والحكاية وقعت عام 1840، حين اختفى الأب توما الفرنسي الجنسية في حارة اليهود بدمشق، وجاء شهود يقولون ان الحاخامات قد خطفوا الأب المسيحي وقتلوه، وطحنوا عظامه، واستصفوا دمه لاستخدامه ، في عجن فطيرة عيد الفصح! بعدها، شكا القنصل الفرنسي في دمشق لديوان الوالي التركي، وبعدها جرى نشر القصة في كتاب نشره بالفرنسية مستشرق فرنسي بعنوان «في حادث قتل الأب توما، وخادمه ابراهيم عمارة». والقصة كلها مسجلة في المحكمة الشرعية بحلب وحماة ودمشق. ولا نعرف ماذا جرى في ذلك الوقت البعيد، لكننا يمكن ان نستخلص ان عداء يهوديا مسيحيا كان قائما، وان مايقال عن استباحة دم الآخر «وعرضه وماله» عند اليهود له أساس من الحقيقة. وقد نامت القصة، وربما تكون قد استيقظت اثناء الصراع مع النازية، ولكن هاهي تستيقظ مرة اخرى بسبب مقال صحفي نشره عادل حمودة في جريدة «الاهرام» فتحركت الدعوة ضده وضد رئيس التحرير ابراهيم نافع بإحدى محاكم باريس. «الأهرام» كبرى الصحف العربية مستدعاة أمام قاضي التحقيق، والتهمة: اثارة الكراهية ضد اليهود وضد السامية، وهي التهمة نفسها التي جرى توجيهها طبقا لقانون جاسيو التي حوكم بها جارودي بسبب كتبه التي نفى فيها تعذيب اليهود. وربما تحمل القضية دلالات عدة، فالذي حرك الدعوة «لوبي صهيوني» في باريس والمطلوب للتحقيق هو رئيس اتحاد الصحفيين العرب ونقيب الصحفيين المصريين الاستاذ ابراهيم نافع ولذا فإن الصحافة العربية، ومن خلال هذه القضية وامام الرأى العام الأوروبي هي المتهمة وسوف تكون في موقف الدفاع. كان الطبيعي أن تكون صحافتنا العربية في موقف الهجوم، فما يجري بالأرض المحتلة من جرائم يكفي وحده لكراهية ألف عام.. وقد تكون المفارقة واضحة فبينما تحدث مذبحة غزة، وبينما يشير تقرير الأمم المتحدة ان اسرائيل قد قتلت «52» فلسطينيا في جنين نصفهم من المدنيين بعد أن استخدمت الأسلحة الثقيلة لضرب المخيم بينما يحدث ذلك على الأرض تخرج علينا صفحة من التاريخ ونص عجيب في القانون الفرنسي ليؤلبا الرأي العام ويحاولا حصار الصحافة العربية. السؤال: ماهو المطلوب من الصحافة العربية والذبح في فلسطين على الهوية والأطفال غير مستبعدين من القتل والمستشفيات وعربات الاسعاف ممنوعة من انقاذ الجرحى ماهو المطلوب وقد احالت اسرائيل سبعين بالمئة من الفلسطينيين الى متعطلين يبحثون عن لقمة الخبز، وما المطلوب اذا كان «الأب شارون» قد صار رمزا للاسرائيليين وشعاره: «اقتل فلسطينيا تربح مليونا»! إننا نعيش مرحلة اللحم العربي المستباح، فلا أحد يحاسب أحدا، ولا نجاة من الطائرات والمدافع والدبابات الا بالصدفة، فالضباط والجنود الاسرائيليون يصطادون الفلسطينيين كما يصطادون العصافير ثم يجأرون بالشكوى لأن الفدائيين الفلسطينيين يحاولون الرد على هذه المذابح. من هنا تبدأ الكراهية وليست من مقال منشور، فإذا كانت تهمة الزميل عادل حمودة انه اراد اثارة الكراهية، والكراهية شعور انساني طبيعي أليس ذلك من حق الكاتب؟ في حالة الحرب ضد العدو تكون تعبئة الشعور العام هي الخطوة الأولى، فليس بالورود والرياحين نستقبل الاعداء.. ثم نطلق عليهم المدافع؟ ما لا يدركه القضاء الفرنسي اننا امام حالة احتلال وعداء وحرب يومية واغتصاب للأرض وعدوان يومي. وما لا يدركه القانون الفرنسي الذي يريدون ان يحاكموا به الزميل ابراهيم نافع أن الحكمة من تجريم بعض القوانين لاثارة الكراهية والبغضاء ضد فئة أو طائفة هو الحفاظ على وحدة المجتمع وتحقيق الانسجام بين شرائحه.. ولكن، في حالة عداء بين الاسرائيليين والعرب وفي حالة تضامن يهود العالم مع شارون، وفي حالة دفاع بوش عن «القتل» هل تعاقبنا القوانين لاننا نكره!! اننا لا نعرف تطورات القضية لكننا نعرف مغزاها، فالمطلوب بعد ان سكتت المدافع العربية ان تخرس الالسنة وان نبارك ماتفعله اسرائيل ويريده السيد الأميركي. المطلوب ان نحب اعداءنا وان نرفع شعار «اذا ضربك على خدك الأيمن فادر له خدك الأيسر»! الصمت هو المطلوب، وارهاب الصحفيين والاعلام العربي هو المستهدف والرمز هنا واضح فالمراد اصطياده في القضية رئيس لاتحاد الصحفيين ورئيس لتحرير أكبر صحيفة عربية، ومن ثم فالرسالة واضحة لكل الصحفيين العرب. انها محاكمة للصحافة العربية، وليس مجرد محاكمة لابراهيم نافع أو صحيفة «الاهرام»، أو الكاتب الذي طالما فضح الممارسات الاسرائيلية عادل حمودة.