حتى اذا لجأنا الى مفردات القاموس الأميركي، فإن البيت الأبيض أدرج الجريمة البربرية على غزة في اطار ماوصفه بـ (الاستخدام المفرط للقوة)، الذي يستوجب وفق أي منطق متسق رد فعل مقاوم ـ حتى لو احتكمنا الى أبسط ـ قوانين الفيزياء ـ لكن ماذا تعني الادانة الأميركية ـ الجاهزة دائما ـ للرد الفلسطيني باعتباره ارهابا؟! هنا تكمن المعضلة في المعادلة التي تحكم واقع الأرض المحتلة: عدوان غاشم متصاعد من جانب شارون. دعم أميركي بلا حدود، ولا حياء. عجز عربي مرير ومزمن. تخاذل دولي فاضح وفادح. والمحصلة استمرار السياسة العدوانية لعصابة شارون، وتلاشي أي امكانية محتملة ـ على الأقل في المدى المنظور ـ لتمهيد السبيل امام العودة الى مفاوضات تثمر تسوية ما!لقد سبقت الغارة على غزة مبادرة فلسطينية ـ فلسطينية، كادت تكلل بالنجاح، لوقف العمليات الاستشهادية ضد المدنيين، الا ان شارون لم يكن راضيا، وكان هدفه الأساسي من تحديد توقيت عملية اغتيال صلاح شحادة، والطريقة البشعة التي نفذت بها، نسف المبادرة التي سعى عرفات لاتمامها، وتعاونت الفصائل الفلسطينية لبلورتها، ليستمر شارون في تنفيذ مخططه الهادف لاستكمال (حرب التحرير) المزعومة!! من خلال عدة آليات تتمثل في اعادة احتلال الاراضي، توسيع الاستيطان، تدمير البنية التحتية، وتعميق نظام التمييز العنصري. الاحتلال «صناعة وطنية»! ولم يحاول شارون اخفاء هدفه الاستراتيجي، أو التكتيكات التي يتبعها، لتحقيق هذا الهدف، حتى ان المستشرق اليهودي د.مناحيم كلاين علق على مايحدث بقوله «إن قيمة الحياة تساوي الغبار تحت عجلات وسائل الحرب الاسرائيلية، أما حق المواطنين الفلسطينيين في الوجود والعيش فقد شطب من الوعي الاسرائيلي!» أما يوري افينري السياسي والكاتب الاسرائيلي المعتدل فيؤكد أن (الاحتلال هو الصناعة الوطنية في اسرائيل)!! عندما تتفاقم الأمور الى هذا الحد، فإن حق الفلسطينيين في اختيار وسيلة المقاومة المناسبة، يعد حقا طبيعيا، في مواجهة حرب الابادة والاستئصال التي يشنها شارون وعصابته دون هوادة، والتلويح المستمر بترانسفير جديد ـ يطبق جزئيا ـ لفرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني وفق شروط شارون واليمين المتطرف، الأمر الذي يعني ـ في المحصلة الاخيرة ـ تصفية القضية الوطنية الفلسطينية نهائيا! غير أن الوعي بمخطط شارون، يستوجب تثمين سلوكه الاجرامي باعتباره محاولة لدفع الفلسطينيين الى تبني نهج انتقامي يكون ـ بالتالي ـ مبررا كافيا لاستمرار ممارساته العدوانية المتصاعدة، فهل يعني ذلك ان يدير الفلسطيني دائما خده الايسر لشارون؟! الواقع انه حتى لو حدث ذلك ـ مع استحالته بالطبع ـ فإن شهية شارون سوف تكون أكثر استعدادا لقضم مزيد من الاراضي، وفرض شروط أكثر اجحافا لفرض فكرة الحل المؤقت طويل المدى، والذي يعني ـ عمليا ـ ضياع كل الحقوق الفلسطينية. والبديل يتلخص في اعتماد سياسة عربية ـ فلسطينية تعي أن التفاوض، واستمرار المقاومة لا يمثلان نقيضين، بل ـ على العكس ـ فإن ورقة المقاومة اخطر مايدعم الموقف التفاوضي، ونزعها يعني الجلوس على مائدة المفاوضات لتوقيع صك الاستسلام، بينما قراءة صحيحة للواقع تؤكد ان إسرائيل رغم كل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية التي تعمل ـ اجمالا ـ لصالحها، فإن استمرار المقاومة ـ فقط ـ هو الذي حال إلى الآن دون فرض تسوية بشروط شارون. تجاوز الخطوط الحمراء من ثم فإن أي رهان على المستقبل يجب ان يرتهن ببناء استراتيجية للمقاومة المحسوبة في مرحلة من أكثر المراحل دقة وصعوبة في عمر القضية الفلسطينية، التي تواجه عدوانا شاملا، كاسحا، ومستمرا، ينعم برضاء شعبي اسرائيلي ـ غير مسبوق ـ يدعم مخطط شارون بغير تحفظ تقريبا، الأمر الذي دفع ـ هذا الأخير ـ الى تجاوز كل الخطوط الحمراء وكان ذلك واضحا في استهدافه لعائلات العناصر الاستشهادية بالقتل والطرد، وتدمير المنازل و.. و.. والعديد من الاجراءات التي تفتقر الى أدنى معاني الإنسانية وفق الاعراف والمواثيق الدولية، التي تحكم علاقة دولة الاحتلال بالمواطنين الواقعين تحت وطأته لكسر إرادة المقاومة، ووأد أي أمل في اقامة الوطن الفلسطيني. وبداية يجب ان تتبرأ استراتيجية المقاومة المحسوبة من الثأرية الغريزية، والانفعالية، والعشوائية التي تفضي ـ في أحيان كثيرة ـ الى الموت بلا ثمن، ورغم صعوبة هذا المطلب ـ تحت عوامل ضغط عديدة ـ الا ان المقاومة، وحتى تكون مؤثرة في الدوائر التي تستهدفها، عبر مشروعيتها النابعة من سمو الغاية التي تحركها، يجب على عناصرها الالتزام بدستور اخلاقي يضع في الاعتبار رؤية (الآخر) في نصف الكرة الغربي حتى لا تنسف المقاومة رغم نبل مقاصدها التعاطف الدولي المطلوب والضروري، ولا شك أن تلك المسألة تستدعي دور الاعلام العربي ـ الغائب غالبا ـ في كيفية تسويق واستثمار فعل المقاومة، باستدعاء التجارب التاريخية لـ (الآخر) والتي مارس من خلالها حقه المشروع في المقاومة، لابعاد صورة الارهابي المعتدي عن المناضل الفلسطيني ـ وبالمقابل ـ فضح أساليب الهجمة العدوانية الاسرائيلية المتصاعدة. شروط أساسية ثمة شروط أساسية يجب ان تؤطر عملية بناء استراتيجية المقاومة المحسوبة ـ خلال المرحلة القادمة ـ لضمان تفعيلها، وانجاز الهدف الرئيسي لها، ويمكن تحديد تلك الشروط في أربعة هي: 1. توحيد رؤية الفصائل الفلسطينية لمفهوم وأولويات وآليات المقاومة بشكل دقيق وحاسم. 2. تحقيق اجماع وطني على الهدف النهائي من المقاومة، وعدم الاكتفاء باطار مرحلي، أو اتفاق تكتيكي. 3. وضع المتغيرات المحلية والاقليمية والدولية محل الاعتبار، بطريقة موازنة، لا سيما فيما يتعلق منها بالمعايير الحاكمة لمشروعية المقاومة، لتجريد شارون من أي تعاطف دولي. 4. تحديد العائد السياسي والاعلامي المطلوب من عمليات المقاومة، على كل الأصعدة، لدعم الطاقة النضالية معنويا وأدبيا. بالاضافة الى ماسبق، فإن استراتيجية المقاومة، بالتوازي مع المقاومة المسلحة، لاسيما أن ذلك يمكن ان يكسب القضية الفلسطينية مزيدا من التعاطف الدولي، هي بحاجة ماسة اليه، وربما كانت دعوة داعية الحقوق المدنية الأميركي القس جيسي جاكسون ـ في هذا السياق ـ اشارة لا يجب اغفالها، إذ اعرب خلال زيارته للاراضي المحتلة ـ نهاية يوليو الماضي ـ عن أهمية تبني مقاومة سلمية، والتعاطف مع اللاعنف ليس كخطوة رضوخ واستسلام، بل باعتباره شكلا من أشكال المقاومة، والمثير أن دعوة جاكسون جاءت مواكبة لدعوة (حركة فتح) المواطنين لكسر الحصار وحظر التجوال في نابلس، وبالفعل خرج الأطفال في مسيرة تحد للحظر، رافعين علب الحليب الفارغة، قارعين الاواني احتجاجا، وهم يحملون شعارات تطالب المجتمع الدولي بالتدخل. وكان الدرس المخيف لعصابة شارون أن القوة الغاشمة لا يمكنها التصدي لزحف اطفال تمردوا على واقع الاحتلال، محاولين لفت انتباه العالم الى مايجري من حرب ابادة وتجويع وقمع دموي. وهذا مجرد نموذج. استنزاف العدو لعل المقاومة ـ بشقيها المسلح والسلمي ـ تؤكد على ان الصراع الذي يدور على الأرض المحتلة، انما هو صراع شعب ضد عدو مغتصب، ولا يمكن اختزاله في كونه صراع بين سلطة وطنية وحكومة احتلال، ولابد أن يدعم المقاومة على الصعيد العربي تفعيل نظام المقاومة الشاملة، بدرجاتها الثلاث، ومواجهة أي مظهر للتطبيع، مهما كانت رمزيته أو الحجج التي تساق لتبريره، اذ أن ممارسة الشعب الفلسطيني للمقاومة المحسوبة، يجب ان تجد صداها ـ عربيا ـ ودون تباطؤ من خلال بث الروح في كل آليات المقاطعة الرسمية والشعبية ـ على السواء ـ ووأد أي محاولة للالتفاف على رفض التطبيع أو تبريره. كما أن بناء استراتيجية المقاومة المحسوبة، مع توفير غطاء قومي لمساندتها يعني مزيدا من الاستنزاف البشري والنفسي والاقتصادي لاسرائيل، والفضح لممارستها النازية امام الضمير العالمي، لعله يستيقظ بعد طول سبات، الأمر الذي يحد من قدرتها على فرض تسوية وفق شروطها المجحفة، رغم مايبدو عليه الحال من امتلاكها لزمام المصادرة، وحرية الحركة، لأن المقاومة المحسوبة تؤدي للحد من قدرة اسرائيل على الفعل وحرية المناورة، وبالتالي تساهم في اسقاط رهاناتها المدعومة من واشنطن.فضلا عن أن اعتماد تلك الاستراتيجية يخلق معادلة تقوم على توازن فعلي للارادات، بدلا من (توازن الدماء) القائم، والذي اختل هو الآخر لصالح العدو الذي يعتمد أساليب القمع الدموي والعقوبات الجماعية ردا على أي عملية استشهادية، فالمقاومة المحسوبة ـ عبر عمليات نوعية موجهة ومدروسة بدقة مستهدفة المواقع العسكرية والمستوطنين ـ سوف تدفع الحكومة القائمة في اسرائيل أيا من كان يرأسها، للبحث عن بدائل اخرى غير القوة المفرطة الغاشمة للخروج من مأزق تاريخي سوف يحتدم أكثر خلال المرحلة القريبة القادمة. إن المقاومة المحسوبة سوف تظل السبيل الاكثر فاعلية وتأثيرا امام حركة التحرر الوطني الفلسطيني، لانجاز الاستقلال، غير ان ذلك يستدعي الحرص على القيام بعملية تطوير مستمرة لآليات المقاومة وممارسة للنقد الذاتي يحفظ المقاومة من الانزلاق الى الثأرية الغريزية التي تقترب بها من دائرة الارهاب، وفق ماتروج آلة الدعاية الصهيونية، وتجد تجاوبا في الغرب لادعاءاتها، وفي كل الأحوال يجب أن يظل أي اجراء انتقامي يائس هو الاستثناء، لأن الخبرة التاريخية تؤكد دائما على حسم الصراع بين قوى الاحتلال، وأصحاب الحق من الحرية يكون لصالح الشعوب الساعية للاستقلال. وأخيرا: ليس حتميا أن تكون المقاومة مرادفا للموت، لأن المستقبل لا يبنيه سوى من يملك إرادة الحياة. ـ كاتب مصري