تناولت الحلقات السابقة الظروف التي دفعت عبدالناصر الى تأسيس تنظيم سري رغم كونه على قمة السلطة وعلى قمة مشاعر الشعب وامتلاء الاتحاد الاشتراكي بالانتهازيين. كما عرضت الحلقات اسماء اول من تم ترشيحهم للخلايا السرية وكيف كان منهم الدكتور عبدالحليم محمود الذي اصبح شيخاً للازهر فيما بعد واستبعاد عدد من المرشحين لهذه الخلايا على رأسهم عزيز صدقي وسيد مرعي. كما استعرضت الحلقات علاقة التنظيم بالشيوعيين وحركة الاخوان المسلمين وشخصية الدكتور خالد وكيف تمكن ناصر وحده من حل لغزها بعد ان عجزت اجهزة الامن. وتناولت الحلقات قيام التنظيمات الشيوعية بحل نفسها وانضمام قياداتها كأعضاء في التنظيم الطليعي، كما تناولت دور التنظيم في الاحداث الكبرى التي مرت بمصر ابتداء من خطاب التنحي وصولاً الى ما حدث عقب موت عبدالناصر والانقلاب على رجاله.. وموقف التنظيم من الانحراف بالسياسة المصرية نحو الولايات المتحدة ونحو حل سلمي مع اسرائيل حتى قبل ان تدخل مصر حرب اكتوبر. الحلقة الأخيرة تكشف الامراض التي أدت الى انهيار التنظيم والدور الذي لعبه هيكل في التخلص من رجال عبدالناصر. يقدم السيد صلاح مغيث عضو طليعة الاشتراكيين رؤيته مكتوبة وبعد انقلاب مايو بفترة زمنية طويلة من اجل استخلاص الدروس والعبر لصالح بناء تجربة جديدة لم يحن الوقت لتناولها، يقدم مغيث بلورة لانتقاداته قائلاً: 1ـ ان السرية التي اتسم بها التنظيم الطليعي قد تقررت لعوامل ثلاثة. وهي حماية اعضاء التنظيم من كيد القوة المضادة للثورة وابعادهم عن امراض التعالي والظهور على الجماهير. وضمان ترسيخ قيم الالتزام واحكام قواعد المركزية الديمقراطية.. غير ان السرية ذاتها.. خلقت امراضاً اخرى لم تجد مجهوداً لعلاجها وهي ان كثيراً من الاعضاء اكتفى بمجرد حضور الاجتماعات وان كثيراً من القيادات كانوا ينسبون تصرفاتهم وقراراتهم الخاطئة الى توجيهات هذا التنظيم التي هي بطبيعتها سرية ولم يكن ذلك صحيحاً تماماً. 2ـ ان احساس عضو التنظيم الطليعي بأن مسلكه وتصرفاته تحت النظر والتقييم تأكيداً لمبدأ الطهارة الثورية دفع الكثير من الاعضاء الى الانكماش تجنباً لمزالق غير محسوبة فاقدين بذلك اهم مقومات عضو التنظيم وهو ارتباطه بالجماهير. 3 ـ انه قد يكون صحيحاً الاعتماد على اعضاء التنظيم في قيادة المواقع التنفيذية ذات الصلة المباشرة بالجماهير غير ان ذلك كان يتم في اغلب الاحيان دون امداد يذكر.. ودون ان يمر العضو المرشح لهذا الوقع او ذاك باختبارات واجبة تؤكد صلاحيته واثبتت التجربة ان بعضهم على الرغم من نزاهتهم الا انهم فشلوا في قيادة العمل فنياً. 4ـ ان بناء التنظيم بمجموعة تم اختيارها منذ البداية. وكانت لهم مناصبهم الهامة والمؤثرة.. فقد صعب عليهم وعلى غيرهم التفرقة بين الشخص وبين منصبه.. ولربما كان المنصب هو البارز في الامر اكثر من الشخص. ويصنع هذا الوضع العديد من الحواجز بين القيادات والقواعد. اختفت فيها مبادئ الديمقراطية داخل التنظيم. 5ـ ان امين التنظيم على الرغم من شهادة الجميع له بكفاءته فكراً ومسلكاً الا ان كونه يجمع بين واجبه كأمين للتنظيم ومنصبه كوزير للداخلية. تسبب في الكثير من الخلط بين الواجب والمنصب مما افقد التنظيم حرية الحركة وحق المبادرة الذاتية واتسمت قيادة تنظيم بطابع اداري بيروقراطي. 6ـ ان مثل هذه الملاحظات ادت الى شيوع بعض المفاهيم الخاطئة لدى قيادات التنظيم حيث كان في تصورهم ان انتقاد المسئولين في السلطة قد يعطي القوة الرجعية سلاحاً تستخدمه للتشهير بالثورة فوقعوا في خطيئة التستر على الاخطاء وربما تبريرها. والحق ان ذلك لم يكن مقبولاً لدى قواعد التنظيم فقد كانت رؤيتهم ان التصدي وكشف مسئول منحرف ليس تصدياً للسلطة ولكن بمثابة تطهير للسلطة من احد المنحرفين فيها. 7ـ من المفاهيم الخاطئة ايضاً.. الخلط بين ثلاثة مستويات من الولاء والغاء المسافات بينها. الولاء للثورة. والولاء لعبد الناصر. والولاء للعاملين معه. هذا الخلط اعطى الفرصة لبعض الانتهازيين المتسللين الى الصفوف الى اشاعة جو من الارهاب لم يعط قواعد التنظيم حيويتها المطلوبة في العمل الوطني. 8 ـ ان كثيراً من القواعد لم تكن تجد لها واجباً محدداً فلم تكن تجد في اجتماعاتها الا الثرثرة والاحساس بشكلية التكليفات. 9ـ ان اهتمام قيادات التنظيم بقواعدهم لم يكن يتم الا في المناسبات. وبتعليمات صادرة من فوق.. وعند الحاجة فلم تكن بين القواعد والقيادات صلة ثابتة وفعالة في تحقيق الاتباع المطلوب في هذا التنظيم الذي اريد له ان يكون بمثابة عصب المجتمع وعموده الفقري. 10ـ ان هذه الملاحظات جميعها وغيرها. جعلت القيمة الفعلية في هذا التنظيم للتعليمات الصادرة من فوق. وقيمة اقل وربما لا تذكر لنبض القواعد وصرخاتها احياناً الصادرة من اسفل. واصبح التنظيم الطليعي الذي كان يشكل حلماً «لعبد الناصر» في ترسيخ المبادئ الثورية استمراراً واستقراراً وفعالية والذي كان يشكل املاً للقواعد الشابة.. وان يكون هذا التنظيم هو الثورة وهو البطل.. وهو القائد. اصبح ذلك كله رهن لمشيئة قيادات تفتقد الثقة في الجماهير وتخشاها وتطمئن الى ان تؤدي واجباتها بقوة السلطة وان حسمت نواياها ومن ثم كان من الطبيعي ان ينتظر المحافظون تعليمات صادرة لهم من فوق لتقول للجماهير المطالبة بعودة عبد الناصر وعدوله عن التنحي عما اذا كانت التعليمات ستقرر ان يعود عبد الناصر او لا يعود. وكان من الطبيعي ان يخرج من صفوف التنظيم مسئول لمتابعة تصور انه في الامكان محاسبة مسئول كبير عن تصرفه. وكان من الطبيعي ان يقف اعضاء التنظيم حائرين وعاجزين عن عمل شيء نحو صراع فاحت رائحته في قمة السلطة ويهدد الثورة بأفدح الاخطار. لمجرد ان قيادات التنظيم رأت التستر على هذا الصراع او اعتباره امراً يخصها هي دون غيرها. وكان ذلك خطأ كبير دفع الجميع ثمنه. حتى لو كان هذا الخطأ مستنداً الى مبررات نبيلة هي رغبة القيادات في تحجيم الصراع نظراً لظروف المعركة. بعد تلك الشهادات من بعض فعاليات الطليعة العربية تجاه تقويم تلك التجربة بسلبياتها وايجابياتها نرى لزاماً علينا ان نقدم رؤيتنا لهذه التجربة والاسباب الواقفة خلف الانهيار الذي حدث وألم به. فلسفة أمنية في حديث للكاتب الاشهر «محمد حسنين هيكل» مع جريدة «العربي» لسان حال الحزب الناصري ومع الصحافيين. محمود المراغي (رئيس التحرير)، عبد الله السناوي (رئيس قسم الشئون العربية) قال بتاريخ 26 يوليو 1993: «انا دائماً اقول ان تجربة عبد الناصر لها ثلاث قوائم، ولم اغير هذا الكلام. قائمة الحلم وهذه يمثلها جمال عبد الناصر. الحلم والفكرة والمشروع. وقائمة التنفيذ. وقائمة التأمين اننا ننسى احياناً، وتأخذنا عجلة الرؤية الشاملة عن التفاصيل. التنفيذ قام به كله تقريباً مدنيون. ولعلك لو نظرت الى تفاصيل التجربة لوجدت ان تنفيذ مشروعات الثورة قام به اهل الاختصاص: عبد المنعم القيسوني الذي اعلن قرارات التأميم جاء من سكول اون ايكونوميكس في لندن، محمود فوزي الذي قاد السياسة الخارجية المصرية في وقت السويس جاء من جامعة يوكوهاما عزيز صدقي جاء من جامعة هارفارد.. ما يقلقني ان تحمل عنصر التأمين السياسي او التأمين غير السياسي اكثر مما تطيق طبيعته وطبيعة الامن. لابد ان يأخذ جيل جديد المسئولية. يأخذ الحلم ويعيد صياغتهما بما يناسب العصر ويطرحه على الناس. ويمكن رصد تلك الفلسفة الواقفة خلف بناء التنظيم من خلال المجموعة الاولى (الخلية الاولى) عن ذلك يقول احمد حمروش في صفحة 240 من الكتاب الثاني «مجتمع جمال عبد الناصر»، وهو الجزء الثاني من قصة ثورة 23 يوليو الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر «يفكر جمال عبد الناصر في تطبيق ما ورد بالميثاق حول الجهاز السياسي من القول بأن الحاجة ماسة الى تكوينه داخل اطار الاتحاد الاشتراكي لتجنيد العناصر الصالحة للقيادة وتنظيم جهودها. ويبدأ في التنفيذ بعد اسابيع من جلسات مباحثات الوحدة.. ويعقد جمال عبد الناصر اجتماعاً في يونيو 1963 يدعو اليه علي صبري ومحمد حسنين هيكل واحمد فؤاد واحمد سامي شرف سكرتيراً لجلسة تحضير الجهاز السياسي للاتحاد الاشتراكي يتم بعيداً عن جميع اعضاء مجلس قيادة الثورة السابق.. حتى الامين العام للاتحاد الاشتراكي كان غائباً عن الاجتماع الاول. السبب غير مفهوم الا اذا وضع في اطار الثقة الشخصية من جانب جمال عبد الناصر في ان يكون الحاضرون من المقتنعين في التحول الاجتماعي عن طريق الاشتراكيين. واذا كان حكماً من جمال عبد الناصر بأن زملاءه السابقين القابلين لمواصلة المسيرة معه انما يفعلون ذلك بدافع الرغبة في البقاء داخل دائرة السلطة للاستفادة بمزاياها اكثر من ايمانهم بالتحول نحو الاشتراكية. والمجموعة التي اعتمد عليها جمال عبد الناصر كبداية واساس لتكوين الجهاز السياسي كانت ذات ميول فكرية متباينة.. الوحيد الذي ارتبط منهم خلال ماضيه بحركات سياسية اشتراكية كان احمد فؤاد عضو الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني. عندما استفسر احمد فؤاد من جمال عبد الناصر عن مدى التجانس بين افراد هذه المجموعة، قال له ان علي صبري ومحمد حسنين هيكل هم أكثر الافراد تأثراً بفكره وانهما رغم اصولهما الفكرية البعيدة عن الاشتراكية الا انهما يعبران مرحلة من مراحل التحول الفكري الى الاقتناع بها.. كما اشترط جمال عبد الناصر ان يكون التنظيم سرياً. والا يكبر الاعضاء فيه الا بعد عرض الاسماء عليه للموافقة عليه.. وكان مفهوماً انها تفرز بواسطة اجهزة امن خاصة. وفي لائحة طليعة الاشتراكيين محظورة التداول تنص على «ان المهمة الاساسية لهذا التنظيم ان يتولى التعبئة المنظمة لقوى الشعب العامل، بحيث تضمن هذه التعبئة بقاء سلطة الدولة باستمرار في التحالف الشعبي الاشتراكي القائد». وتحت بند واجبات الاعضاء «ان يحافظ على الاستقلال الوطني وان يتصدى بكل قواه للعملاء والخونة المرتبطين بدول اجنبية او العاملين بتوجيهات منها». اذن نحن امام خلية اولى جمع فيها المتأثرون بفكر الزعيم عبد الناصر. والموثوق في ولائهم له وتم اعتماد السرية طريقاً لبناء التنظيم تحت ذرائع ومبررات كثيرة ومتعددة، ولا يقبل الاعضاء فيه الا بعد عرض الاسماء عليه للموافقة عليهم. واصبحت المهمة الاساسية للتنظيم ـ حسب لائحته التي صدرت مواكبة للمرحلة الثانية في بناء التنظيم مرحلة التنظيم الجغرافي ـ بقاء سلطة الدولة باستمرار بأيدي التحالف الاشتراكي القائد، لذا كان طبيعياً ان يكون من واجبات العضو ان يتصدى بكل قواه للعملاء والخونة والمرتبطين بدول اجنبية او العاملين بتوجيهات منها، وهي مهمة لا تقوم بها سوى اجهزة المخابرات وامن الدولة، كما ان تعبير «العاملين بتوجيهات منها» يفتح الباب واسعاً لتحويل عناصر التنظيم الى رجال امن يتشككون في تصرفات المواطنين، ويفسرون الوقائع والاقوال والسلوك بطريقة امنية، فمن الذي يمتلك حق تفسير جملة «العاملين بتوجيهات منها» وما هي تلك التوجيهات وكيف تحدد، ومن الذي يعطي له الصلاحية. فنحن امام تعبير محمل برؤية امنية لدور عضو التنظيم لذا كان طبيعياً ان يتم الدمج بين موقع وزير الداخلية وموقع امين التنظيم، فهو الوحيد القادر على تسييد تلك الرؤية الامنية في بنية التنظيم وهو الوحيد عبر اجهزته القادر على معرفة التصرفات والسلوكيات والولاءات، وهو الوحيد الذي يستطيع ان يرشدنا عن «العاملين بتوجيهات» وهو الوحيد القادر على التوظيف وهو الوحيد عبر اجهزته القادر على معرفة التصرفات والسلوكيات والولاءات، وهو الوحيد الذي يستطيع ان يرشدنا عن «العاملين بتوجيهات» وهو الوحيد القادر على التوظيف الامثل لطاقات وكفاءات التنظيم في اطار السياق الامني لها حتى لا تتحول الى سياق قيادي للمجتمع ككل. ولعل ما يؤكد ذلك ايضاً. الدمج الذي حدث بين العناصر الامنية والعناصر المدنية، فنحن امام عناصر مدربة على الاستخبارات، السيد شعراوي جمعة (مسئول المجموعات السرية في جهاز المخابرات المصري)، محمد عبد الفتاح ابو الفضل (نائب رئيس جهاز المخابرات) محمد احمد المصري (مخابرات)، عباس رضوان، محمد فائق، سامي شرف، حلمي السعيد، سعد زايه، عبد المجيد شديد وآخرين في كافة المستويات. وقد كشفت واقعة القبض على بعض عناصر من الاخوان المسلمين فيما عرف بقضية 1965، عن ذلك الدور الامني الذي كان مفاجأة لكثير من العناصر، وقد عبرت عن ذلك شهادة السيد حسني امين للباحث عندما ذكر الآتي: «المفترض نظرياً ان التنظيم يعلو في حركته ومعلوماته على الاجهزة الحكومية الاخرى باعتباره يقود الاتحاد الاشتراكي وينظم حركة الجماهير. لكن هذا الغرض النظري كثيراً لم يتحقق. فمثلاً واقعة اكتشاف تنظيم الاخوان المسلمين في اواخر 1965، جاءت من تقارير مجموعات التنظيم الطليعي في الدقهلية. وقد تم مناقشة هذه القضية في احد اجتماعات امانة التنظيم بهدف التعرف على العلاقة الصحيحة بين التنظيم ووزارة الداخلية لتحديد من يكون له القرار النهائي والحاسم، واذا كانت تقارير الجهاز السياسي تتخذها المباحث العامة كمساعد لها في ضبط الامن واعتقال بعض الافراد، فهذا يعني انه يتم توظيف اعضاء الطليعي وحركتهم لخدمة اجهزة الامن وهذا خطأ كبير لا يمكن قبوله، المهم ان السيد شعراوي جمعة قال في رده على ذلك: لا تنسوا ان امن البلد له الاولوية، ولا تنسوا اني وزير الداخلية. لا حوار وتحت هذه الفلسفة الامنية الحاكمة كان لابد من تجسيد وحدة الولاء للزعيم وللحلم الثوري وللنظام ولرجاله وصار أي منتقد للسيد (س) منتقد للزعيم وللثورة ومشكوك في ولائه، وفي ظل تلك الفلسفة صار من الطبيعي ان تنفذ التعليمات الصادرة من اعلى، وان تصعد الى اعلى ايضاً تقارير الرأي العام وتقارير عن المشاكل وبعض السلبيات لكننا لا نرى ـ تقريباً ـ ديالوج داخل التنظيم، حوارات حول السياسات الكلية، صحيح هناك الميثاق دليل العمل الذي تمت له مناقشة واسعة داخل مؤتمر قوى الشعب، الا ان هناك سياسات وخطط مرحلية وخطة سياسية لاعمال ما نص عليه الميثاق، لكننا نرصد من نشرات طليعة الاشتراكيين وبعض الكتيبات الصادرة عن بعض القضايا ان وجهات النظر قد تم بلورتها في عقل الزعيم وبعض مستشاريه واحياناً اللجنة التنفيذية العليا وامانة الطليعة. وبعد ذلك تصدر لعضوية الطليعة من باب العلم بالشيء وهناك امثلة على ذلك فهناك النشرة الثقافية رقم 3 بتاريخ 26 ديسمبر 1963 الصادرة تحت عنوان سقوط حزب البعث، وهي تتناول السقوط السياسي والتنظيمي لحزب البعث وخلاصة هذا التحليل هو الحكم بموت حزب البعث نتيجة انعزاله عن الجماهير وعن المسألة الاجتماعية وسيطرة التطلعات الفردية والبورجوازية التي بدأت تأكل بنيان الحركة القومية التنظيمية. ولعل ما قصدناه بعدم وجود حوار ومناقشة داخل طليعة الاشتراكيين توضحه الاجابة عن سؤال: هل تم ادارة حوار حول هذه الرؤية الخاصة بسقوط البعث؟ والغريب ان هذه الرؤية نقلت عن مقالة من مجلة الحرية اللبنانية بتاريخ 23 ديسمبر 1963 وليس هناك تفسير لذلك سوى تعبئة اعضاء طليعة الاشتراكيين ضد البعث وبالذات. ونحن لا نرى عيباً في نقل بعض الرؤى والمقالات الهامة الا العيب في عدم فتح الحوار عليها وسماع وجهات النظر عليها حتى تتحول الى قناعات موضوعية اما انزالها للعضوية من اجل حشدهم وتعبئتهم فقط فلا يعني هذا سوى تحكم النظرة الامنية المؤسسة للتنظيم. وهناك مثال اخر يتضح من خلال نشرة طليعة الاشتراكيين بتاريخ 4/6/1967 الاحد ـ حول «الموقف الراهن بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين الاردن والجمهورية العربية المتحدة» أي قبل عدوان يونيو 1967 بيوم واحد ومن قبلها كانت هناك نشرة بتاريخ 27/5/1967 تحت عنوان «ايام المجد عادت.. ايها المصري».. وقبلها بتاريخ 10 مايو 1967 تحت عنوان «حركتنا الراهنة المواجهة الصريحة لكل الاعداء من اجل تحطيم الثورة المضادة» وقد كانت كل تلك النشرات السابقة تتناول المواجهة بين مصر واسرائيل، والغريب رغم خطورة تلك المرحلة لم نر ولم نسمع عن حوادث داخل طليعة الاشتراكيين حول تلك المسألة وذلك الصراع ولكننا قرأنا في النشرات صياغات انشائية وتحليلات مبسطة ومن قبيل «ان مواجهتنا الصريحة لامريكا لن تكلفنا شيئاً جديداً.. لقد جربوا ضدنا كل اسلحتهم فلم يفلح منها شيء معنا.. ولسنا في حاجة الى استعادة تاريخنا القريب لتعدد انتصاراتنا على مؤامراتهم وضغوطهم فماذا بقي في ايديهم ليواجهونا به؟» هل يلجأون الى العدوان المسلح؟ هم اول من يعرف خطورة نتائجه.. وهم اول من يقدر ما يحيق بهم من هذه النتائج.. ثم هم يعرفون ان النصر سيكون من جانبنا.. لقد انتصرنا على العدوان الثلاثي عام 1956.. ونحن الآن اقوى مما كنا عليه عام 1956 وهم الآن اضعف مما كانوا عام 1956.. ماذا بقي لهم اذن وما هو طريقهم: امامهم طريقان لا ثالث لهما: التآمر الخارجي: باستغلال العناصر الرجعية في البلدان العربية والافريقية وتمويلها بالمال والسلاح والضغط الخارجي لقلب نظام الحكم فيها بقصد اضعاف الجبهة الحرة التي تقف صفاً واحداً مع الجمهورية العربية المتحدة. التآمر الداخلي: ووسائله محددة: اطلاق الشائعات المثيرة قصيرة المدى التي تحدث بلبلة معرقلة مثلما حدث عندما اطلقت شائعة سحب الدم وكان من اثرها ارتبك النظام في كثير من مدارس الجمهورية ثم سرعان ماتبددت وقبض على مروجيها. والباب الثاني المفتوح امامهم هو محاولة الاعتداء على الامن والتآمر على حياة القادة ولن تكون لهذه المحاولات آخر. مؤامرات حزب الاخوان المسلمين ونشاطهم السابق كان لافراد من التنظيم فضل اكتشافها.. مروجو شائعات سحب الدم توصلت اليهم المباحث العامة بعد ساعات من بدء نشاطهم كما تابعهم بوعي اعضاء التنظيم. نشاط المخابرات المركزية الاميركية تكشفه عين مخابراتنا وتتحسسه عيون التنظيم في دقة وحساسية. والسؤال الآن ما هو المستوى الذي كان واضحاً امامه تلك الخيوط المتشابكة لهذا الصراع؟ وما علاقة ذلك المستوى بتنظيم طليعة الاشتراكيين؟ واذا كان المستوى هو امانة طليعة الاشتراكيين أي المستوى الاعلى فلماذا لم تفتح حواراً حول تلك القضايا الخطيرة من اجل ان يؤخذ رأي الاعضاء فيها؟ ولماذا خلص هذا التحليل بتنويه واضح عن دور طليعة الاشتراكيين في الكشف عن جماعة الاخوان ودورهم اليقظ الواعي في مواجهة مروجي الاشاعات، وعيونهم الدقيقة والحساسة في مواجهة ومتابعة نشاط المخابرات المركزية؟ لا تفسير عندنا سوى ان هذا التنظيم يؤسس على فلسفة امن النظام والثورة والمشروع وهو الطابع الغالب عليه لذلك كانت اجندته اليومية هي سماع التكليفات وارسال التقارير والملاحظات السلبية ولا يوجد مكان لمناقشة ولا حوار حول القضايا الاستراتيجية والسياسية الكبيرة. وهناك احتمال آخر وليس مستبعداً ان تكون القضايا الكبيرة مسئولية الزعيم عبد الناصر ومنها يتم الاستلهام واخذ التكليفات والتعليمات لامانة الطليعة وتقوم الامانة بتوصيلها مبسطة من اجل حشد وتعبئة اعضاء التنظيم عليها. وفي كلتا الحالتين من المؤكد انه ليست هناك حوارات حول السياسة الكبرى والاستراتيجية داخل تنظيم طليعة الاشتراكيين. وهناك مثال آخر يؤكد ذلك في النشرة رقم (7) بتاريخ 5 ديسمبر 1963 تحت عنوان «حرب الشائعات التي يوجهها الاستعمار واعوانه ضد الجمهورية العربية المتحدة» وفيها تناول بعض الاشاعات التي تم ترديدها في تلك الفترة والتي كانت تستهدف ابراز خسائر الجمهورية العربية المتحدة في حرب اليمن ومساندة ثوار الجزائر، وتقوم النشرة بتحليل تلك الشائعات وكشف الهدف منها وتصل الى توجيه نصه الآتي: 1- على اعضاء التنظيم الاهتمام بما ورد بالنشرة رقم (7) المرفقة والعمل فوراً على نشرها بالقواعد على اوسع نطاق وفي جميع المجالات والتركيز على التبصير بأن هذه الشائعات تشكل جانباً من الحرب التي يشنها الاستعمار على الجمهورية العربية المتحدة، يقصد منها التقليل من الانتصارات التي احرزتها في المنطقة العربية. وخاصة بعد ثورة اليمن وانتصار الجزائر في موقفها مع المغرب بمعاونة الجمهورية العربية المتحدة، وانهيار حكم البعث المستند للاستعمار في العراق وبوادر انهيار البعث السوري. 2- على كل عضو في التنظيم ان يقدم في ظرف اسبوع من تاريخه لضابط اتصال الحلقة المنضم اليها تقريراً مفصلاً عما اتمه من انجازات في تنفيذ هذا التعميم، محدداً المجالات التي نشط فيها والمواعيد التي اتم فيها انجازاته. وعلى كل امين حلقة ان يرفع هذه التقارير للحلقة العليا التابع لها. تلك الامثلة هي مجرد نماذج لحياة التفاصيل داخل التنظيم، والتفاصيل هي مهام رجال التنفيذ اما الرؤى الحاكمة لتلك التفاصيل فمن المؤكد بعد كل تلك السباحة في ملف طليعة الاشتراكيين انها لم تكن من اختصاص رجالها. والفرق بين طليعة صاحبة قرار تتحاور حوله وتسمع رؤى متعددة حتى تصل اليه ومن طليعة تشرف على تنفيذه حيث يتحول الى تكليفات وتفاصيل واجندة عمل. التنظيم في الحالة الاولى هو تنظيم حيوي ومؤمن عن قناعة وصاحب رؤية وبالتالي مدافع عنها اما التنظيم في الحالة الثانية هو تنظيم الحشد والتعبئة وسماع التكليفات وانتظارها ولا يقوى على اتخاذ القرار. ولعل انقلاب 15 مايو 1971 يؤكد لنا عدم القدرة على اتخاذ القرار بشكل واضح رغم انكشاف السادات وافعاله التي وصلت لرغبة في مفاوضة ديان الا أنه على جانب قيادة التنظيم لم يكن هناك احد قادراً على اتخاذ قرار المواجهة تحت ذرائع نبيلة ولكنها غطاء الهزيمة الناتجة عن عدم المقدرة في اتخاذ قرار المواجهة. واذا كانت الفلسفة المؤسسة للتنظيم هي فلسفة امنية، فمن الطبيعي ان تظهر السلبيات المتوالية من خلط الولاء بين الثورة وعبد الناصر والنظام ورجاله، حتى يصير من المنطقي ان يترأس المحافظ المسئولية التنفيذية والسياسية والامنية في محافظته، والطبيعي ان تكون القيادات في معظمها مكتبية تضع تحت ايديها كافة الخيوط المتشابكة لمسئوليات الحياة بكل صنوفها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، الى ان تصل ان امين طليعة الاشتراكيين هو نفسه المسئول عن الامن المصري ـ وزير الداخلية. ومن الطبيعي ان يستطيع «السادات» بعقليته التآمرية ومعه بعض المعاونين له الذين تصوروا انهم سوف يكونوا هم القادرين على قيادة السادات ـ مثلما تصور قيادات طليعة الاشتراكيين. ان يدير انقلاب ضد من يمتلكون مفاتيح القوة والسلطة ـ حسب تعبير «محمد حسنين هيكل» مهندس الانقلاب حسبما يفهم من ماذكره في كتاب «اكتوبر 73 السلاح والسياسة»، ولعل رصد بعض مواقف «محمد حسنين هيكل» اثناء الاحداث يؤكد دوره الهام في هندسة الانقلاب. فهو الذي قدم رؤية كاملة لنقل السلطة بطريق هادئ ودستوري في الجلسة المعقودة في صالون منزل الزعيم عبد الناصر بعدما تحولق الجميع حول جثمانه وتركوا فرصة لاهل بيته لالقاء نظرة الوداع عليه. وقد كان موقف «هيكل» مفهوماً ومبرراً على المستوى الانساني تجاه مفاتيح القوة والسلطة (حسب تعبيره)، فهو لم يكن مرتاحاً لهم وهم كذلك لاسباب متعددة بعضها ناتج عن قربه الشديد من «جمال عبد الناصر» وبعضها ناتج عن خلافه مع وجهات نظره وكذلك رؤيته للتنظيم ككل وقدراتهم كمسئولين. لذا كان من الطبيعي ان يقدم الرؤيا التي تفيد نقل السلطة الى نائب رئيس الجمهورية «السادات» تحت تبريرات دستورية والنقل الهادئ المعبر عن وجود مؤسسات قائمة بعد رحيل «ناصر». لكن السيد «هيكل» يعلم جيداً ان الدستور ينص على نقل السلطة الى نائب الرئيس على ان يتم تقديم مرشح للاستفتاء وهنا من الممكن ان يكون «السادات» كنائب رئيس جمهورية ومن الممكن ان يكون احد غيره يقدمه التنظيم السياسي وكافة مواقع القوة في النظام بعد ان يتم التقاط الانفاس. الا ان السيد هيكل تصور ان هذا هو الطريق للخلاص من فريق القوة والسلطة، وفي نفس الوقت السادات بشخصه وطريقة تفكيره سوف يعطي هيكل فرصة اكبر للتأثير عليه، بل وقيادته في بعض القضايا وبالذات لوجود مساحات من الرؤى المشتركة تجاه بعض القضايا وبالذات تجاه الدور السوفييتي الصراع العربي/ الصهيوني والدور الاميركي في الصراع ذاته. وينكشف لنا ذلك مما جاء في كتاب «اكتوبر 1973 السلاح والسياسة» حيث جاء فيه الاتي وبالتسلسل: 1- في الساعة العاشرة والنصف يوم اول اكتوبر، يوم تشييع الجنازة، كان انور السادات واقفاً في مجلس قيادة الثورة في الجزيرة يتقبل عزاء الوفود، واحس اعراض ازمة قلبية في الوقت الذي اقترب منه رئيس الوفد الاميركي «اليون ريتشاردسون» وزير التجارة الاميركي (وقد اوفده الرئيس «نكسون» نائباً عنه للمشاركة في الجنازة وتقديم العزاء). وحين قال له «ريتشاردسون» انه يتمنى ان تتاح له فرصة لمقابلته، قال له وهو يتمدد على سرير طواريء جيء به اليه على عجل: «قابل هيكل وتحدث معه». ومساء نفس يوم الجنازة، وسرادق العزاء منصوب، اتصل المستر «دونالد بيرجس» القائم باعمال المصالح الاميركية بـ «محمد حسنين هيكل» يقول له «ان السيد «انور السادات» وجه المستر اليوت ريتشاردسون الى مقابلته والحديث مع»ه. وبالفعل جاء المستر ريتشاردسون في الساعة السابعة مساء الى مبنى الاهرام لموعد مع «محمد حسنين هيكل» بصحبة الوفد الذي يرافقه. والسؤال هنا لماذا احال المستر ريتشاردسون على محمد حسنين هيكل بالذات؟ لماذا لم يحله إلى محمود رياض وزير الخارجية مثلاً وهذا هو المنطقي؟ 2ـ ومع الشهر الثاني من رئاسته كان انور السادات قد بلور افكاره اكثر.. 1 ـ انه يريد ان يتجنب ضرورة الحرب، ويريد ان يستنفد كل امكانيات الحل السلمي. 2ـ وهو يطالب بأن يجد طريقاً يؤدي الى اتصال مباشر مع الولايات المتحدة الاميركية فهي التي تملك مفاتيح الحل لأنها هي القادرة وحدها على اسرائيل. 3ـ ان الوصول الى الاميركان افضل ما يكون من باب السعودية. وقرر ان يرسل في استدعاء كمال ادهم وهو صهر الملك «فيصل» ثم انه الى جانب ذلك رئيس المخابرات السعودية وصلة الوصل بين المملكة وبين المخابرات المركزية الاميركية ـ وهو من قديم صديق له الى درجة ان «انور السادات» كان الشاهد على عقد زواجه. وكان بين الاثنين لقاء طويل في استراحة القناطر لم يكن «انور السادات» سعيداً بنتيجته لانه السيد «كمال ادهم» قال له ما ملخصه «ان الاميركان منزعجون من الوجود السوفييتي في مصر، وان أي اقتراب لهم من ازمة الشرق الاوسط سوف يظل محكوماً بهذا الانزعاج». وكان تعليق الرئيس «انور السادات» بعد انتهاء مقابلته مع السيد «كمال ادهم»: «ان السعوديين عندهم عقدة من الروس، وانا لا استطيع ان اجاريهم في هذا الطريق فالروس وحدهم يقدمون لي السلاح وبدونهم لا يعود في يدي شيء. ولقد قلت لكمال ادهم انني اتعهد للملك فيصل بخروج السوفييت من مصر اذا خرج الاسرائيليون من سيناء». 3ـ يوم 5 يناير 1971 قام الرئيس «السادات» بدعوة محمد حسنين هيكل الى لقائه، فقد كان يريد ان يناقش معه خطوط خطابه امام مجلس الامة يوم 4 فبراير، اهم ما فيه انه كان مطالباً في سياقه بأن يعلن موقفه الرسمي من وقف اطلاق النار: يكسره او يلتزم به لمدة اخرى او ماذا؟ وخلال الحديث.. ظهر ان تفكير الرئيس «السادات» وصل الى مبادرة يريد اعلانها: ـ انه يريد ان يطالب اسرائيل علناً باتمام انسحاب جزئي لقواتها من الضفة الشرقية للقناة خلال ثلاثين يوماً كمرحلة اولى ضمن جدول زمني محدد لتنفيذ قرار مجلس الامن رقم 242. ـ واذا تحقق ذلك، فهو على استعداد للعمل فوراً على البدء في اعمال تطهير قناة السويس وفتحها للملاحة (وكان تقديره انه بذلك يأخذ في جانبه النقيضين: السوفييت وشركات البترول الاميركية الى جانب الحصول على دخل القناة لكي يخفف من اعباء المعركة على الناس). ـانه بذلك يفتح بابه لمحاولات السفير «جونار يارنج» يدخل منه الى حل كامل بتسوية الازمة على اساس القرار 242. ـ وكان التعليق الذي يطرح نفسه تلقائياً هو: ان مبادرته ربما يجري تفسيرها باعتبارها استجابة لمشروع «ديان» الذي اعلنه قبل عدة اسابيع. وكان رد «السادات» ان ما يهمه ان تتحرك الامور وان ينفك قيد الجمود الذي يحاصر الازمة الان. كان يتحدث من قلبه، وكان مقتنعاً بفكرته، والى حد كبير فقد كان يمكن فهم موقفه والتعاطف مع هواجسه في ظروف لم تكن من صنعه. وكان اكثر ما يعطي وزناً لمحاولته هو واقع ان الامداد السوفييتي بالسلاح يصل الى مصر ـ وقتها ـ بالقطارة. وفي كتاب «الطريق الى رمضان» صفحة 111 يقول الاستاذ «هيكل» لم اكن انا نفسي متحمساً لمبادرة الرئيس في باديء الامر.. لكنها في الحقيقة اثبتت فائدتها فيما بعد حيث اظهار حسن نية مصر والمساعدة على عزل اسرائيل. التسوية جمعت هيكل بالسادات! من صياغات الباحث ـ فقد كشفت المباحثات الهاتفية بين السيد «هيكل» و«السادات» مشاركة «هيكل» عن اعتقاد وايمان في لعب دور مع سيسكو وروجرز وكندال وتفاصيل ذلك في الفصل السابع من كتاب «اكتوبر 73 السلاح والسياسة» وكتاب «الطريق الى رمضان» الصادر عن دار النهار عام 1975 ما تقصده من هذا التسلسل ان نؤكد انه اختيار «هيكل للسادات، لم يكن فقط من جانب الشرعية، انما كان ايضاً لتقدير «هيكل» لمساحات الاتفاق في الرؤى بشأن قصة التسوية والانسحاب من سيناء ودور اميركا في ذلك. ولعل ذلك هو ما يفسر موقف هيكل، بل ان موقف هيكل بعد ذلك من اتفاقية الفصل الثاني للقوات، يدعم تلك الرؤية ايضا. فهو لم يكن متطابقاً مع السادات لكنه كان يرى امكانية لاعمال طريقة تفكير جديدة لتحريك مسارات القضية تعتمد على اعطاء دور ووزن للولايات المتحدة بالتوازي مع الدور السوفييتي على الجانب الآخر، ولعل ذلك هو ما يفسر موقفه المؤيد ضمناً للمباحثات التي دارت بين «كمال ادهم» و«السادات» وموقفه من الاتصالات مع سيسكو وروجرز، وموقفه وتعليقه على ما تم من مباحثات بين السادات والمسئولين السوفييت في الزيارة التي لم يعلم بها كل من السيد علي صبري والسيد محمود فوزي (ايضا)، وقد كتب هيكل عن تلك الرؤية ـ تقريباً. في جريدة «الاهرام» تحت عنوان «بصراحة» وقال عن ذلك في كتاب «الطريق الى رمضان» في صفحة 110 «وكنت في ذلك الوقت ادعو بشدة في مقالاتي في «الاهرام» وفي لقاءاتي مع الساسة الى حاجة مصر الى العمل على تحييد الولايات المتحدة باعتبار ذلك ضرورة اساسية للمعركة التي بدت امراً محتوماً وقلت انه لا يمكن لاية مشكلة في الشرق الاوسط ان تحل من دون اشتراك فعلي من جانب القوتين العظميين». خاتمة: هكذا يتكشف لنا من خلال المولد والمسار والمصير لطليعة الاشتراكيين، من خلال الوثائق والنشرات والمواقف والاحداث، والمستويات والرجال. ان هذا التنظيم كان بغرض الامن السياسي لمشروع عبد الناصر وكان في نفس الوقت تنظيم يقوم على اصدار التعليمات والتوجيهات ويتلقى التقارير والمعلومات، كما كان هذا التنظيم به كثير من السلبيات التي كان بعضها جزءاً رئيسياً في مكوناته الاولى من قبيل الولاء لقائد الثورة هو نفس الولاء للثورة وللدولة ولرجالها من المسئولين والقادة. لذلك كان طبيعياً ان يكون بداخله الشرفاء والمخلصين والمؤمنين بالثورة والقائد، والى جانبهم من ينتظر لحظة الخلاص من كل ذلك. وهنا نستطيع ان نصفه بحق لقد كان صرحاً من قش ـ رغم كل الجهود المخلصة في بنائه، ورغم كل العناصر الشريفة التي انضمت اليه، ورغم كل الايمان الذي ملأ قلوبهم الا انهم كانوا لا حول ولا قوة منتظرين دائماً التعليمات الصادرة من القيادة. لكن القيادة حق عليها تعبير السادات ـ حسبما جاء في كتاب محمد حسنين هيكل «الطريق الى رمضان» في صفحة 119 «انكم لستم على مستوى كاف لتكونوا متآمرين، ولذا فإنني اقترح ان تعودوا الى منازلكم فانتم جميعاً مفصولون». وهكذا دفعت مصر الثمن فادحاً.