هي ذي الحقيقة، مهما طغى التضليل، ملتان تعيشان على ذات التراب، احداهما تغرس ظلها وحنان الاقدام فيه، والاخرى اتت من صقيع الاصقاع الاخرى تغرس في ارض ليست لها احذية عسكرية واسلحة. الاولى تنمو على مهل وفي دورة حياة طبيعية على ارضها. فيما الاخرى تحشر نمط حياة معلب في تربة تلفظها. نعم، انهم الفلسطينيون والاسرائيليون. للحقيقة دوما ضمانات الخلود، وللزيف مصير التبدد مهما بلغ الاستبداد. اسرائيل كائن طفيلي هش وعلى سبيل التفصيل، فان نظرة على الانتفاضة الباسلة، تكشف الفرق بين اصالة المجتمع الاسرائيلي وسمات الملة المارقة على ارض كنعان من العبرانيين. اسرائيل، دولة متقدمة بمقاييس العصر التكنولوجية، من حيث امتلاكها مجمعا صناعيا ضخما دخل مرحلة التفوق العلمي التنافسي، علاوة على فتوحات الابحاث الزراعية وتسهيلات تجارية مفروضة على دول العالم من قبل الولايات المتحدة. هذا التوصيف يفترض ان يقود الى نتيجة منطقية، مفادها ان هذه الدولة ستتجاوز بسهولة تبعات الانتفاضة الاقتصادية لو كانت غير هجينة. عدة معطيات ونتائج، نشرتها وسائل الاعلام الاسرائيلية، تشير الى قرب انهيار هذه الدولة اقتصادياً: مؤتمر اقتصادي سنوي ينظمه «المعهد الاسرائيلي للديمقراطية» باسم «قيساريا» عقد مؤخراً في القدس، خلص الى ان الدولة اليهودية خسرت منذ بداية عامي الانتفاضة ما يفوق الثمانية مليارات دولار، اكثر من نصفها في العام 2002 وحده، اضافة الى تراجع اسعار الاسهم وازدياد التضخم والبطالة. ويحذر المؤتمر هذا من ان اسرائيل تدخل في مرحلة فقدان عقد كامل من النمو الاقتصادي كتلك الفترة التي تبعت حرب اكتوبر 1973. جمعية الصناعات الغذائية الاسرائيلية، قالت من جهتها ان صادراتها الغذائية تشهد تراجعا بنسبة ضخمة تصل الى 35% فيما تتزايد الواردات بشكل دفع ارباب هذه الصناعة للاستغناء عما لا يقل عن الفي عامل. الاهم من ذلك: قسم مراقبة العملات الاجنبية في البنك المركزي الاسرائيلي اعلن في تقرير نشرته صحيفة «يديعوت احرونوت» العبرية ان الاسرائيليين المرعوبين حولوا الى البنوك الخارجية ما يصل الى ستمئة مليون دولار، وذلك رغم اقدام البنك على رفع سعر الفائدة بنسبة 2% لاغرائهم على الابقاء على الودائع في بنوكهم. ويقول البنك ان ابريل الماضي وحده شهد تحويل نحو مئتي مليون دولار للخارج. تقرير البنك هذا طبعا لا يتضمن عمليات تهريب الاموال بطرق غير قانونية، والتي من المتوقع ان توازي حجم الاسرائيليين الذين هربوا من فلسطين بفعل الانتفاضة، والذين تقدر اعدادهم بمئات الآلاف، اذ لا يعقل ان يهرب المرء تاركا امواله. اذن رغم الاسطورة، بدت اسرائيل بفعل انتفاضة شعب، لا يمتلك حتى الدعم المالي من الخارج، كما النمر من ورق، او البطل الكرتوني القابل للاشتعال لو ترك وحيدا امام انفاس المقهورين الحارة. وهي كذلك بالفعل، فهذه الدولة التي تعتاش من المساعدات الاميركية الضخمة وتبرعات اللوبي اليهودي العالمي وتجارة فرضتها واشنطن عنوة على اوروبا، تمايلت مع الريح رغم كل ذلك. لكن الافراط في الحماس، خطأ تحليلي قاتل، ينقل الحاضر الى وردية المستقبل المتخيل، وعلينا تاليا الا نتوقع سهولة انهيار الدولة العبرية هذه، سيما وان مشروعها مازال قائما من وجهة النظر الامبريالية. وبكل بساطة ومرارة فان جيوب دافعي الضرائب الاميركيين جاهزة لتغطية العجز الاسرائيلي، تماما كجهوزية اليمين في الكونغرس. لكن النتيجة الاستراتيجية الاهم، من الظروف العاجزة الحالية، هي ان دولة اليهود في فلسطين لقيطة، وستظل بلا افق استمرارية طبيعية من دون الاعتماد على قوى خارجية، وسيبقى مستقبل هذه الدولة رهين العوامل الخارجية، فالامبراطورية الاميركية لن تبقى الى الابد. الفلسطينيون وثقة أصحاب الأرض على الجهة النقيضة، هناك الفلسطينيون الذين يتسربون الى الداخل، الى الوطن، رغم سنوات القمع الوحشي. فهذا الشعب لم يكد يتنسم اولات الحرية، ولم يكد يلتفت الى نفسه كمجتمع معني ببناء مؤسساته الخاصة التي يرتفع اعلاها علمه الوطني، حتى عاد لمرحلة نفي الهوية والوجود برمته. السلطة الوطنية الفلسطينية هي مرحلة وسطية، بحسب الاتفاقات، بين شعب خاضع للاحتلال ودولته. وبدأ هذا الشعب في مرحلة شبه المؤسسات قبل ان يمحوها الاحتلال الجديد. ابشع صور القمع الاسرائيلي، كان دفع الفلسطينيين الى المجاعة، ذلك ان الاحتلال يتحكم بنقاط العبور والصادرات والواردات، اضافة للتدمير المنهجي للمصانع الوليدة في الضفة الغربية وقطاع غزة، علاوة على تدمير الاف الاشجار المثمرة والحقول الزراعية. البطالة في القطاع فاقت نسبة الـ 67%، وفي الضفة الـ 48%، وبعد اعادة احتلال مناطق السلطة بات عدد العاطلين عن العمل في مختلف المناطق الفلسطينية 594 الفا، فيما مليون وثمانمئة الف فلسطيني يعيشون على المساعدات الانسانية الآتية معظمها من الامم المتحدة والدول العربية. قطاع غزة، يوصف بمثال الانفجار السكاني في العالم، حيث يعيش ثمانية اشخاص في المتر المربع الواحد من الارض، ولا يتمتع بموارد اقتصادية غير زراعة محدودة وصيد الاسماك، فيما دخل سكانه الرئيسي يأتي من العمل داخل الدولة العبرية. وبعد ان تفرد هذا القطاع بانه المنطقة الوحيدة في العالم، التي اخضعها الاحتلال للسجن الجماعي والاغلاق والعزل المحكمين وصل سكانه الى حد الجوع. شهد قطاع غزة مؤخرا مظاهرتين، ورفع المحتجون ارغفة الخبز على العصي، وصبوا جام غضبهم على السلطة الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات، حيث اقتحموا مقره المدمر والفارغ. قال العقيد سمير المشهراوي المسئول في جهاز الامن الوقائي في القطاع، واحد قادة حركة فتح لوكالة الانباء الفرنسية «الاحتلال الاسرائيلي هو المسئول الاول عما يجري لكن عدم كفاءة السلطة الفلسطينية في الادارة يساهم ايضا في تفاقم الامور». وقال مسئول اخر رفض كشف اسمه للوكالة نفسها، ان حركة حماس ملامة ايضا، لانها لم تساهم في التخفيف من الازمة، على الرغم من تلقي مؤسساتها الخيرية نحو 70 مليون دولار من تبرعات خارجية ابرزها مؤسسة «ائتلاف الخير» التي يديرها العلامة يوسف القرضاوي. لقطاء مقابل الأبناء الشرعيين الفلسطينيون والاسرائيليون، حالتان متقابلتان، تعيشان ذات الازمة الاقتصادية لكن بأسلوبين نقيضين: اصحاب الارض يديرون ضائقتهم كشعب طبيعي، لا يبررون تقصير وسوء ادارة زعمائهم بشماعة الاحتلال، ويخرجون الى الشوارع طالبين محاسبتهم. اما الدخلاء على الارض الفلسطينية فيديرون ازمتهم كغرباء يتعلقون بالمنقذ الخارجي، ينتظرون المساعدات من وراء البحار، ولا يخرجون في مظاهرات، على الرغم من تأكيد مؤسساتهم البحثية ان سبب مأزقهم الطاحن هو سياسات حكومة ارييل شارون العدوانية. وحتى الحل الانقلابي، او التغيير السياسي، يأتي الاسرائيليين من الخارج فها هو حزب العمل وبتوجيه من جهات اميركية يدرس الانسحاب من الحكومة واسقاطها والتوجه الى الانتخابات المبكرة. ملاحظة اخيرة للمفاوض الفلسطيني: السيادة على الحدود ومعابرها، قضية لا تقل اهمية عن القدس واللاجئين ذلك انها العنق الاقتصادي وبوابة الجوع او الرفاه. خالد ابو كريم