أفريقيا له ما يبرره، فالسودان أكبر أقطار أفريقيا مساحة وأكثر مجتمعاتها تنوعاً. الحجم الكبير والتداخل الجغرافي والسكاني، مع عدد من الدول الافريقية اثر في التركيبة السكانية وأعطى المجتمع السوداني ما ميزه عن غيره من التعدد الاثني والتنوع الديني والثقافي. السودان افريقيا مصغرة ما يحدث فيه تنعكس آثاره سلبا او ايجاباً على الدول المجاورة بل على افريقيا والعالم العربي فهو الدولة الوحيدة الجامعة جغرافيا وديمغرافياً بين افريقيا شمال الصحراء وافريقيا جنوب الصحراء ومن هنا جاءت مقولة السودان جسر بين العرب والأفارقة وهو الان بين واحد من خيارين اما ان يكون ساحة للتفاعل والتكامل والتسامح تتعايش فيه كل مكوناته لتبني مجتمعاً متطوراً وموحداً تراباً وشعباً بإرادة اهله الحرة وهو الخيار الامثل والأفضل ان توفرت الارادة والتجرد والا كان البديل ان يكون السودان مساحة مفتوحة للصراع والاستقطاب والتدخلات الاقليمية وفي الذاكرة الصومال، ففي الصومال مجتمع بسيط ولكن الصراع على السلطة ادى الى تفكيك الدولة وانهيار المجتمع والى تحكم لوردات الحرب في معيشة وفي حياة مواطنيه، لذلك على النخبة السياسية الاستفادة من تجاربنا وتجارب غيرنا خاصة ان السودان اليوم يعاني من ازمة معقدة تعددت وتنوعت اطرافها، سودان اليوم مختلف عن سودان القرن الماضي عندما كانت الدول المهتمة بالشأن السوداني محصورة في دولتين مصر وبريطانيا، نتيجة لنيل كل الدول المجاورة استقلالها واتساع دائرة علاقته لتشمل دول جديدة وبعيدة تزايد الاهتمام الدولي والاقليمي بما يحدث فيه لارتباطه بمصالح هذه الدول وامنها القومي خاصة وفي السودان اليوم استثمارات كبيرة لدول عديدة وممتدة من شرق اسيا «ماليزيا والصين» الى شمال اميركا «كندا» وشمال اوروبا «السويد» اضافة الى عامل اخر وهو تصاعد عملية الاستقطاب عربياً وأفريقيا ودولياً. فالحرب الدائرة في السودان لم تكن شأنا محلياً بعد ان شكلت عامل ضغط مستمر على الادارة الاميركية والحكومات الاوروبية فهي في نظر المنظمات الطوعية وجماعات الضغط داخل الكونغرس الاميركي رد فعل لمظالم تعرّض لها أبناء جنوب السودان من حكومة اسلامية تعمل على فرض الاسلمة عليهم بالقوة. عجز القوى الاجتماعية السودانية عن ايقاف الحرب بإزالة اسبابها وايجاد الحلول المناسبة لمعالجة الازمة السودانية، وتعثر المبادرات الاقليمية ادى الى التدخل المباشر للولايات المتحدة الاميركية وهي الدولة الاولى في العالم، والى طرح مشروع جديد لانهاء الحرب في السودان عبر وسائط اقليمية ودولية مع احتفاظ الادارة الاميركية عبر المبعوث الخاص للرئيس بوش السيناتور دانفورث بالقدرة على التوجيه والتحكم في آليات التنفيذ والمتابعة ومن على البعد. هكذا وللاسف الشديد حسمت في السودان بعد نصف قرن من الحكم الوطني جدلية الداخل والخارج بإعطاء الغلبة للخارج فهو صاحب القرار الان، والمعادلة مختلة بعد ان تغيرت موازين القوى، وهي نتيجة طبيعية لضعف قوى الداخل وضمورها مما افقدها القدرة على ادارة البلاد ادارة رشيدة، والقوى الاقليمية لم تتمكن من تحقيق أي انجاز عبر مبادراتها لتنافسها واختلافها، فالسودان اليوم موضوع للتداول والأرض مستباحة لكل من يرغب في ان ينال قسطاً منها ضعف القوى السياسية السودانية وتفككها، وتعارض مصالح دول الجوار، اعطى الفرصة للولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي لملء الفراغ وفرض الحلول وان تعارضت مع مصالح اهل السودان، وقد جاء في الصحف ما يؤكد هذا المعنى، فعندما تعقد الموقف تخوف الوسطاء من انهيار المحادثات في ماشاكوس تحول المبعوث الكيني من وسيط الى صاحب قرار مسنود بدول الترويكا «اميركا، بريطانيا، النرويج». استدعى الجنرال لازاروس سمبويا اثنين من كل طرف «الحكومة والحركة الشعبية» وهم السادة سيد الخطيب ويحيي حسين من الحكومة، ونيال دينق نيال ودينق الاور من الحركة الشعبية، وعرض عليهم مسودة الاتفاق وامهلهم ساعتين للاطلاع والتوقيع، وأضاف مهدداً ان الذي ينكص عن التوقيع سوف يتحمل مسئولية فشل المفاوضات وعليه تحمل النتائج. المهم ان ما حدث في ماشاكوس وان اختلفت الروايات حدث كبير وسوف يؤثر في مصير السودان سلباً او ايجاباً، سلباً اذا تكرس الحل الجزئي وأفضى التفاوض الى اتفاق ثنائي تختزل فيه كل قضايا الوطن في طرفين الحكومة والحركة الشعبية وفي انهاء الحرب، انهاء الحرب في موقع ما دون معالجة الاسباب لا يمنع انتقالها الى موقع اخر، انهاء الحرب ايضا لا يعني تحقيق السلام، فالسلام العادل له شروط ضامنة لتثبيته واستدامته، وهو مربوط بالديمقراطية ومشروط بشرعية السلطة وحقوق المواطنة وبالاحساس بالمساواة وبأن الانسان له قيمة في وطنه. تجاوز السلبيات يتم بتعظيم الايجابيات وبإدراك كل القوى السياسية بأن السودان اليوم عند مفترق الطرق. على الجميع التفكير بهدوء والتصرف بمسئولية وتجرد لاخراجه من النفق المظلم بدلا من الانشغال بقضايا جانبية وبالمكايدات الحزبية والمصالح الذاتية. والتخلي عن هذا الواجب من اي مواطن في هذه المرحلة الدقيقة والحرجة جريمة في حق بلد أقل ما يقال عنه ان اهله وفي مقدمتهم مثقفيه هم السبب المباشر في تفككه وضياعه، لذلك يجب ان يسعى الجميع الى اعادة التوازن للمعادلة وإعطاء الغلبة للداخل، ونقل القضية للمجتمع كي تنبع الحلول من داخله وبإرادته الحرة بمعنى ان نرحب جميعاً بالاتفاق كخطوة مهمة ولبنة اولى لبناء عظيم يشارك في قيامه وحمايته كل أبناء الشعب السوداني فالسودان لكل السودانيين دون تمييز. النظام الحاكم رافض للحل السياسي الشامل والمشاركة الحقيقية في السلطة، عبر عن هذا الموقف الدكتور نافع علي نافع امين الاتصال التنظيمي للمؤتمر الوطني بالآتي: ـ الاتفاق ليس حلقة او تمكيناً لاناس بعينهم «نحن لم نأت للبترول او القمح ولكن اتينا للعودة الى الله وان الخيرات من صلب امر الله». ـ لابد من استمرار الانقاذ لاستكمال قيم الدين ونحن نريد ان نسلم الدين لرب العالمين يوم القيامة. ـ ان المؤتمر الوطني ليس حزبا سياسياً بالمفهوم العام ولكنه حامل الراية وحامل لها ويعلم ثقل العبء وأضاف الدكتور نافع اننا لن نأمن الاحزاب على رأي وقد تم تجريبها جميعا ولا نريد لها منافسة مع المؤتمر الوطني حتى لا تدخل في قضية الاختلاف والائتلاف، ونريد لراية السلام ان تكون مربوطة بغلبة المؤتمر الوطني. الانقاذ بهذا المفهوم تريد ان تحتكر الحاضر والمستقبل لها وحدها دون غيرها الحكم والتفكير للناس والتخطيط والتنفيذ نيابة عنهم، كيف يتحقق السلام والاستقرار والتداول السلمي للسلطة وقادة الحزب الحاكم لهم فهم مختلف عن ما هو متعارف عليه لمصطلح ومفهوم الديمقراطية، الانقاذ تراهن على حل ثنائي بينها وبين الحركة الشعبية وعلى تفكيك التجمع وقبول الحركة الشعبية بالجنوب وتخليها عن شعارها الذي طرحته، السودان الجديد، واستقطبت له رموزاً وقبائل من الشمال حاربت معها كل معاركها وهي ايضا تراهن على انفرادها بالشمال عبر معادلة جديدة فيها تغيير طفيف في شكل الحكم «تعددية مقيدة ومصطنعة يتم تركيبها من جماعات تختارها السلطة وتفرضها على الشعب دون ان تعترف بوجود ازمة خطيرة ومعقدة وبدورها فيما نحن فيه الان. الكل يجب ان يعيد النظر في حساباته خاصة النظام الحاكم لسبب بسيط هو ان الاستقرار السياسي والمجتمعي في اي بلد يعني قدرة المؤسسات السياسية ومدى استجابة النظام للمطالب المقدمة اليه وهو باختصار التكامل بين الشرعية وأداء النظام، في غياب الشرعية وسيطرة الدولة على كل شيء تغيب المبادرات الشعبية وتتاح الفرصة للمتسلقين واصحاب التطلعات غير المشروعة للشروع في تكوين تنظيمات ضعيفة وخاضعة لتوجيهات السلطة القابضة. احتكار السلطة والسعي لتجزئة الحلول يهدف الى اضعاف المعارضة وتمزيق احزابها سوف يقود في النهاية الى تعقيد الازمة والى غلبة الخارج. محمد محجوب هارون وهو من شباب الاسلاميين وله مساحات مشهودة في دعم الحركة الاسلامية في الداخل والخارج تخوف من هذا المسار وكتب في صحيفة «الصحافي الدولي» تحت عنوان «ارادة سلام جامعة» ما يلي: «لا بأس من ان نتفق جميعاً داخل الحكم وفي صف المعارضة على ان نرى الشمعة في اخر النفق رافعة املاً وعملاً للوصول الى مشروع وطني يؤمن بلا زعزعة او تردد مستقبلا يسوده السلام والديمقراطية والتنمية، الثلاثية هذه لا يمكن اخذها الا بقوة العزم والتصميم والتفكير والايثار السياسي والاداء العملي القاصد والمجتهد». ثلاثية السلام والديمقراطية والتنمية القائمة على مبدأ الايثار السياسي تواجه الحكومة بجدول اعمال يلزمها سياسياً الى ان تتنبه بان تحقيق السلام تلزمه ارادة سياسية لصالح الانفتاح والاستيعاب وهو ما قصدنا بالايثار السياسي فليس من الحكمة ان تبدو حكومة الاسلاميين غارقة في شراهنة السلطة تفضي بهم للاستئثار بها دون سواهم من كثير من مواطنيهم ممن لا يجمعهم صف سياسي مع الحكومة. الشعور بالإقصاء مهدد رئيسي لتحقيق سلام طويل الاجل تستريح على قفاه مشروعات الانماء والانهاض لبلد لايزال عضواً في الدول الادقع فقراً والاشد تخلفاً.