شكلت التطورات الأخيرة على صعيد المقاومة الفلسطينية انعطافات كبيرة في مجرى الصراع العربي ـ (الاسرائيلي)، لأنها كرست أهمية المقاومة في صفوف مختلف قوى الشعب الفلسطيني، وكونها البرنامج الأقوى قدرة على استعادة الحقوق الفلسطينية، ودحر الاحتلال، وهي انعطافة لها أبعاد سياسية ونفسية لا يمكن تجاوزها بسهولة من أي جهة وتحت أي مبرر، لا سيما وان الشعب الفلسطيني، أثبت أنه قادر على الصمود وتحمل الخسائر البشرية والمادية في سبيل تحقيق أهدافه الوطنية. لقد صعّد شارون صراعه ضد الشعب الفلسطيني والسلطة باخراج خطط قديمة من أدراج جيشه تتمثل باعادة احتلال المدن والمخيمات الفلسطينية، حيث عمد الجيش الصهيوني إلى احتلال المدن والمخيمات لمدد متفاوتة، وبشكل تدريجي، وشن حملة اعتقالات واسعة في المخيمات والمدن التي اجتاحها وتكبد الشعب الفلسطيني خسائر كبيرة في الارواح والممتلكات، وجاءت نتائج تلك الممارسات العنصرية عكس ما توقع شارون وجنرالات حربه، فقد أعلن شارون انه سيجعل الفلسطينيين يجثون على ركبهم طلباً لوقف النار، وما حدث كان العكس، اذ تصاعدت عمليات المقاومة بشكل غير مسبوق وتنافست الفصائل الفلسطينية في تنفيذها، وقدم الشعب الفلسطيني نماذج بطولية فذة أربكت الاحتلال، للكم الكبير من تلك العمليات واتسامها بالسرعة والدقة في التنفيذ ووصولها إلى عمق أوساط العدو. وبهذا أكدت المقاومة الفلسطينية انها تستطيع مواجهة التصعيد العسكري (الاسرائيلي) وفشلت السياسة الأمنية التي اتبعتها حكومة شارون في امكانية تركيع الشعب الفلسطيني أو الحد من رغبته العارمة في طرد قوات الاحتلال مع تكريس قوة المقاومة كبرنامج فاعل ومؤثر وتعزيز القناعة الشعبية به، وضم الفصائل الفلسطينية تحت لوائه. وليس عسيراً على أي متتبع للشئون السياسية ان يدرك بشكل واضح لا لبس فيه ثوابت السياسة الأميركية تجاه الكيان الصهيوني، منذ قيامه وحتى الآن، والتي تتسم بالانحياز التام والمشفوع بالدعم في كل المجالات والأصعدة التي يمكن ان يرتكز عليها في سياسته العدوانية ضد العرب عموماً، والفلسطينيين على وجه الخصوص. فالرؤية الأميركية، أكدت بما لا يدع مجالاً للشك ان الحديث عن (سلام) هو مجرد خرافة، وان (الحل) المحكي عنه في المنطقة، هو ايجاد آليات ادارية وسياسية وأمنية توفر (للاسرائيليين) الأمن التام والكامل، وان المطلوب من الفلسطينيين ان يتحولوا إلى (أداة) وظيفية لخدمة رفاهية الاحتلال. وفي ذلك تجاهل كامل للحقوق الفلسطينية وبالأخص الحق في العودة وازالة الاحتلال، والتغييب التام للقرارات الدولية التي اعتمدت كمرجعية للتفاوض، على الرغم من الثغرات التي تحتويها مع تعليق قيام الدولة الفلسطينية على جدول كبير من الأعمال التي قد لا تنتهي أبداً، والأساس لأي حل هو المصلحة الأمنية (لاسرائيل)، لكن التنازلات أو العطاءات (الاسرائيلية) تقدم فقط إذا رغب الصهاينة في ذلك، فادارة بوش وحكومة شارون، تريدان بأساليب الترهيب والتخويف والضغط والعنف القاسي والمتواصل سحق الفلسطينيين على نحو يعجزون فيه عن التعبير بأي نأمة، أو نقمة، أو فورة، أو ثورة، انهما يبتغيان تعميم صمت القبور. فمنذ أشهر و(اسرائيل) تباشر عمليات منهجية لاغتيال قيادات المقاومة الفلسطينية بمجرد الشبهة والاشتباه بمروحيات (الأباتشي)، ثم بإعدام البشر والشجر والحجر بالدبابات والجرافات وقنابل الطائرات، وهذا الأسلوب مستمر بلا هوادة، بعدما اعادت اسرائيل احتلال الضفة الغربية وضاعفت عمليات السحق والمحق آناء الليل وأطراف النهار. المعايير المزدوجة ان سياسة المعايير المزدوجة التي تمارسها الولايات المتحدة ازاء قضايا الشعوب وخاصة الشعب العربي وقضيته المركزية فلسطين، أصبحت واضحة من خلال انحيازها السافر للكيان الصهيوني وما تقدمه من دعم وحماية ومساندة جعلت ذلك الكيان لا يقيم وزناً لأي اعتبارات أو قيم أو مواثيق، ويتصرف بعبثية لا تجد لها مثيلاً في أي بلد من بلدان الأرض، ليكون صورة دقيقة للارهاب المنظم بكل المفاهيم والمقاييس والأعراف، فهذا التدمير الوحشي واللاإنساني لا يمكن ان يسمى «حربا»، إذ للحرب قواعد وقوانين واعراف واخلاقيات، لكن الحاصل تجاوز ذلك كله، انه نوع من الافتراس للبشر والاكتساح للمكان، وذلك لا يمكن ان يكون قد تم بدافع الانتقام وحده أو حتى ضرب البنية التحتية للمقاومة، أو تبرير الحاصل بحسبانه نوعاً من (الدفاع عن النفس) الذي هو مزحة سمجة تنم عن جهل فاحش أو سوء قصد أو الاثنين معاً. فالذي يحدث لا يمكن ان يفسر إلا بحسبانه محاولة لتهديم كل مرتكزات الوجود المادي للشعب الفلسطيني على أرضه، فالهجمة الصهيونية الآنية ليست كالاعصار فحسب، ولكنها تشبه إلى حد بعيد طوفان بركان شرس شرع في أخذ كل ما يعترض طريقه بالحرق والتدمير والقتل، حتى كاد من فرط جبروته لا يبقي ولا يذر. الأمر الذي جعل من المقاومة الفلسطينية تحيل الجسد إلى قوة تفجيرية تفتك بالعدو، وتستند إلى أسس ثقافية فنية، أول هذه الأسس وأهمها هو منطق وجوب مقاومة المحتل مهما كانت قوته، حتى وان اقتضى الأمر استخدام الحجارة أو الجسد نفسه، مع ترسيخ الانتفاضة لحقيقة ان العمليات الاستشهادية هي أعلى أشكال المقاومة والبطولة. وتشير خبرة التنظيمات الفلسطينية إلى حقيقة مهمة هي ان الجيش الاسرائيلي قد يتمكن من شل قدراتها على مواصلة العمل المسلح لفترة معينة، لكن من المستحيل ان يضمن توقف العمل المسلح بالعمليات الاستشهادية، وبهذا سقطت أسس نظرية الأمن الاسرائيلي تحت وطأة الانتفاضة والمقاومة الباسلة، والتي قامت على اعتبار حرمان الفلسطيني من السلاح أو ا ستخدام أكبر قدر من القوة ضدهم، لكن الجهاد الفلسطيني يستمر بالامكانات المتاحة وانتاج الاسلحة يتم داخلياً أو من المصادر الاسرائيلية، فالشعب الفلسطيني لا يملك قاذفات مقاتلة ولا قنابل ذكية، ولكنه لديه ما هو أقوى، وأهم وأفعل، ارادته وايمانه وقرار صموده، يواجه بها العدو ومنها يستنبط وسائل الرد تعويضاً عن الفارق الهائل في ميزان القوى العسكرية. فالسلطة الفلسطينية الني نشهدها اليوم لا تمثل الحالة الطبيعية أو التقليدية لأي سيادة وطنية وهو الواقع الذي قرره الكيان الصهيوني في ألا تمتلك السلطة جيشاً ولا يحق لها ان تمتلك سلاحاً لمقاومة المستوطنين أو الدفاع عن أرضها و سيادتها ومواطنيها ولهذا الوضع الشاذ والذي يرعاه العدو الصهيوني، زادت من اطماعه التوسعية لتحقيق أهدافه الشريرة في المنطقة معتمدة على منطق القوة والاستبداد، لذلك فإن المقاومة الفلسطينية تدرك تماماً تمسكها في حقها باسترداد أرضها واقامة دولتها المستقلة، وانها في صراع مع عدو يتخندق وراء مشروع عنصري احتلالي توسعي ويمتلك ترسانة من أسلحة الدمار للدفاع عن مشروعه. وبين هذا وذاك لن يبقى سوى استمرار المواجهة إلى مدى غير معروف، فلا اسرائيل قادرة على حسم المواجهة عسكرياً ولا الفلسطينيون قادرون على حسمها بالتغييرات الداخلية، ولكن حكومة شارون ستكتشف بعد حين وهي تمارس ساديتها المتمثلة بالاجتياح والقتل والتدمير وسجن الفلسطينيين في معازل الارهاب والاذلال والمهانة، بأنها بذلك تنتج جيلاً فلسطينياً يمتلك استعدادية وجاهزية للاستشهاد وتنفيذ عمليات أكثر جرأة وعنفاً وحدة وشمولية، ونوعية من الظاهرة الاستشهادية الحاصلة الآن، وذلك بخلاف معتقداتهم وحساباتهم في ان الحرب الشمولية الاسرائيلية كفيلة بترويض الفلسطينيين وجعلهم يقبلون ما يطرح عليهم من تهويد للأرض وتهجير للسكان، في حين ان المقاومة الفلسطينية تؤمن بعدالة قضيتها بشكل حتمي في كل حيثياتها وجوانبها وبمصير شعبها الصامد بما تملكه من مخزون مكنون في قدراتها وطاقاتها صوب العدو الغاشم. ووسط هذه الاجواء القاتمة والتي لا تبشر سوى بمزيد من سفك الدماء، يدور نقاش جدي في اسرائيل حول موضوع ترحيل الفلسطينيين من أراضيهم وقد يكون في ذلك استعادة للمشهد الذي تم اثر هزيمة عام 67 حيث شهدت الأراضي الفلسطينية حركة نزوح واسعة النطاق تجاه شرق الأردن، لذلك فإن الأوضاع المزرية الآن في الضفة والقطاع يراد لها ان تمهد الطريق لذلك النزوح الذي ينوي شارون القيام به بطرد الفلسطينيين واخراجهم من أراضيهم، ويتم ذلك إما باللجوء إلى القوة مستفيداً من حرب أميركية تُشن على اقطار عربية أو تدريجياً دون ان ينتبه احد لما يحصل ميدانياً، وشارون الذي تتسم علاقته مع الفلسطينيين بهاجسين، هما «الهاجس الأمني والهاجس الديمغرافي»، قد نجح في حمل الرئيس الأميركي وادارته والكونغرس على تبني هاجسه الأمني، ولم يبق أمامه سوى حمل واشنطن على تبني هاجسه الديمغرافي علناً. خطة التهجير الاسرائيلية وأكدت اسرائيل على خطة واضحة ومعلنة لتهجير أكثر من مليون فلسطيني من الضفة الغربية تطلق عليها اسم «الترانسفير» ولدى اسرائيل تعني النقل ويتضمن ما يسميه الاسرائيليون (النقل الطوعي) عبر حندق المواطنين الفلسطينيين وتجويعهم وتدمير منازلهم وحقولهم ومخازنهم، أو (النقل الالزامي) عبر تهجيرهم بالقوة، وعلى القيادة الفلسطينية وبقية الدول العربية ان تكون واضحة تمامًا في اجابتها على سؤال وحيد.. ما العمل في مواجهة الترانسفير؟ ان غياب أي خيار عسكري يعني ان الارادة الاسرائيلية هي التي ستقرر وتنفذ رغباتها وأهدافها، ويعني ان على العرب القبول بمليون لاجئ جديد في غياب خطط المواجهة الفلسطينية والعربية. ويبدو مع ذلك عندما رفع الفلسطينيون شعار المقاومة، فالملاحظ انه لغاية الآن لم تبلغ المقاومة الفلسطينية نقطة الحسم بخصوص الطريق الذي ينبغي سلوكه لتحقيق الاستقلال والتحرر، وكان ولا يزال الوضع العربي المتردي بشكله العام، والمعروف بدوره في ترسيخ الواقع المربك على الساحة الفلسطينية، وهكذا باتت المعادلة: (اسرائيل) تقوم بتنفيذ مخطط مدروس يشكل جزءا من استراتيجية ثابتة، ترتكز على مبدأ فرض الاستسلام والاحتفاظ بالأرض، وفي المقابل هناك صاحب قضية كبيرة، ولها قاعدة أكبر لكن قيادته مشرذمة وقراره متذبذب، فريق منه يرفع يافطة مقاومة جذرية ضد الاحتلال، لكنه غير منيع كفاية أمام محاولات فرض التكييف عليه، وفصائل ترجح وقف العمليات الفدائية إذا تم الانسحاب وفريق آخر يدينها كونها توجه إلى مدنيين، وفريق تسووي يعاني من التخبط والخلافات داخل صفوفه، وبذلك لا يوجد في الساحة من يحمل مشروعاً بسقف ثابت غير قابل للتخفيف. ومن هنا اتسمت عمليات المقاومة عموماً رغم استبسالها بطابع رد الفعل، تضرب (اسرائيل) وتقوم بالاغتيالات، فيأتي الاعلان والتوعد بالانتقام منها، وهو انتقام مشروع، لكن مثل ذلك شيء قابل للالتفاف عليه، أو سلبه من مردوده، فالمقاومة المستمرة بهدف التحرير لا تخضع لردود فعل قد يخضع للمساومة، من غير ان يقلل ذلك من مستوى التضحيات والبطولات التي ابدتها المقاومة الفلسطينية وما زالت في هذا السياق، فالنقطة الأساسية هنا تكمن في وضوح الصورة والتصرف على أساسه حتى في لحظات الانكسار. التخاذل الدولي ورغم كل ذلك، فإن المقاومة الفلسطينية، فاعلة، ومؤثرة في مقارعة العدو، إلا انها تواجه أيضاً بالعجز العربي من جهة والتخاذل الدولي من جهة أخرى، فلقد اخفقت الدول العربية في انتزاع الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، فهي لم تستطع وقف الاعتداءات (الاسرائيلية) المتكررة بما فيها عدم القدرة على حمايته من الهمجية الصهيونية، والتي تتجلى في الحرب المعلنة ضد الشعب الفلسطيني وتضع المنطقة العربية كلها على حافة الانفجار، بل وأمام امتحان عسير في الأفق المنظور، والدول العربية تعيش مرحلة انتقالية منفتحة على مختلف الاحتمالات، خاصة على ضوء تداعيات الحرب الأميركية ضد الارهاب وتطبيقاتها الصهيونية في فلسطين، حيث لم يمكن ان يحقق العرب أي تقدم في مسار القضية الفلسطينية ما داموا لم يلتزموا بالتخطيط والعمل الاستراتيجي في المديين القريب والبعيد، ولكن ربما ذلك يعود للفترة الحرجة والاستثنائية التي تمر بها الامة العربية، وقد ينسى البعض في غمرة محاولات الولايات المتحدة اجتياح العالم عسكرياً واقتصادياً بدعوى (مقاومة الارهاب) وضرورات العولمة، وفي غمرة الاستباحة (الاسرائيلية) العنصرية المدعومة أميركيا للأراضي الفلسطينية ان الأمة العربية وعبر تاريخها وخصوصاً الحديث، واجهت الكثير من التحديات والانكسارات والهزائم، لكنها ظلت قادرة على المقاومة ورفض الاستسلام، نظراً لما تملكه من مخزون انساني وثقافي وديني يحصنها، ويحول دون انهيارها، وان اسرائيل لم تتمكن من هزيمة الارادة العربية والفلسطينية، لذا فإن الصراع تواصل، ولن ينتهي، وان تبدى الضمور في الأداء العربي، مراعاة لحركة الواقع كما يقال أو الانحناء للعاصفة الأميركية الهوجاء، لكن الارادة العربية لن تنكسر وقادرة على الصمود والعطاء إذا ما اتيحت لها الفرصة، كذلك الشعب الفلسطيني الذي قدم نموذج الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 والانتفاضة الحالية ومقاومته حيث بدا عصيا على الهزيمة متشبثا بحقه متمسكا بارادته وقادرا بمناضليه وشهدائه ان ينقل المعركة إلى قلب العدو. ويمكن ان يضاف لكل ما جاء من مواقف للمقاومة الفلسطينية ومدى تأثيرها في الشكل العسكري على أرض فلسطين، نجاحها في استمرار قضية الشعب الفلسطيني سواء في المحافل المختلفة أو أمام الرأي العام العالمي، فإنها ينبغي ان تتواصل من خلال «الشكل السياسي» الذي يقوم على استمرار التماسك بحقوق الشعب الفلسطيني لاستعادة أراضيه واقامة دولته عليها. وكذلك بحيوية «الشكل الاعلامي» الذي يقوم على تعميق معرفة العالم بالحقوق المختلفة إذا لم تجد الوسائل السلمية في الحصول عليها، وكذلك من خلال «الشكل الاقتصادي» الذي يقوم على فك ارتباط الشعب الفلسطيني بالاقتصاد الصهيوني، وتحقيق ارتباط هذا الشعب والظهير العربي، كذلك الاهتمام بالشكل القومي الذي يحقق الانتفاضة والمقاومة لكل الشعب العربي ضد التحيز الكامل للولايات المتحدة والخصم الصهيوني وتأكيد عروبية القضية الفلسطينية استناداً إلى انها لم تخص الشعب الفلسطيني وحده. وبقي ان نذكر، كانت أمتنا وستظل مقبرة لكل الغزاة الطامعين، وقد يدرك الصهاينة ان ما ألم بأمتنا ليس سوى عرض زائل، فالمسألة باختصار اننا هنّا على أنفسنا فاستهان بنا الآخرون، ولكن هذا الهوان لن يطول ولن يستمر، فأمتنا العربية لديها كل مقومات الصمود وعبور الأزمات، والشعب الفلسطيني يدرك ان طريق المقاومة المقدسة طريق طويل لا تعبده إلا دماء الأبطال وتضحياتهم التي قل نظيرها في هذا الزمان. ـ كاتبة عراقية