بيان الاربعاء: يوم 11 سبتمبر كان رجل من الاف الاميركيين الذين شاهدوا برجي مركز التجارة العالمي يصطحب طفله عندما شاهد الطفل انهيار البرج الجنوبي صاح ببراءة وتلقائية: ولكن هذا ليس حقيقيا بالطريقة التي تكون عليها الأشياء الحقيقية حقيقية. في الحقيقة لم يكن هذا الطفل هو الوحيد بل ان الملايين في العالم وبين رؤساء دول لم تصدق عيونهم ما تشاهد.. فالفانتازيا اصبحت تغزو الواقع وتحيله ركاما في لحظات. نفس الوضع قد يصدق على التطورات الاقتصادية التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الشهور الاخيرة.. ويمكن القول ان مجمل ما حدث يمثل الطائرة وهي تدخل في البرج.. اما مشهد تداعي هذا البرج.. فلم يحدث بعد، وان كان البعض يتعامل مع القادم بروح متشائمة.. ويرى ان انهيار الاقتصاد الاميركي قادم لا محالة. بعد الثلاثاء الاسود «يوم 11 سبتمبر» فان العالم الان مهدد بالقفز اكثر من سبعين عاما الى الخلف نحو الخميس الاسود «29 اكتوبر 1929» ذلك اليوم الذي انهار فيه سوق بورصة وول ستريت والذي افضى فيما بعد الى سنوات الكساد العظيمة التي عرفتها اميركا والعالم. اميركا تريد العالم كله ان يتبنى قيمها كمنظومة واحدة وان يراها نهاية تاريخ التقدم الانساني بفضائحها وازدواجيتها. فيما لو انقلب العالم كله على شاكلة اميركا فلا ريب ان هذا سيتسبب في كارثة للانسانية جمعاء كما قال سيد قطب يوما. حينما قال ذلك في خريف عام 48 كان قطب ناقدا ادبيا معجبا بالحداثة الليبرالية واوفدته الحكومة المصرية في ذلك التاريخ لدراسة طرائق التعليم في الولايات المتحدة، غير ان اميركا ـ ترومان اثارت في نفسه الاشمئزاز فعاد بوجهة نظره السابقة، وما لبث ان تحول فيما بعد الى منظر للتيار الجهادي خرجت من عباءة افكاره كل التنظيمات ابتداء من صالح سرية قائد عملية الفنية العسكرية وانتهاء بأسامة بن لادن المتهم بالتخطيط لانفجارات مانهاتن. هل هي مجرد مصادفة ان يتحول أشد المعجبين بأميركا الى كاره لها يرى ممارساتها نقمة على الانسانية.. ليس هناك أي شيء يحدث بالمصادفة فهي تبدو كذلك بالفعل في السياسة كما في الاقتصاد، هذه محاولة لقراءة وقائع اقتصادية تنذر بكارثة ليس لأميركا وحدها.. وإنما للعالم معها. شهد الاقتصاد الاميركي في الاعوام الثمانية الاخيرة من الألفية الثانية نموا قياسيا غير مسبوق.. ارتبط هذا النمو بظروف وعوامل تغيرت كثيرا.. هذا التغير كان محتملا غير ان انفجارات مانهاتن انهت سنوات الرخاء بشكل لا رجعة فيه. في اعوام الازدهار لعب المستثمرون العالميون ورؤوس الاموال المهاجرة الى اميركا دورا رائداً في تمويل الشركات الاميركية.. كما كان وراء هذا التدفق الهائل للاستثمارات الاجنبية الى الولايات المتحدة مجموعة من الأحداث الضخمة والحروب بدأت بانتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي ثم حدثت ازمة الخليج الثانية وأعقبتها ازمات اقتصادية ضربت المكسيك ودول النمور الاسيوية ثم روسيا ودول اميركا اللاتينية.. انفجرت بعد ذلك ازمة البلقان والتي اختتمت بحرب اطلسية ضد يوغسلافيا. هذه الأحداث جميعا كانت دافعا لتوجيه رؤوس الاموال الطامحة الى ربح وفير ومكان آمن غير مهدد بحروب ولا انفجارات وكان هذا المكان هو اميركا. جميع بؤر التوتر اقتصادية وسياسية وعسكرية نزحت اموالها واتجهت الى هناك مما اوصل السوق المالي الاميركي الى حد الاشباع وتولت الجهات الدولية المانحة اعادة تدوير هذه الاموال من خلال اقراضها للدول التي ضربتها الازمات.. بادئا عملية جديدة لاستنزاف اموال شعوب عصفت بها الأزمات. الظروف السابقة جعلت الاثرياء في أوروبا واميركا وحدهم يشكلون نسبة 61% من أثرياء العالم، بينما عدد الأثرياء في كل قارة اسيا والتي تضم اكثر من نصف سكان العالم لا يتجاوز 7% من هذا العدد.. ليس ذلك فحسب فثروات اثرياء اوروبا وأميركا ارتفعت بنسبة 376% خلال الفترة من عام 86 وحتى عام 2000 ويتوقع ان ترتفع مجددا الى 23 تريليون دولار اواخر عام 2006. غير ان العام الاول في الالفية الثالثة حمل جديدا ففي نهاية يناير 2001 اكد جورج سوروس رجل الأعمال البارز والمقامر الاكبر ان الولايات المتحدة دخلت في مرحلة كساد ساعد عليها ان النظام الاقتصادي العالمي لم يكن قد تعافى بعد من الازمة المالية التي حدثت عام 1997.. وبدأت التحذيرات ففي تقرير اصدرته دائرة الشئون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة هناك تأكيد على ان الاقتصاد العالمي تلقى عام 2001 اكبر نكسة له منذ عشرة اعوام مضت. واشارت دراسة اخرى الى ان نمو هذا الاقتصاد خلال العام السابق تمكن بالكاد من تجاوز نسبة 1% وهو ادنى مستوى له طوال عقد. كان هناك اجماع على ان السبب تباطؤ الاقتصاد الاميركي الذي بدأ مع تدهور اسعار اسهم تكنولوجيا المعلومات والاتصال، ثم سرعان ما انتقل الى جميع انحاء العالم. ومن ثم فان الانتعاش العالمي مرتبط بتحسن اداء الاقتصاد الاميركي. فقاعات وأكاذيب واقع الاقتصاد الاميركي خلال السنوات الاخيرة قام على قاعدة غريبة وهي ان كانت تناسب اي دولة اخرى فهي لا تناسب الولايات المتحدة القطب الوحيد والأعظم! القاعدة تقول ليس المهم ما تنتجه وما تقدمه من سلع وخدمات. المهم هو كم قيمة اسهمك في البورصة. ومدى قدرتك على دفع الأموال لوسائل الاعلام والمعلقين الاقتصاديين والسياسيين لدفع قيمة هذه الاسهم. ثم تضرب ضربتك الكبرى وليس مهما ما يحدث بعدها. ويبدو ان المدرسة الاميركية لها تلاميذها في انحاء متفرقة من العالم.. فيجيب ساويرس مجرد مثال صغير من مصر.. لقد بدت الدهشة على وجوه البعض وهم يرون اسهم شركات تخسر 90% من قيمتها في فترات قياسية وتساءل كثيرون اين ذهبت هذه النسبة؟.. هذا الامر دعا كثير من المحللين الى اعتبار الاقتصاد الاميركي خلال عقد التسعينيات وحتى اليوم اقتصاد فقاعات مالية ومضاربات عقارية وهمية وأكاذيب. منذ بداية عام 2001 كان واضحا للجميع ان هناك تراجعا وصفه كثيرون بأنه ركود غير ان النصف الثاني من العام قطع الشك باليقين في هذا الشأن فاعترف بالركود غلاة المتفائلين. هذا الركود حدث رغم الاجراءات الاستثنائية التي تم اتخاذها سواء على صعيد السياسة النقدية او السياسة المالية التي حاولت انتشال الاقتصاد من محنته. ففي يوليو 2001 هبطت قيمة الدولار بشكل كبير امام العملات العالمية الرئيسية وكان ذلك اول انخفاض حاد لهذه السنة.. واضطر مجلس الاحتياط الفيدرالي «المصرف المركزي الاميركي» الى تخفيض سعر الفائدة 11 مرة خلال شهور قليلة حتى وصلت اسعار الفائدة لاقل من 2% وهذا الامر لم يحدث في الولايات المتحدة منذ 40 عاماً. كما حاولت السلطات الاميركية توفير حزمة من الاجراءات التحفيزية تمثلت في خفض الضرائب وزيادة الانفاق غير ان حالة المريض «الاقتصاد الاميركي» لم تتجاوب مع الاجراءات هذه. واكد المحللون ان سبب عدم التجاوب هو ان حالة الركود مرجعها فائض في العرض وزيادة في الطاقات العاطلة.. وسبب ذلك هو المبالغة في الاستثمار خلال فترة طفرة اسهم صناعة التكنولوجيا والاقتصاد الجديد. واوضح التقرير التصنيفي لمؤسسة فورتشن ان العام 2001 هو اكبر عام للتراجع في الارباح، فهناك 297 شركة شهدت تراجعا من معدلات ارباحها كما انخفض اجمالي العائدات للعام الى اقل من النصف مقارنة بعام 2000 وكانت شركات الاتصالات صاحبة النصيب الاوفر من الخسائر.. فقد بلغ اجمالي كافة خسائر الشركات المصنفة «ضمن اهم 500 شركة وعددها 24 شركة اتصالات» ما يزيد على 780 مليار دولار. وشكلت خسائر الاسهم ما نسبته 60% من القيمة السوقية الاجمالية التي تمتلكها 280 شركة تعمل في مجال الصناعات الالكترونية المهمة. وطالت الخسائر اسهم شركات عملاقة مثل سيسكو سيستمز التي تقلصت قيمتها السوقية بنحو 210 مليارات دولار وياهوو 102 مليار دولار واميركا اون لاين 92 مليار دولار. ويؤكد تقرير اقتصادي نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» ان حاملي الاسهم في قطاع الاتصالات وحده تدهورت قيمة اسهمهم في السنوات الاخيرة اكثر من الفي مليار دولار وبات نصف مليون موظف عاطلين عن العمل. وأصدر مجلس الاحتياط الفيدرالي وصندوق النقد الدولي تحذيرات من ان العجز التجاري الاميركي الذي اقترب من 4% من اجمالي الناتج المحلي عام 2001 يتجه الى مستوى يصعب تحمله. كما اضطرت ادارة بوش قبل انفجارات سبتمبر بثلاثة ايام للاعلان عن انها ستسحب نحو تسعة مليارات دولار من فائض اموال الضمان الاجتماعي لدعم الميزانية الفيدرالية رغم ان هذا الامر يمثل اخلالا بوعد قطعه بوش على نفسه يقضي بعدم استخدام فائض هذه الأموال. ونتيجة للخسائر التي منيت بها اسهم الشركات العالمية خلال العام الماضي والعجز في الحساب الجاري الذي كان يعوضه تدفق الاستثمارات الاجنبية نحو الاقتصاد الاميركي.. نتيجة لذلك اتجهت بعض هذه الاستثمارات لدول اخرى في اطار البحث عن أسواق اكثر امانا.. وكان الاتحاد الاوروبي على رأس قائمة بديلة للاستثمار في الولايات المتحدة. وربما تمثل حالة شركات الطيران ـ حالة استثنائية ـ بعد انفجارات 11 سبتمبر.. فالعام كان أسوأ الأعوام في تاريخها حيث خسرت الشركات الجوية الـ 11 حوالي 3.5 بلايين دولار.. وألغت اكثر من 80 ألف فرصة عمل في الربع الاخير من العام ويتوقع ان تصل الخسائر الى خمسة بلايين هذا العام.. وكان ينتظر ان تكون هذه الخسائر اكبر بكثير غير ان المساعدة الفيدرالية العاجلة التي بلغ حجمها 15 بليون دولار خففت كثيرا من المأساة التي حدثت في هذا القطاع. عصابة الخمسة موسم فضائح الشركات الاميركية بدأ بشركة انرون «عملاق الطاقة الاميركي واكبر مساهم في الحملة الانتخابية للرئيس بوش».. ورغم ان انهيار الشركة لم يكن يشكل اي مخاطر تذكر على الاقتصاد الاميركي كما أعلن الفريق الاقتصادي الرئاسي غير انها احدثت زلزالا وكشفت خيوط فساد سياسية اقتصادية تخيم على المجتمع الاميركي وتحكمه احيانا ـ فقد نشرت جريدة «تكساس مانثلى» ارقاما للمعونات والتبرعات التي قدمتها الشركة للسياسيين منذ عام 89 وحتى نهاية العام الماضي. وحسب الصحيفة فان مساهمات الشركة في الحملة الانتخابية الاخيرة زادت على ستة ملايين دولار اضافة الى نحو مليون دولار اخر مساهمة شخصية من رئيسها. وتقول التقارير ان 70 عضواً من بين كل 100 عضو من مجلس الشيوخ تلقوا مساعدات لتمويل انتخاباتهم من ادارة انرون في تقارب غير حميد بين البولوتيكا والبيزنس. ليس هذا فحسب بل بلغ نفوذ رئيس الشركة التي أعلنت افلاسها في 2 ديسمبر الماضي ان رشح للرئيس بوش شخصيات لتعيينها في وظائف حساسة وقالت متحدثة رئاسية ان رئيس الشركة كينيث لاي قدم بالفعل قائمة من ثمانية اشخاص لتولي مناصب في مجال الطاقة خلال العام الماضي وانه تم تعيين اثنين منهما بالفعل. وبدأت سلسلة فضائح وانهيارات ضمت عدة شركات من اشهرها اميركا اون لاين تايم وورنر التي اعلنت تسجيلها أعلى خسائر فصلية في تاريخ الشركات والتي بلغت قرابة 54 مليار دولار في الربع الاول من العام الحالي. هذه الشركة هي نفسها التي تشتهر بنشر مجلة «تايم» وانتاج فيلم هاري بوتر اضافة الى امتلاكها محطة «CNN» الاخبارية. غير ان اخطر الفضائح والانهيارات تمثل في افلاس وورلدكوم التي تخبطت في فضيحة مالية هائلة واعتبر افلاسها اكبر عملية افلاس في التاريخ الاميركي. فالشركة مدينة لبنوك على مستوى العالم بنحو 4.5 مليارات دولار كما ان مستحقات شركات التأمين الاميركية لديها تزيد على 5.4 مليارات اخرى.. وتحتاج الشركة الى مبالغ طائلة لمواجهة خدمة اجمالي ديونها التي تجاوزت 30 مليار دولار.. ويبلغ حجم خسائر الشركة ستة أضعاف خسائر عملاق الطاقة «انرون». وفي البورصة كان تدهور اسهم الشركة مفجعاً فالمساهم الذي اشترى اسهما بعشرة الاف دولار «في مارس 2000» لم يعد يملك اليوم الا مئتي دولار بالكاد. كثيرون يعتقدون ان انهيار وورلدكوم وان كان الاضخم من نوعه في تاريخ الولايات المتحدة لن يبقى على رأس القائمة لفترة طويلة.. فبقدر ما عجلت الشركة بازاحة انرون عن موقع الصدارة التي لم تتمتع به طويلا.. فان هناك منافسين ينتظرون الفرصة المناسبة لانتزاع الصدارة من وورلدكوم التي كانت بنظر كثيرين احدى اهم شركات قطاع الاتصالات في الولايات المتحدة والعالم. الفضائح المتتابعة والتي كانت وورلدكوم اخرها الحقت اكبر قدر من التدمير بقطاع الاسهم. فخسائر هذا القطاع ارتفعت الى 2.4 تريليون دولار منذ بداية العام الجاري «لتصل الى 7 تريليونات منذ مارس 2000». الجانب الاخطر في الموضوع تحدثت عنه مؤسسة مورجان ستانلي حينما وصفت خمس شركات عملاقة بأنها «عصابة الخمسة» بعد ان الحقت بحملة اسهمها خسائر تزيد على 460 مليار دولار. هذه العصابة تضم انرون وتايكو «للانتاج الصناعي» وكي ويست للاتصالات وكمبيوتر اسوسيتش ووورلدكوم. ويقول جون لونسكي ابرز العاملين في قسم التوقعات بشركة موديز للتصنيف المالي «ان ما يزيد الرعب ان حجم ديون الشركات غير المالية الاميركية بلغ 4.87 تريليونات دولار في الربع الاول من العام الحالي اي حوالي نصف قيمة اجمالي الناتج المحلي في الولايات المتحدة. هذا الانهيار انعكس ليس فقط على المساهمين في البورصة والذين يعتقد البعض انهم يمثلون نصف الشعب الاميركي بل حتى على مداخيل الصحف والمجلات من الاعلانات التجارية. والذي وصل الى حد انهيار عدد منها ومن الامثلة المعبرة في هذا الصدد مجلة «The Industry Standard» الاميركية وتعتبر من المطبوعات التي تمثل رمزا للحياة الاقتصادية المعاصرة. كانت المجلة تعتمد كليا على الاعلانات وتخصص لها 145 صفحة في كل عدد وتجنى 140 مليون دولار من الاعلانات في العدد الواحد. وهناك مجموعة من الدلالات يمكن الخروج بها بعد الفضائح الاخيرة منها ان التقارب غير الحميد بين رجال الاقتصاد ورجال السلطة اصبح قضية غير مشكوك فيها وربما يمثل ذلك مسمارا في نعش العظمة الاميركية.. المشكلة ان هذا التقرب يتم على أسس غير اقتصادية وهو ما يؤدي لكوارث ليس فقط للشركات والوضع الاقتصادي العام وانما قد يؤدي لانهيار مجتمع باكمله بنى كل مجده على القوة بأنواعها المختلفة.. كما يدمر ما حدث توهم «الشفافية البالغة» فالاقتصاد الاميركي اثبت انه لا يختلف كثيرا عن الاقتصادية «العالم ثالثية» وان القائمين على ادارة المؤسسات هناك يمارسون الفساد ايضا وبعضهم تمارق فيه حتى انينه. ضياع الثقة حدثت ازمة ثقة لم يجد معها اقتراح الرئيس جورج بوش مضاعفة عقوبة السجن على المتهمين بالتورط في حالات تحايل بالشركات كما لم يجد معها الطمأنات التي تتدفق عبر مسئول جديد مركزي عينته الادارة الاميركية خصيصا لهذا الشأن فهذه الازمة اصبحت تخيم على الاسواق المالية وتمثل خطرا حقيقيا ليس على الاقتصاد الاميركي وانما على اقتصاد العالم بأسره المقود بقاطرة اميركية ويقول هنك بوتس محلل الاستثمار في باركليز برايفت كلاينز البريطانية التي تدير اموال عملاء اثرياء «اذا عجزت عن وضع ثقتك من المحاسبين او الشركات فان كل شيء سيتساقط تباعا». سلسلة الفضائح الاميركية جددت لدى الاميركيين حالة الشك في كل شيء.. فهم يجدون عددا متناميا من مؤسساتهم الكبرى يسقط في وحل عدم النزاهة.. يعبر بيجي نونان «كاتب حظايات ربحان» عن الواقع الاميركي بشكل بليغ قائلا «المؤسسات التي ابقتنا في حالة جيدة تترنح وتئن من فرط سوء ادائها.. الكنيسة الكاثوليكية ضحية للجراح التي احدثتها بنفسها والفساد الذي لحق باساقفتها وشركة انرون لوثت سمعة الشركات «هذا الكلام قبل وورلدكوم» وبورصة وول ستريت استخدمت اساليب ملتوية، وشركات المحاسبة الكبرى التي تحكم بها على اداء استثماراتنا اصبحت مثارا للسخرية والتندر.. كما اصبحت مثارا للسخرية الاكبر وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي». وفي استطلاع رأي خطير نشرته «وول ستريت جورنال» قال 95% انهم لا يثقون في اجهزة الاستخبارات واشار 86% الى ان الكنيسة الكاثوليكية تسترت على فضيحة الاعتداء الجنسي التي ارتكبت بحق الاطفال بدلا من ان تكشف الحقائق. فترات الشك تكررت في التاريخ الاميركي وان لم تكن بنفس الحدة مرة خلال حرب فيتنام ومرة اخرى عندما دفع الركود وأزمة الطاقة الرئيس الاميركي الاسبق جيمي كارتر الى القاء خطاب اصبح معروفا بخطاب القلق اعلن فيه ان البلاد تواجه ازمة ثقة. نتائج مدمرة ازمة الثقة هذه كانت لها نتائج تنذر بعواقب وخيمة اذا ما استمرت، فقد تراجع تدفق الاستثمارات الدولية المباشرة الى الولايات المتحدة مما ادى الى تراجع الدولار.. وانخفضت هذه التدفقات خلال 2001 بنسبة 60% عن عام 2000 كما واصلت انخفاضها الى نحو 30% من قيمتها خلال الشهور الأربعة الأولى من العام الحالي. كما تزايدت عمليات سحب الأموال المستثمرة من صناديق الاستثمار ووصل اجمالي السحوبات الى 110 مليارات دولار في شهرين.. وتراجعت ايضا عائدات الضرائب بمقدار 1.35 تريليون دولار نتيجة الكساد اعتبارا من مارس 2001، كما واصل عجز الموازنة ارتفاعه ويتوقع المحللون ان يصل الى 165 مليار دولار مع نهاية العام الجاري.. اضافة الى ذلك ضعفت قدرة المواطن الاميركي الشرائية.. علما بأن الانفاق الداخلي يمثل ما لا يقل عن ثلثي حجم الاقتصاد.