في اطار المراجعات التي تجريها التيارات الفكرية والسياسية المصرية لقناعاتها الايديولوجية وبرامجها السياسية، نظم مؤخرا مركز البحوث العربية بالقاهرة، ندوة تحت عنوان «مستقبل اليسار في مصر». دعا اليها عددا من المتحدثين يمكن أن يكونوا ممثلين لأجيال وتيارات مختلفة في اليسار المصري وهم المحامي أحمد نبيل الهلالي وهو من الشيوعيين القدامى، وحسين عبدالرازق الأمين العام المساعد لحزب التجمع اليساري، والمهندس أحمد بهاء شعبان أحد القيادات اليسارية ورئيس اللجنة المصرية لمقاطعة البضائع الاسرائيلية والأميركية. ود. أنور مغيث الاستاذ المساعد للفلسفة المعاصرة بجامعة حلوان. وقد أدار الندوة عبدالغفار شكر من قيادات حزب التجمع وعضو مجلس ادارة مركز البحوث العربية. وقد تناول الهلالي في مداخلته أخطاء الحركة الشيوعية المصرية منذ بداياتها حتى وقتنا الراهن وفي اطار ذلك وجه نقدا حادا للشيوعيين المصريين في الأربعينيات لموافقتهم على قيام دولة اسرائيل وتأييدهم لقرار التقسيم وقال لقد ضحوا بالمبدأ الوطني في الدفاع عن مقدرات فلسطين من أجل أن يحافظوا على تبعيتهم للحزب الشيوعي السوفييتي. وأضاف الهلالي من أخطاء اليسار الشيوعي موقفه الخاطئ من قضية الديمقراطية فقد ارتضى بصيغة الحزب الواحد في العهد الناصري ولأجل ذلك قام بحل تنظيماته المستقلة هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن كل التنظيمات الشيوعية خلت معظمها من ممارسة ديمقراطية داخلها مما كان سببا رئيسيا في الانقسامات التي سادت داخل هذه التنظيمات، ومن أخطاء اليسار الشيوعي اهماله في اقامة تحالفات اجتماعية صحيحة تتسق مع غايات نضالاته الاجتماعية والسياسية فقد أهمل اقامة تحالفات حقيقية وقوية بينه وبين الفلاحين والعمال بينما ركز على التحالف مع البرجوازية الصغيرة ممثلة في أحزابها. ومن أخطاء الاحزاب الشيوعية أيضا يقول الهلالي سيادة الانحرافات في تحالفاتها بينها وبين بعضها البعض، فهذه التحالفات اما كانت منحرفة يسارا في نفي الوحدة كلية أو منحرفة يمينا بالذوبان في الوحدة. وطالب نبيل الهلالي اليسار المصري بتجديد الماركسية وتطويرها وتقديم تصور متكامل للانقاذ الوطني، واطلاق حركة شعبية في مصر لمقاومة العولمة وشدد على ضرورة ألا يتخلى اليسار المصري عن أيديولوجيا الطبقة العاملة المتمثلة في الماركسية اللينينية وقال علينا أن نعض بالنواجذ على الماركسية اللينينية فانهيار الاتحاد السوفييتي لا يعني أن الشجر مات بل يعني أن بعض الأوراق الذابلة قد سقطت. وقال حسين عبدالرازق في مداخلته ان اليسار كله يمر بأزمة سواء في الأحزاب العلنية أو في التنظيمات السرية مثل «الاشتراكيين الثوريين، وحزب الشعب الاشتراكي» وان كانت هناك أيضا أسباب تخص كل حزب وكل تنظيم على حدة. وأرجع حسين عبدالرازق أزمة اليسار الى عدة أسباب جاء في صدارتها اتجاه المجتمع المصري الى اليمين وسيطرة جماعات الاسلام السياسي عليه. وتراجع الحركة العمالية ذات الطابع السياسي فلم تعد الساحة المصرية تشهد أحداثا مثل التي شهدتها في أعوام 75، 77 أيضا تراجع المواجهة الفلاحية خصوصا بعد صدور قانون العلاقة بين المالك والمستأجر. وقال حسين عبدالرازق ان الحركة الطلابية أيضا متراجعة على الرغم من المظاهرات الطلابية التي شهدناها في مناصرة الانتفاضة الفلسطينية. فضلا عن ذلك فإن الانقسامات التي سادت في حركة اليسار المصري كانت سبيلا في اضعافه، هذا بالاضافة الى الممارسات غير الأخلاقية التي جرت من بعض المنتسبين الى التنظيمات الشيوعية خصوصا وان هذه الممارسات كانت تلاقي احتفاء بها في أغلب الأحوال. أيضا بعض قوى اليسار أخذت في الاقتراب من سلطة الدولة حيث فقدت مصداقيتها في تمثيل قوى اليسار ومن ناحية أخرى كان هناك غياب تام للأجيال الجديدة في تنظيمات اليسار فقد تكلست العضوية في هذه التنظيمات على الكوادر والوجوه القديمة. وكانت هناك أسباب عالمية بالطبع في الأزمة التي يمر بها اليسار المصري يأتي في صدارتها انهيار الاتحاد السوفييتي وما انعكس من ذلك على كافة الأحزاب الاشتراكية في العالم. وحول مستقبل اليسار في مصر قال حسين عبدالرازق ان اليسار هو المستقبل الوحيد لمصر فقد أخذت البرجوازية فرصتها ولم تنجز شيئا. ونصح حسين عبدالرازق اليسار المصري في ختام كلمته بأن يوحد صفوفه ويتجاوز الخلافات وأن يتوجه الى الطبقات الشعبية مثل العمال والفلاحين والمهنيين والمثقفين وأن عليه أن يطرح برامج محددة في القضايا الاجتماعية والوطنية هذا بالاضافة الى الاهتمام بالممارسة الديمقراطية. وفرق د. أنور عبدالمغيث في مداخلته بين نوعين من اليسار صارا يمثلان اليسار في كل دول العالم. فقال ان هناك يسارا لديه خطة لادارة المجتمع وليس لديه رؤية وغاية في تسيير صيرورة المجتمع ، وهناك يسار حامل لمشروع اجتماعي بديل وهذا هو اليسار الثوري الراديكالي. وقال د. مغيث ان النوع الأول من اليسار هو الذي صارت عليه كل الأحزاب اليسارية في أوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وأصبح يتداول السلطة مع الأحزاب البرجوازية والليبرالية تبعا لاختيار الناخبين في ضوء رؤيتهم لبعض الشروط والاجراءات السياسية التي تحكم زيادة الاستثمارات أو حماية الضمانات الاجتماعية. وقال د. مغيث ان هذا الشكل لليسار مطروح للتواجد في مصر أيضا. أما اذا كان السؤال يتعلق بمستقبل اليسار الثوري الرديكالي الذي يطرح نمط انتاج بديل ومخالف في صيرورته لمستقبل الرأسمالية، فهذا يتوقف على مدى قدرة هذا اليسار على الاجابة على مجموعة من الأسئلة والمطالب منها البحث في امكانيات الماركسية لمواصلة النضال والبحث في امكانيات الثورة والامكانيات والشروط التي تسمح بتحقيقها. بل والبحث في مفهوم الثورة نفسه وامكانية تطويره بحيث لا تكون بالضرورة حدثاً في نقطة واحدة بل يمكن أن تكون مشروعا طويلا. كما يتوقف مستقبل هذا اليسار على الاجابة على سؤال القوى الاجتماعية التي تحمل مشروع الثورة الاشتراكية هل سيكون قاصرا على الطبقة العاملة كما كان الحال في الماركسية التقليدية أم أن على الماركسية توسيع مفهوم الطبقة العاملة من جهة بحيث تضم فئات مهنية أخرى بجوار العمال بل وأيضا توسيع مفهوم القوى الاجتماعية بحيث تضم نضالات حركات فئوية ونضالات حركات ليس بالضرورة تقوم على أساس طبقي مثل النضالات النسوية.. أيضا البحث في قضية الأممية وهل ستكون قاصرة على الأمميات التقليدية التي أفرزتها التجارب والنضالات الاشتراكية في القرن الماضي وهي الأمميات المرتبطة بالأحزاب الشيوعية أم أنه لابد من البحث عن صيغ أخرى لهذه الأممية تتناسب مع الانتفاضات العالمية ضد العولمة وهيمنة الرأسمالية العالمية مثلما حدث في أحداث سياتل، وجنوه، ودربن . ومن التساؤلات حول مستقبل الماركسية واليسار الرديكالي في العالم انتقل د. مغيث الى التساؤلات المتعلقة بمستقبل اليسار في مصر. فقال ان مستقبل اليسار في مصر مرهون بالخروج من عزلته وهذا الخروج أراه في الانخراط في العمل الأهلي فليس بالضرورة أن يكون النضال السياسي لليسار مرهونا بأحزابه السياسية بل مطلوب توسيع مفهوم النضال السياسي ليشمل العمل في الجمعيات الأهلية أيضا. ومطلوب أيضا من اليسار في مصر أن يكون له موقف محدد من التنمية فمطلوب منه أن يقدم نمطا بديلا من التنمية لا يجعل من نمط الاستهلاك الغربي هو النمط المطروح. وطرح د. مغيث في نهاية مداخلته تساؤلات تتعلق بقضايا اليسار والفكر والابداع فأشار لأهمية مراجعة علاقة الفكر بالسياسة وقال من الضروري ان يعي اليسار مخاطر ربط الفكر واخضاعه لمتطلبات العمل السياسي لأن ذلك قد يؤدي الى قتل روح الابداع الفكري في تيارات اليسار. وصدر أحمد بهاء شعبان مداخلته بقوله ان اليسار الذي قدم على مر تاريخه في مصر آلاف المناضلين نجد أن مساحة حضوره الآن على الساحة المصرية ومنذ عام 80 لا تتناسب مع هذا التاريخ من التضحيات وجاء القرن الجديد على اليسار في مصر ليجده في أسوأ ظروفه على الاطلاق. فلا حركة منظمة لليسار في مصر ولا تجديد في منطلقاته النظرية، وأصبحت قواه غير مؤثرة في الواقع المصري وبقت كافة حركاته على سقمها وأمراضها القديمة. وقد صاغ بهاء شعبان ملاحظاته على حركة اليسار المصري في المستقبل في شكل أسئلة استفهامية واستنكارية مثال موقف اليسار من الاسلام السياسي فقال هل يكون الموقف رفع راية العداء في وجه الاسلام السياسي على الدوام كما يفعل رفعت السعيد أم يجب اتخاذ موقف يكون فيه الحوار مع الاسلام السياسي مطروحا ثم تساءل حول غياب مواقف محددة لليسار من قضايا كبرى مثل السلام مع اسرائيل وأشكال الخيارات معها والموقف من ياسر عرفات. والموقف من حراك المجتمع المدني في مصر. ونبه بهاء أن الأحزاب التي تدعي يساريتها في مصر لا تملك الحد الكافي لتتحدث باسم اليسار وأن التفسخ التنظيمي بداخلها يعرضها لخطورة الانقراض البيولوجي. ودعا بهاء في نهاية كلمته الى عقد مؤتمر عام لمناقشة الأزمة القاتلة التي يمر بها اليسار المصري تتبنى أعماله التحضرية لجنة أولية تعمل تحت شعار بناء الحركة اليسارية المصرية ولا يكون لها أي صلاحية في استبعاد أي فرد أو جماعة من الحضور وشدد على أنه من الأفضل أن يعقد هذا المؤتمر بشكل عاجل في مدة لا تتجاوز شهرين. وعقب المناقشة علق د. صابر بركات فقال ان الكلام عن تراجع الحركة العمالية غير صحيح بل ان الحركة العمالية في مصر تخوض نضالات قوية من أجل حقوقها فقد قامت خلال الفترة الأخيرة مئات من الاحتجاجات العمالية وعشرات من الاضطرابات في كل انحاء مصر. أما ايمان يحيى فقال ان مقولة لا مستقبل لمصر بدون اليسار مقولة صحيحة لكن هذه المقولة لابد أن تكتمل بالمصارحة بأن اليسار الحالي في مصر ليس له مستقبل.