في عام 1996 بدأ التراجع الاسرائيلي عن التزامات اتفاقيتي أوسلو، وبدأ التفريط الفلسطيني في السيادة الوطنية على كافة أجزاء مدينة الخليل والحرم الإبراهيمي، وفي قمة كامب دافيد-2 جرى خداع ياسر عرفات وفريقه، بشأن إمكانية القفز إلى تسوية سياسية نهائية، وحاول الحلف الأميركي الصهيوني فرض تنازلات مريرة في القدس وفي مسائل اللاجئين والنازحين والحدود والمستوطنات على الفلسطينيين. ولما اشتعلت الانتفاضة الثانية في 28 سبتمبر عام 2000 تخاذلت الدول العربية عن دعمها بالمال والسلاح وبالاستخدام المنسق للقدرة الدبلوماسية والإعلام الموجه، بل لم تنفذ معظم الدول العربية الالتزامات التي فرضتها القمتان العربيتان الطارئة في القاهرة في أكتوبر 2000 والدورية الأولى في عمان في مارس 2001، ومعظمها صور متواضعة من الدعم المادي ومحاولات قاصرة لإحياء المقاطعة العربية الاقتصادية لإسرائيل. وفي الوقت ذاته ارتكبت السلطة الفلسطينية أخطاء إستراتيجية فادحة التأثير على النضال الوطني من أجل التحرير، فقد تقاعست عن التحول إلى حكومة وحدة وطنية تستقطب ضمن تشكيلها جماعات رئيسية من المقاومة الفلسطينية، وبخاصة الإسلامية منها، كما رفضت أن تدير مقاومة مسلحة منظمة تحكمها قيادة عسكرية موحدة او منسقة لكل الأجنحة العسكرية في منظمات الكفاح الوطنية، والأخطر من ذلك أن أغلب قيادات السلطة قاومت بشدة ما سموه بالانعطافة المسلحة للانتفاضة الفلسطينية، وادعوا أن امتلاك أسلحة مثل المقذوفات الموجهة المضادة للدبابات أو للطيران المنخفض والطائرات العمودية المسلحة سوف يؤدي إلى إعادة احتلال الضفة الغربية لنهر الأردن. ولما حدث الاجتياح عجزت المقاومة الفلسطينية عن إدارة قتال المدن، وفشلت في مواجهة مدرعات العدو التي دخل احتلالها للضفة الغربية شهره الخامس. وتوقفت اليوم أغلب أنشطة الانتفاضة الفلسطينية فيما عدا العمليات الاستشهادية التي تواجه ضغوطاً دولية، بل وعربية، لوقفها لمدة ستة شهور على الأقل بدعوى تهيئة الظروف لوقف العدوان الإسرائيلي الحالي، والعودة إلى أوضاع ما قبل الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000. فالرئيس الأميركي جورج بوش يرى في العمليات الاستشهادية إرهاباً صريحاً، ويتطاول على القيم الإسلامية التي تشجع على الجهاد ويصفها بأنها زائفة، وقد شجع شارون على القيام بعملية الجدار الواقي، وهو يعطل أي تقدم سياسي في المسار الفلسطيني ما لم يتم القضاء على البنية الأساسية لمنظمات المقاومة الوطنية في فلسطين المحتلة، وحتى يتحقق تعاون بين السلطة الفلسطينية المجددة والمعدلة وبعض جيران إسرائيل المعتدلين ليتخلى الشعب الفلسطيني عن كل أساليب العنف المزعوم في نضاله من أجل تحرير 22% فقط من أرضه التاريخية المغتصبة !!! ويصل الضغط الأميركي إلى حد رفض إدانة مجزرة غزة التي صرعت قائد الجناح العسكري لحماس صلاح شحاده وعديداً من المدنيين الأبرياء، وإلى درجة صمت التواطؤ عن مجزرة نابلس التي بدأت في أول أغسطس الجاري، مع الإصرار على رفض أية حماية أو حتى مراقبة دولية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. واللجنة الرباعية إياها تخضع للتوجهات الأميركية التي ترقب بالسلبية كلها التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة، والاحتلال المباشر لأغلب المناطق سأس التي سلمت لسلطة عرفات، واستمرار مخطط اغتيالات واعتقالات قادة ومقاتلي المقاومة الفلسطينية الذي أدى إلى اغتيال مائتين من هؤلاء الأبطال واعتقال أكثر من ألفين منهم منذ بدء الانتفاضة الثانية حتى الآن، إلى جانب عدد مماثل من ذويهم في إطار إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل لتجريد شعب فلسطين من حقه في مقاومة الاحتلال الصهيوني وسعيه إلى الحرية والاستقلال. وقد خفت الصوت الأوروبي في اللجنة الرباعية على الرغم من جهود القاهرة والرياض، أما الروس فبينهم وبين تل أبيب تعاطف جلي وخفي في آن واحد، ويبقي كوفي عنان الذي لا ينسي أنه صنيعة الرضا الأميركي في اختياره لمنصبه وبقائه فيه على الرغم من تدني أدائه وفشله غير المسبوق في شغل موقعه المهم في المنظمة الدولية المفترض أن تنهض برسالة السلام والاستقرار والأمن الجماعي في فترة التحول إلى عالم جديد !!! أما صديقنا ياسر عرفات، فيتجاهل أن واشنطن قد اتفقت مع شارون وتابعه بيريز خلال زيارة الأخير للعاصمة الأميركية على ضرورة طرده أو إقصائه في القريب العاجل، ويتطوع عرفات بتكرار إدانة العمليات الاستشهادية ويجردها من شرعيتها ويزعم إضرارها بالعمل الوطني الفلسطيني واستئناف المفاوضات، ويتجاهل أن العمليات الاستشهادية هي صورة المقاومة الفلسطينية الوحيدة حاليا في مواجهة عملية الجدار الواقي الممتدة التي وصفها شارون نفسه بأنها عملية بقاء وتوسع لضم 58% من الضفة الغربية لنهر الأردن إلى إسرائيل، ولعزل غزة والقدس الكبرى بسياج أمني منيع. العمليات الاستشهادية بدأت هذه العمليات النبيلة في 16 أبريل 1993 على أيدي مقاتلي منظمة الجهاد الإسلامي في غور الأردن، ثم تزايدت نسبياً عام 1996، ولكنها أصبحت أداة فعالة للكفاح الوطني مع بدء الانتفاضة الفلسطينية الثانية منذ عامين اثنين. وخلال الفترة من سبتمبر 2000 إلى بداية أبريل 2002 نفذ المقاتلون 153 عملية استشهادية لقي فيها 239 مستعمرا إسرائيليا مصرعهم، ولقد انطلق 92 استشهادياً من مدن وقري الضفة الغربية لنهر الأردن، وعدد 54 مقاتلا استشهاديا من غزة، والباقون القلائل من إسرائيل داخل الخط الأخضر، وذلك طبقا لتقارير مركز جافي للدراسات الإستراتيجية التابع لجامعة تل أبيب، وهو عقل جهاز الموساد الإسرائيلي. وبذلك فإن صرعى الإسرائيليين في العمليات الاستشهادية يشكلون أكثر من نصف خسائرهم البشرية منذ بدء الانتفاضة وحتى بداية عملية الجدار الواقي، والتي بلغت 417 قتيلاً. ولم يخسر الإسرائيليون خلال المدة من 29 مارس 2002 وحتى 7 مايو الماضي سوى 24 إسرائيلياً كما يزعمون، في حين ادعى تقرير الأمم المتحدة الأخير عن مجزرة جنين أن جيش الاحتلال قد قتل عمدا 52 مواطنا فلسطينيا فقط في 13 يوما خلال أبريل الماضي. وقد استطاع شارون ومجرم الحرب بنيامين بن أليعازر وزير دفاعه ضرب الجناح العسكري لفتح في أهم قواعده في جنين في أبريل الماضي، ثم الجناح العسكري لحماس في معقله في نابلس في أغسطس الجاري في ظل اتفاق أميركي صهيوني على إتاحة الفرصة كاملة للجيش الإسرائيلي لتصفية أغلب مقاتلي المقاومة الوطنية الفلسطينية في فترة قادمة تمتد حتى يناير 2003 حين تجرى الانتخابات الرئاسية والتشريعية المخططة في الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة، مع استغلال صمت وعجز الأمم المتحدة التي يكتفي سكرتيرها العام الهمام كوفي عنان بترديد أسطوانته الرتيبة عن رفضه الشخصي لسياسة العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين. أما صديقنا عرفات فيتلهف لتنظيم لقاء وزير داخليته الجديد عبد الرازق يحيى بآرييل شارون للتفاهم على وقف كل صور المقاومة المسلحة انطلاقا من قطاع غزة مقابل تخفيف العزل والحصار عن مدن وقرى القطاع، وكمقدمة لبحث وقف المقاومة المسلحة في الضفة الغربية لنهر الأردن مقابل بدء انسحاب تدريجي من مدنها وقراها خلال 3-5 شهور قادمة !!! وقد أدت مجزرة غزة في يوليو الماضي إلى تصاعد معدل العمليات الاستشهادية في القدس وفي الجليل في شمال إسرائيل، وتحسنت نوعياتها من وجهتي النظر الفنية والقتالية، وبدأت تركز على استهداف عناصر القوات الإسرائيلية وبخاصة في تنقلاتهم باستخدام وسائل النقل المدنية، واستخدام المتفجرات الزمنية والألغام البلاستيكية. ومع ذلك فإن استمرار العمليات الاستشهادية يواجه ظروفا ضاغطة مؤلمة للغاية، فالعدو الإسرائيلي يستغل حدوثها في تكرار اجتياح المدن والقرى الفلسطينية وقتل الأبرياء واعتقال مئات الصبية والنساء، وإبعاد أقارب الفلسطينيين المشاركين في عمليات فدائية من الضفة الغربية وغزة، وكلها جرائم ضد الإنسانية وخرق فاضح لاتفاقيات جنيف لعام 1949، ويمتد السلوك الوحشي إلى هدم ونسف منازل عائلات عناصر المقاومة، واعتقال أقرب أقاربهم كرهائن حتى يجبروهم على الاستسلام، وقتل بعض كوادر المقاومة الإسلامية أمام زوجاتهم وأطفالهم. وأخشى أن تفشل جهود تحويل الانتفاضة الثانية إلى حرب تحرير شعبية في الشهور الطويلة القادمة لخمسة أسباب رئيسية، أولها استمرار ضعف وتراجع المواقف العربية من دعم انتفاضة الشعب الفلسطيني بالمال والسلاح، وتقاعس عواصم الاعتدال العربية عن استخدام أوراق الضغط المتاحة كالتلويح بإعادة تقويم وتصحيح مسارات العلاقات العربية الأميركية، وتفعيل المقاطعة الشعبية والاقتصادية لإسرائيل، وبدء توثيق التعاون الاستراتيجي مع قوى كبرى كالصين وبعض دول الاتحاد الأوروبي، واستخدام وسائل الإعلام العربية في إدارة حرب نفسية ضد إسرائيل والاستيطان العنصري في أراضي فلسطين التاريخية كلها. والسبب الثاني هو تناقص تأييد الشعب الفلسطيني لاستمرار العمليات الاستشهادية نتيجة الإرهاب الصهيوني المتصاعد وأعباء الحصار والجوع والتهجير الانتقائي والتصفية الجسدية وكانعكاس لرفض سلطة عرفات استمرار هذه العمليات، الأمر الذي أدى إلى انخفاض نسبة مؤيديها في الشارع الفلسطيني من 74 % في ديسمبر 2001 إلى 66 % في يونيو 2002 ثم إلى 60 % في آخر يوليو الماضي طبقا لإحصاءات مركز القدس للإعلام والاتصالات. والعامل الثالث هو خطر نجاح إسرائيل في الوقيعة بين سلطة عرفات والمقاومة الإسلامية، وبخاصة بعد تهديد شارون وتابعه بيريز بطرد عرفات من فلسطين المحتلة إذا استمرت العمليات الاستشهادية فيما بعد شهر أغسطس الجاري. والسبب الرابع هو بطء الأجنحة العسكرية لمنظمات المقاومة الوطنية في فلسطين المحتلة في تشكيل قيادة تنسيق عسكرية تنظم عملياتها وتوقف اختراق المخابرات الإسرائيلية لبعض عناصرها بشكل غير مسبوق في حركات التحرير الوطني في النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم، والالتزام بسرية التخطيط للعمليات الاستشهادية والامتناع عن الإعلان عمن قاموا بها وانتماءاتهم التنظيمية. والسبب الخامس، والخطير، هو تورط أطراف عربية مؤثرة في مخطط التهدئة والتسكين الأميركي في الضفة الغربية وغزة، ومحاولتها فرض هدنة لمدة ستة شهور فيها مع الاكتفاء بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى أوضاع ما قبل بدء الانتفاضة في سبتمبر بدون أي ثمن سياسي لهذه الانتفاضة العظيمة والتضحيات الكبرى التي قدمها الشعب الفلسطيني خلالها، وتتجاهل هذه الدول المعتدلة، وفلاسفة الدبلوماسية العتيقة فيها، أن الوقت لم يعد في صالح عرب فلسطين المحتلة، وأن الدعم الأميركي العسكري والتكنولوجي والأمني لإسرائيل ينمو باضطراد، وقد تزايد دور مكتب التحقيقات الفيدرالي في تأمين العمق الإسرائيلي داخل حدود4 يونيو 1967 منذ يونيو الماضي، بينما تعزز المخابرات المركزية الأميركية وجودها في الضفة الغربية لنهر الأردن وتشترك بالمشورة المباشرة في توحيد وإعادة تنظيم أجهزة الأمن الفلسطينية. ما الحل إذن ؟ لابد من سرعة الاتفاق بين دول الطوق العربية وبعض دول العمق العربية على استراتيجية محددة الأهداف والمراحل والتوقيتات والموارد، لإدارة الصراع العربي الإسرائيلي وفق إرادة قومية تقبل المواجهة، وتسعى لعلاج الخلل في توازن القوى بين العدو الصهيوني وبين كل دولة من دول الطوق منفردة، وتمارس ضغوطا فعالة اقتصادية ودبلوماسية وإعلامية وسياسية وعسكرية منسقة على إسرائيل في إطار صراع منخفض الشدة يدار ضدها وتتصاعد درجاته بحكمة، وفي ظل تقويم عقلاني للعلاقات العربية الأميركية يرفض انحياز واشنطن للدولة الصهيونية، ويبني على أساس المصالح المشتركة لطرفيها، مع كسب الوقت لتخطيط التحويل التدريجي للانتفاضة الفلسطينية الثانية إلى حرب تحرير شعبية من خلال أدوار عربية عملية في دعمها بالمال والسلاح وفي تطوير تنظيماتها وأساليب مقاومتها مع أو بدون قبول فترة مؤقتة لامتصاص نتائج ضرب البنية الأساسية لجماعاتها ومؤسسات السلطة الفلسطينية في العامين الأخيرين، وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية وتكامل وتنسيق أنشطة المقاومة. ولا يملك العرب، وفي مقدمتهم الفلسطينيون، خيارات حقيقية أخرى لإنقاذ الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة من خطر التهويد، وحماية بقاء النظام الإقليمي العربي الذي يتعرض لتهديدات كبرى في فلسطين والعراق والسودان وغيرها من بلاد الأمة. ـ مستشار المركز القومي للدراسات ـ الشرق الأوسط