استبعد بلعيد ابريكا قائد حركة المواطنة في منطقة القبائل الجزائرية الحوار مع الحكومة، لعدم توفر شروط الاستقرار والثقة. واعتبر في حوار مع «البيان»، ان الحركة في تطور ولم تجف منابعها الحركية والتنظيمية والجماهيرية وان النظام الجزائري غارق في تناقضاته. ظروف الحوار كانت صعبة ورحلة البحث عن الرجل شاقة، وتأجل الحوار مرتين بطلب من أعوانه لأسباب لم نبحث فيها بفعل الوضع الخاص الذي تعيشه المنطقة و«قوانين» حياة السرية التي يعيشها بلعيد منذ 25 مارس الماضي حين اقتحمت قوات الأمن الخاصة مقر حركته بقلب مدينة تيزي وزو واعتقلت عشرات من أعوانه ونجا هو بأعجوبة. في مدخل المبنى الذي قرر أن يكون فيه اللقاء استقبلنا وبدا هادئا للغاية وقد زادت لحيته طولا عما كانت عليه حين شارك قبل ستة أشهر في ندوة «البيان» حول أزمة القبائل ونشرت بـ «بيان الأربعاء» في عدد 27 فبراير 2002 عن ظروف السرية التي يوجد فيها وآفاق الحركة الاحتجاجية في القبائل وما أشيع عن وجود اتصالات بالسلطة وانقسامات في الحركة وضحايا المواجهات. تالياً: نص الحوار الذي أجرى مع بلعيد ابريكا قبل الاضراب العام في منطقة القبائل والمسرة التي تخللها صدامات مع الشرطة يوم الخميس الماضي. ـ حددت وقت الحوار بـ 45 دقيقة، ربما لا يكفينا لكثرة ما نريد معرفته عن وضعكم وجديد مواقفكم. ترى ما السبب؟ هل أنت مضطرب أم خائف من أن تعرف السلطات طريقك؟ ـ مضطرب لا ... خائف لا أيضا. كل ما في الأمر أن هناك مشاغل كثيرة أخذت منا وقتا كبيرا. نحن بصدد تحضير يوم احتجاجي كبير بتيزي وزو... سيكون الإضراب العام والمسيرة للتعبير عن الغضب جراء استمرار حملة الاعتقالات ومن أجل حشد التضامن للمعتقلين. أنا لا أخفي صعوبة الموقف وتعقد الأمور. وبالمناسبة أرجو أن تتفهموا تأجيل اللقاء مرتين. كان ذلك خارج طاقتنا. بالنسبة لزمن اللقاء أؤكد لكم بأن اجتماعا مهما للحركة ينتظرني مباشرة بعد نهاية الحوار معكم. لسنا في حالة حرب ـ تراخت حركتكم كثيرا خلال الصيف ولم يعد لها ذلك الزخم الذي ميزها في الأشهر الماضية أهو تراجع أم «استراحة محارب»؟ ـ «يبتسم» لا هذا ولا تلك ... نحن لا نعتبر أنفسنا في حالة حرب، هذه كلمة لا تعبر عن أفعالنا وأهدافنا... نحن نمارس كفاحا مشروعا وحملنا مطالب لسلطة تسير شئون البلاد قبل أن تصل الأمور إلى درجة التعفن التي هي عليها اليوم. بالنسبة لما يظهر وكأنه تراجع الحركة، أقول فعلا نحن لم نقم بنشاط استعراضي ضخم منذ الحركة الكبرى التي توجت بمنع إجراء الانتخابات البرلمانية في القبائل في 30 مايو الماضي. وقدراتنا التعبوية قائمة فعندما أردنا أن نفعل فعلنا وكانت النتيجة رائعة ولم تلب القبائل نداء السلطة التي كانت تراهن على عزل الحركة وتحقيق نسبة في تلك المهزلة الانتخابية تبرر مواصلتها تجاهل مطالب سكان المنطقة وقمعهم، 30 مايو كان يوما مشهودا أثبتت فيه القبائل وحدتهم والتفافهم حول أرضية القصر «البرنامج المطلبي الذي تبنته القبائل في مؤتمر عام بمدينة القصر في يونيو 2001 من 15 نقطة منها سحب جميع فرق الدرك الوطني ـ المحرر» وسجل في تلك الانتخابات صفر بالمئة من أصوات السكان. و 2 بالمئة المصرح بها هي أصوات أفراد القوات المسلحة المرابطة بالمنطقة من جيش وشرطة ودرك وجمارك والمصالح الأخرى التابعة للحكومة. أما السكان فلم يشاركوا في العملية إطلاقا وقرروا حمل المنظمين على إغلاق مكاتبهم. وهذه أول مرة في تاريخ البلاد تفلس فيها محاولات السلطة حسم نتيجة انتخابات قبل إجرائها. وحدث ذلك بفعل تجند السكان وحرصهم على أن لا يكونوا مجرد أرقام في حسابات هذه السلطة. أليس ذلك نصرا للديمقراطية أقول؟ أيضا إن اجتماعات الحركة تجري وان في ظروف صعبة بالنسبة لعدد كبير من إطاراتها المطلوبين بسبب مواقفهم من النظام و من الانتخابات. أوقفنا الانتخابات لانها لعبة ـ أوقفتم الانتخابات في منطقتكم واعتبرتم ذلك نصرا لحركتكم ولمواقفكم وللديمقراطية، لكن البرلمان قائم اليوم ويجلس فيه نواب يمثلونها، ألا ترون أنكم خسرتم الرهان؟ ـ الذين يحكمون البلد قرروا تنصيب البرلمان، وهذا شأنهم وأقول إنه لايهمنا. فالأمر هنا يتعلق بشرعية المؤسسات وهو موضوع عام ولا يخص منطقة القبائل وحدها. نحن قلنا بأن الانتخابات لن تنظم لأننا ندرك أنها مجرد لعب وقفز على الحقائق وندرك الأولويات بالنسبة للسكان فمطالبهم قبل اللعب. والحكم لم يقدر هذا الموقف فتفاجأ بالنتيجة وأدى به الاضطراب إلى المضي في طريق الكذب والتدليس بإعلان ممثلين لمنطقة لم يشارك سكانها في الانتخابات. ونحن لم يفاجئنا هذا الموقف الرسمي. فمن شيم النظام الجزائري تركيب النتائج بحسب حاجة الحكام. استنفار القبائل لاطلاق المعتقلين ـ عدد كبير من الكوادر ينشطون في السرية وعدد كبير آخر يوجد في السجون كيف تصور لنا وقع هذا الوضع على مستقبل «حركة المواطنة»؟ ـ في الحقيقة من السذاجة القول بأن غياب أفراد اكتسبوا التجربة وثقة الشعب لا يؤثر على مسار الحركة. الاعتقالات أحدثت خللا في تنظيم النشاط وملاحقات الشرطة أثرت أيضا كوننا لا نتحرك بحرية وحدث أن أجلنا بعض الأعمال الهامة بسبب الرقابة. لكننا تجاوزنا هذا الوضع. فالحركة متجذرة في الأوساط الشعبية وهي ليست مجموعة معزولة حتى يتسنى القضاء عليها أو تعطيلها. وأصبح تعويض القيادات آليا ولن يتوقف النشاط من الآن فصاعدا. وكلما مارس الحكم أعمالا قمعية جديدة زادت مبررات مواجهته وزاد عدد المعنيين بهذه المواجهة وهذه معادلة عامة ولا تخص وضع الجزائر وحده. اليوم يوجد كل القبائل في حالة استنفار من أجل فرض الإفراج عن المعتقلين. هناك نساء وأطفال وشباب يقصدون يوميا المحاكم والسجون لمواصلة الضغط على السجانين. وأود أن أؤكد أن رقعة التضامن تتسع وسنقوم في الأيام المقبلة بفعاليات كبيرة لا شك أن السلطة تجند آلافا من رجال الأمن والدرك لقمعها لكننا لن نتوقف ما لم يستجب لمطالبنا كاملة. ـ يبدو أنكم متفائلون أكثر من اللازم؟ ـ المسألة ليست تفاؤلاً أو تشاؤماً لكن سير الأحداث أو كما أراها على الأقل. فحركة المواطنة تكتسب كل يوم خبرات وطرق عمل جديدة تمنحها النفس الطويل لإنجاز المهمات الشاقة المقبلة والمشاكل الأخيرة الناتجة عن حملة الاعتقالات والملاحقات أضافت جديدا لم تعهده ودفعت الشباب الى الاجتهاد لتحقيق مهامهم. الإحساس العام أننا نتقدم ونكبر والنظام يتراجع ويصغر. فعدد الذين لا يذكرون النظام الجزائري دون ربطه بالمافيا والإجرام يتزايد وعدد من أصابهم مكروه من حماقات أجهزة هذا النظام يتزايد أيضا. وعدد الذين يتمرسون على العمل في شتى الظروف تضاعف في صفوفنا وهو ما يخلق المناعة للحركة من السقوط والتأثر بالطوارئ. الاستجابة لمطالبنا قبل الحوار ـ مواقف بلعيد أبريكا من السلطة لم تتغير، لكن الحديث يجري هذه الأيام عن اتصالات بين حركة المواطنة وأطراف في أجهزة الدولة. حتى أن البعض راودهم أمل في حصول اتفاق وشيك قيل إنه سيكون ثمرة مفاوضات سرية تجري الآن. هل ظهر من أوساطكم «محاورون» جدد؟ ـ اعطني اسما واحدا من قيادات حركة المواطنة باشر التفاوض باسم الحركة أو باسمه... لا يوجد من يفعل هذا في أوساطنا. في السابق خلقت أطراف في الحكم يحاورون فحاورتهم وأسست ورش تفكير معهم حول ما سمته أزمة القبائل وأعلنت النتائج لكن تلك النتائج ظلت حبيسة الأدراج لأنها لا تستند الى أي سند شعبي. هي تحققت مع أناس معزولين حتى في مدنهم وقراهم. بل إن معظمهم لا يقيم بمنطقة القبائل. أقول لكم بأنه لا توجد أية مفاوضات مع أي طرف رسمي الآن. ثمة اتصالات لم نبادر بها نحن لكنها لم تصل الى أي اتفاق بشأن الدخول في مفاوضات. فقد حددنا منذ أزيد من عام السقف بإعلان رسمي من أعلى سلطة في البلاد يتعهد بالقبول التام لأرضية القصر ليكون ذلك مدخلا للمفاوضات. أن الاستقرار يستلزم الاستجابة الكاملة لمطالب الحركة الاحتجاجية، وأية مفاوضات ندخلها يجب أن يكون هدفها هو توفير شروط الاستقرار، لكن هذه النية غير متوفرة الآن على مستوى السلطة. ـ لكن علي بن فليس عرض علنيا بعد فوزه بالانتخابات وتشكيل الحكومة الجديدة الحوار.ولم تبينوا موقفكم من العرض؟ ـ كما أسلفت أن استجابتنا لأية مبادرة أو محاولة انطلقت من السقف الذي حددناه في مؤتمر شعبي عام وفي بيان تبناه جميع القبائل. والنظام لم يعلن رسميا ومن أعلى هيئة فيه التزامه بما نطالب به حتى نحاوره. ما يقدم اليوم من عروض هو مطالبتنا بالتخلي عن المطالب المدرجة في أرضية القصر والبحث عن جديد اي تجاهل لتضحياتنا ومطالبنا، وهذا منطق نرفضه للحوار، والحوار يستدعى الثقة وهي غير موجودة. لا نريد الدخول في سراديب النظام ـ أنتم تحكمون على النظام كما لو كان كتلة واحدة. فالمواقف المتناقضة في كثير من الأحيان تدل على أن النظام الجزائري ـ على الأقل فيما يخص أزمة القبائل ـ ليس في صف واحد فهناك من يريد الاستماع إليكم وإحداث ميزان قوى للضغط على ما يوصف بالتيار المتشدد في الحكم. ـ لماذا لا تستغلون هذا الوضع لتسجيل نقاط لصالحكم؟ ـ نحن لا نريد أن ندخل في متاهات البحث في سراديب النظام عن بصيص أمل أو عن مكان مضيء. الأمر واضح ولا يحتاج إلى كل هذا اللف إن قبلوا مطالبنا كاملة وبصفة رسمية دخلنا معهم في حوار أو مفاوضات أو إيجاد آليات تجسيد تلك المطالب. وبخصوص ما يشاع عن تعدد مراكز القرار أود أن أشير أن أطراف الحكم متضامنة وتتصل بمصالح مشتركة أساسها البقاء في الحكم وكل طرف يحتاج بقاؤه الى الطرف الآخر. وهناك فقط توزيع الأدوار وتعدد الأساليب التي تؤدي في النهاية الى ذات النتائج كونها تنطلق من ذات المصالح. هناك تناقضات داخل تلك المصالح المشتركة بين أطراف النظام لكنها لم تصل الى حد فصل أي منها في إحداث القطيعة مع الآخر بسبب مشكلة ضحاياها من عامة الناس. ولقد تعامل النظام الجزائري مع الوضع في منطقة القبائل بوجهين يتمثل أولهما في خطاب موجه للاستهلاك الخارجي وللجزائريين من خارج المنطقة الذين لا تفرض عليهم الظروف أن يعيروا الاهتمام لمطالب القبائل.وهذا الخطاب يدعو للحوار ويبين بأن حركة المواطنة ترفضه. وثانيهما هو الممارسة اليومية في الميدان، في مدن وقرى القبائل منذ ابريل الماضي، حيث قتل اكثر من مئة شخص واعتقل وطورد الالاف وعندما دعا فيه بن فليس الى الحوار اعتقل البوليس رمضان بوعدي وهو من أهم قيادات الحركة وأكثرها شعبية. وفي هذت الوقت بالذات تدخلوا لمنع عقد اجتماع الحركة في بلدة بوهينون. هم يدعون الى الحوار ويمارسون أقصى ما يستطيعون من ضغط لتكون نتائج الحوار الذي يقترحونه في غير صالح من يحاورونه. هم يدعون للحوار دون أن يكلفوا أنفسهم إبراز نية صادقة لحل المشكل. عن أي حوار يتحدثون.