لا يوجد لدى المهتمين برصد أنواع الأسلحة وتقويم قدراتها في إحداث التحولات العسكرية والسياسية أدنى فكرة عن سلاح يُسمى «الهجمات الاستشهادية»، وقد مضت مسيرة العلاقات الدولية دون أن يفطن محللوها إلى إمكان ظهور أسلحة أخرى من خارج مصانع السلاح المعروفة. صحيح أنهم يهتمون بالإرهاب ويتداعون لتقويم إمكاناته، وتحديد أساليب مكافحته، لكن ما يسمى «الهجمات الاستشهادية» أصبح ظاهرة لا يمكن أن تدرج ببساطة في سياق هجمات الإرهاب التقليدية. فهذه الهجمات لا تتطلب تحضيرات وافية، ولا إمكانات مالية مهولة، ولا شبكات تنفيذ معقدة، إنما هو شخص واحد امتلأ غضباً، وسيج خاصرته بتفجيرات بدائية يمكن تصنيعها في أي مكان، ثم اختار هدفاً ثميناً اندس وسطه، وأزاح كوابح المتفجرات ليتطاير جسده مع أجساد الضحايا أشلاء، فلا يمكن التعرف على جسده من أجساد ضحاياه! مثل هذا الشخص لا يريد أن يفاوض، ولا يريد بروزاً إعلامياً، ولا يريد تحقيق مطالب وقتية، وإنما يريد أن يسجّل تغييراً حاسماً في المسار السياسي، وأن يُنبّه إلى أن الظلم مهما تسلّح بالقوة الظاهرة، فإنه يمكن النفاذ إلى قلبه ومهاجمته بضربات مرهقة. وهكذا استطاع أفراد استشهاديون قلائل أن يرغموا إسرائيل على إعلان حالة طوارئ فعلية لم تشهد مثلها إلا أثناء حروبها الكبرى. وهكذا أصبح الاحتياطي العسكري الإسرائيلي تحت الطلب لما يقرب من الأربعين يوماً في العام، وهكذا تم استدعاء جميع وحدات الاحتياط بلا استثناء، بل تم استدعاء بعضهم مرتين في العام، وربما يصبح ذلك النمط الاستدعائي «الاستثنائي» هو القاعدة السارية ما استمرت تلك الهجمات. لا يعرف أحد على وجه التحديد كيف يتحرك الاستشهاديون، وهل ثمة روابط تنظيمية قوية تربط بينهم ـ كما هو الحال في سائر التنظيمات ـ أم أن حالة «مزاج عام» تربط بينهم وتنسّق خطواتهم وأهدافهم! فليس ثمة تعقيد في الحالة السياسية الفلسطينية الراهنة تقريباً، إنما هي حالة المواجهة مع عسف رئيس الوزراء الإسرائيلي، والرد العملي على منطقه العملي الذي لا يؤمن بغير إرهاب الخصم وطلب استسلامه بغير قيد أو شرط. والمطلوب الآن من طرف شارون هو أن يستسلم الفلسطينيون لمصير الطرد وإخلاء الأرض لإسرائيل، وتناسي الحلم الجميل الذي ناموا عليه لسنوات.. وهو حلم الدولة الفلسطينية. فهذه «الرمزية» مرفوضة تماماً في منطق شارون بسبب ما قد تجرّ إليه مستقبلاً من وجود فعلي لدولة تسمى «فلسطين». ومَن يفهم نفسية شارون يُدرك أنه لا يتراجع عن أهدافه ولا عن وسائله. ومن ثم، فمهما أرهق «الاستشهاديون» إسرائيل فإن خطة شارون لن تتغير. قد يستيقن شارون في وقت لاحق أنه لا يستطيع أن يخمد حركة «الاستشهاديين»، وهناك فقط قد يضطر لتقديم بعض التنازلات الوقتية، وهذه التنازلات لن يقدمها للاستشهادي ولا لمن يقاومه، وإنما لمن يقاوم له هؤلاء الاستشهاديين ومن أنماط التاريخ السياسي العربي الذي يلمّ به شارون جيداً، فهو يُدرك أن أفضل من يقاوم الاستشهاديين لمصلحة إسرائيل إنما هو طرف عربي يبرز في فعاليات السلطة الفلسطينية القادمة موشحاً بهالات أمل في حل ناجز للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. وبهذه المشروعية «الزائفة» في الإتيان بالحل الوشيك، ينقض هذا الطرف على كافة أنماط المقاومة فيخمد أنفاسها، سواء بقطع الطريق عليها أو بالاشتباك في حرب شاملة معها، ثم ينفض الاشتباك الدامي عن لا حل سوى الترحيل الشامل. ولا يبدو الوقت سانحاً للترحيل كما يبدو الآن، حيث يكثّف الإسرائيليون دعايتهم عالمياً باستحالة تعايشهم في أرض واحدة مع الفلسطينيين، الذين لا يألون جهداً في تفجير أنفسهم في الباصات والشوارع والمقاهي والأسواق والجامعات والميادين العامة لإرهاب الإسرائيليين وتنكيد عيشهم. ولا يوجد شعب في العالم يواجه احتمالات الخطر يومياً، كما يواجهها الإسرائيليون، فقد عادوا لفصول تاريخهم القديم حيث كانوا في مواجهة الأخطار في كل زمان ومكان عاشوا فيه، وإذا كان عيشهم في إسرائيل قد بدا واعداً بالأمن والرفاه طوال نصف القرن الماضي، فإن ذلك الوعد قد استحال إلى وعيد خلال الأعوام القليلة الماضية. هذا هو محور الدعاية الإعلامية الإسرائيلية التي تمهد للفصل المزدوج القادم بمطلع العام الجديد. الفصل المزدوج يتركب الفصل المزدوج القادم من محورين اثنين، أولهما تغيير السلطة الفلسطينية، وثانيهما تغيير السلطة العراقية، والمحور الثاني هو المحور الحاسم. فمع الهجوم الأميركي على العراق ستتوطن أميركا في العراق لدهر غير يسير ريثما ترتب أوضاعه حسبما تشتهي. ومن ضمن ما يندرج في تلك الترتيبات دمج الشعب الفلسطيني مع الشعب العراقي ليذوبا معاً في المستقبل البعيد. فليس من الميسور ولا من المرغوب فيه إيجاد رقعة جغرافية محددة من أرض العراق لتوطين الفلسطينيين فيها. فالفلسطينيون لايمكن وضعهم في أي مكان أو تحويلهم إلى فلاحين، إنما سائر الفلسطينيين أهل مدن، وذوو تعليم عال، وكفاءات بارزة، ولذا لن يُتاح لهم العيش إلا بالاختلاط في سائر المدن العراقية، حتى يتيسر لهم العيش على أنماط عيشهم الحالية، ثم الذوبان تدريجياً بعد جيل أو جيلين في مصالح الحياة الجديدة، ووفق أنماط الثقافة الاجتماعية السائدة في العراق. هذا هو المحور الذي تتواطأ على العمل المثابر فيه منذ فترة ليست باليسيرة أطياف اليمين الديني الأميركي بالتضامن مع اليمين الإسرائيلي الحاكم حالياً. لكن هذا المحور لا يتأتي إنجاز متطلباته بغير تعاون مع الطرف الفلسطيني. إن اكتساح العراق أمر ممكن، ولكن سَوْقُ الفلسطينيين إلى هناك لا يمكن أن يتم بالإكراه، لأنه إن تم كذلك فسيشكّل سابقة سيئة للديمقراطية الأميركية تقرنها بأسوأ تجارب الدكتاتورية السوفييتية التي استمرأت ترحيل الشعوب من أوطانها لزرعها في مناطق بعيدة عن تلك الأوطان، كما تم لشعب «القرم» مثلاً. أو ربما استدعى ذلك إلى ذاكرة الشعوب ممارسات النازيين مع اليهود أنفسهم. ولذلك كله فمن المستحسن أن يجري إقناع الفلسطينيين أو إغراؤهم بالنزوح إلى العراق «المُحرر» الجديد، الذي سيصور لهم وكأنه أرض الفرص البكر التي تنادي على من يُحسن استغلالها، تماماً كما كانت أميركا قبل قرن أو قرنين تنادي وتغري بالهجرة إليها من كل فج سحيق. استزراع القيادتين وكما سيجري «استزراع» قيادة عراقية توافق على عملية «التوطين»، سيجري «استزراع» قيادة فلسطينية تدفع شعبها نحو إنجاز عملية التوطين. ولن تعجز آلات الدعاية عن ابتكار أسماء جذّابة لمسمى التوطين. إن أحلام اليمين الديني الأميركي في ضرب العراق، ترنو نحو تأمين إسرائيل من الأسلحة الصاروخية العراقية، وتأمينها من الوجود البشري الفلسطيني في انمائها، وقد خابت آمال هؤلاء مع تردد القيادة الفلسطينية الحالية في الانخراط في تحقيق ذلك المشروع الذي لا يفيد منه الشعب الفلسطيني بشيء، ولذلك يُراد استهداف تلك القيادة بمنعها حتى من ترشيح نفسها في الانتخابات المقبلة. لا شك أن أهداف اليمين الديني الأميركية المشتبكة مع أهداف حكومة شارون هي في الحدود القصوى، ولكنها لا تُبالي بشيء في سبيل تحقيقها، وفي الحقيقة فإنه لا يوجد شيء تبالي به في ظل العجز العربي العام، وعدم المبالاة الدولية بنزاع طال واستطال وتشعّب بما لا يمكن من ملاحقته إلا على فترات متقطعة. وعندما تداعت الجمعية العامة للأمم المتحدة أخيراً لتدارس تقرير عنان وأصدرت قرارها غير الملزم بشجب الهجمات الإسرائيلية على مدن الضفة الغربية، وجاء القرار بأغلبية 111 إلى 4 (مع انسحاب 11 دولة)، لم يجد مندوب إسرائيل بالمنظمة الدولية إلا أن يستخف بالقرار ويصفه بالتحيز، وود لو أنه جاء بصيغة معكوسة تندد بالطرف الفلسطيني! بهذا التوجه الذي لا يُبالي بشيء، ستجتهد تلك الجهات في إيجاد الطرف الممالئ لها فلسطينياً، وربما تقوم باستنباته من أجهزة الأمن والمخابرات الفلسطينية، وذلك لعدة اسباب: فهذه الأجهزة هي الأفضل تنظيماً، وهي الأعمق خبرة، وهي الأشد عداء للاستشهاديين، وزعماء تلك الأجهزة هم الأكثر تطلعاً للسلطة، والأكثر تأهلاً لها بما لهم من نفوذ برزوا به قبل أسابيع في الصراع مع رئيس السلطة الفلسطينية وربما جاءت المبادرة الناشطة حالياً بين بنيامين بن اليعازر وزير الدفاع الإسرائيلي، وعبدالرزاق اليحيى وزير الداخلية الفلسطيني، لمناقشة الشئون الأمنية في هذا السياق، حيث بدأ الحديث عن اتفاق لوقف إطلاق النار، بما في ذلك إيقاف الهجمات الاستشهادية، ذلك مع نفاذ القرارات الإسرائيلية بمنع الفلسطينيين من العبور إلى معظم شمال الضفة الغربية واستمرار حظر التجول. ومع أن الوزير الإسرائيلي كان في لحظة تفاهم مع القيادات الأمنية الفلسطينية، إلا أنه آثر ان يستخدم لهجمة تصعيد خطابي، وأن يتخير بعض المفردات الدينية لحديثه عن مدن «السامرة» التي توعد بحصارها حصاراً شاملاً، كما أكد أنه بصدد فرض رؤية متشددة على القيادات الأمنية الفلسطينية وتكليفها بأداء مهام بعينها، أفصحت عن بعضها صحيفة «هآرتس» في عددها الصادر يوم 4 أغسطس الجاري منها إغلاق جميع محطات التلفزة والإذاعة الفلسطينية، واعتقال خطباء المساجد الذين يؤيدون «الاستشهاديين». إن المغالاة في الأهداف والاستعجال في تنفيذها هو أول ما يعوقها. فليس من المضمون ولا من السهل أن يتمكن أصحاب المشروع الصهيوني من أن يجدوا نخبة قيادية فلسطينية تكون طوع أيديهم، ويكون الشعب الفلسطيني في طوع يديها. إن إيجاد النخبة الطيعة أمر صعب ولكنه ممكن الحدوث، أما تطويع الشعب برمّته لتلك النخبة الطيعة فهو أمر تستبعده كل القرائن، لا سيما بعد استفحال حالة «الاستشهاد» وتعديها نطاق التنظيمات لتصبح حالة مزاج عام. إن لا معقولية القيادة الحالية للمشروع الصهيوني وللحكومة الإسرائيلية وتطرفها البالغ وتسرّعها في إمضاء مخططها المزدوج بتغيير القيادة الفلسطينية وتهيئة الشعب الفلسطيني للرحيل، قد تأتي بعكس نتائجها تماماً، فلربما أفلت القياد من أيدي القوى الخارجية التي تطوّق السلطة الفلسطينية، وأفرزت الانتخابات المقبلة سلطة أقوى من السلطة الفلسطينية الحالية، أو ربما فازت الدوائر التي ترعاها القوى الخارجية، ولكنها ووجهت بمقاومة عنيفة من الداخل، إذا شرعت في تنفيذ أهداف تلك القوى الخارجية. إن نقطة البدء بالاتيان بالسلطة الجديدة قد تأتي غالباً بابعاد عرفات، فلقد جاء التمهيد لذلك في تصريحات إعلامية متتالية من الطرف الإسرائيلي، وربما نفذ ذلك التهديد قريباً جداً، وحينها ستتالى مفاجآت ستقلب الطاولة على الطرف الإسرائيلي.