بيان الاربعاء: عقب «قمة بيروت» العربية الأخيرة، التي تبنت مبادرة ولي عهد السعودية الأمير عبد الله، جاء الرد الإسرائيلي سريعا واجتاح جيش الاحتلال الأراضي الفلسطينية، وارتكب المجازر الوحشية، فضلا عن اغتيال واعتقال عدد من قيادات وكوادر فصائل المقاومة، ما أدى إلى تراجع مؤقت في نشاطها لكنها مازالت مستمرة، وأثبتت أنه لا يمكن لأحد أن يقضي عليها . فالسبيل الوحيد لوقف المقاومة هو تحقيق أهدافها، أو على الأقل الحد الأدنى الذي تقبله من هذه الأهداف. وفي أعقاب ما تصور «شارون» أنه نصر حققه، بدأ يثير فكرة عقد «مؤتمر إقليمي» بلا مرجعية محددة. ثم تطورت الفكرة إلى أخرى لا تقل عنها غموضا، حتى الآن، عن مؤتمر دولي يعقد خلال الشهور المقبلة، برعاية أميركية أوروبية روسية بالاشتراك مع الأمم المتحدة، وقال المسئولون الأميركيون أن الولايات المتحدة تشترط، لكي تقوم بالدور الذي يريده العرب منها، وقفا وإدانة للعمليات الاستشهادية وإصلاحا شاملا في السلطة الفلسطينية. هكذا، فإن الساحة كانت تشهد عرضين للدخول في عملية التسوية: أولهما مبني على «مبادرة الأمير عبد الله» وهو مرفوض موضوعيا من إسرائيل، هذا العرض تمت تنحيته جانبا لصالح أفكار غير متماسكة عرضها الرئيس الاميركي جورج بوش وقرنها بشروط تعجيزية غير مقبولة وتتجاوز اكثر من عرف دولي حول «آفاق التسوية السياسية وأوراق التفاوض العربية»، عقد مكتب «البيان» بالقاهرة حلقة نقاشية، شارك فيها: السفير محمد بسيوني وكيل لجنة العلاقات الخارجية والأمن القومي بمجلس الشورى في مصر وسفيرها السابق في إسرائيل، والسفير «طاهر شاش» وكيل وزارة الخارجية المصرية الأسبق ومستشار الوفد الفلسطيني في مفاوضات السلام، والدكتور «أحمد يوسف أحمد» أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ومدير معهد البحوث والدراسات العربية، واللواء الدكتور «محمود محمد خلف» عضو المجلس المصري للشئون الخارجية والقائد السابق للجيش الثالث الميداني، والباحث والخبير السياسي الفلسطيني الدكتور «محمد خالد الأزعر». في بداية الندوة، تحدث «جلال عارف» مدير مكتب «البيان» بالقاهرة عن المواقف الراهنة على الساحتين: الفلسطينية والعربية، ومبادرات وأفكار التسوية المطروحة. وتساءل: هل ما حدث كان نتيجة طبيعية لنهج التسوية كما رسمته اتفاقات أوسلو، أم بسبب الانقلاب الإسرائيلي عليها وهل كان يمكن أن تحقق شيئا أفضل للفلسطينيين؟. وأضاف: بعد أن تغيرت الخريطة السياسية والظروف الإقليمية والدولية الآن، هل مازالت هناك آفاق لعملية التسوية تنبئ بإمكانية الوصول إلى اتفاق «مقبول» من الشعب الفلسطيني والأمة العربية؟ ثم ما هي الأوراق التي بيد العرب، ويمكن أن يدخلوا بها هذه العملية، إن بدأت. انقلاب نتانياهو د. أحمد يوسف: أعتقد أن نقطة البداية الطبيعية هي التساؤل عن جذور ما يحدث الآن. وإذا كنا سنتذكر اتفاقات أوسلو ومنطقها، بغض النظر عن موقفنا المؤيد أو المعارض لها، وأنا كنت واحدا من الذين لا يحملون تقديرا كبيرا لها، فإن الموضوعية تقتضي أن نشير إلى أنه في تاريخ حركات التحرر الوطني كثيرا ما وجدت اتفاقات سيئة، ولكن هذه الاتفاقات مع تطور حركات التحرر والمواقف والظروف المحيطة، كان يمكن أن تثمر وتفضي إلى نتيجة ما قد يكون استقلالا منقوصا، أو دولة مقيدة أو تابعة إلى آخره. أقصد بهذا أن أقول إن «اتفاقات أوسلو» كانت تفتح «طريقا نظريا» لتسوية محتملة. وكما نذكر جميعا أنها قامت على منطق ربما كان أميركيا يقوم على إدارة الصراع بالتفرقة بين نوعين من القضايا: عادية بسيطة، وأخرى شائكة وهذا المنطق كان يقول بأن نبدأ بالقضايا البسيطة، مثل إعادة الانتشار وانتخاب سلطة حكم ذاتي وغيرها، لعل مناخا تعاونيا قد ينشأ أثناء حل هذه القضايا يساعد على حل المسائل الشائكة، التي حددت كما نعلم-بقضايا الدولة والقدس واللاجئين والمستوطنات والمياه. إذن، من الناحية النظرية، كان يمكن أن تفتح هذه الاتفاقات الطريق لتسوية ما. قد لا نرضي عن مضمونها النهائي، وقد لا نوافق على صورتها الأخيرة لكن كان الأمل معقودا-نظريا على مثل هذه التسوية. وما حدث في تقديري أن ثمة فارقا بين النظرية والتطبيق، لأنه عند التطبيق وضح أن الإسرائيليين وربما الأميركيين من ورائهم كانوا يريدون من اتفاقات أوسلو أن تحقق ما في ذهنهم، وهو أن ينشأ كيان تابع تماما لهم وينفذ مشيئتهم، أي أن تكون الشرطة الفلسطينية هي شرطة إسرائيلية ترتدي ثيابا فلسطينية. ومع تطور تطبيق المرحلة الأولى الانتقالية لاتفاقات أوسلو، ربما بدأت اتجاهات الفكر السياسي والقوى الرئيسية في إسرائيل تدرك خطورة هذا المنهج، لو أنه تم إلى منتهاه. بعبارة أخرى: تصوروا لو أن المرحلة الانتقالية تمت بالكامل، وأعيدت معظم أراضي الضفة وغزة إلى الفلسطينيين، كسلطة حكم ذاتي وليس كدولة مستقلة، ثم بدأنا بعد ذلك نتحدث عن اتفاقات الحل النهائي في هذه الحالة نحن إزاء كيان جنيني لدولة فلسطينية، وموقف أفضل للفلسطينيين من حيث كونهم موجودين على الأرض، ويسيطرون ولو إداريا على أماكن كثيرة منها. ومن هنا حدث انقلاب في الفكر والسياسة الإسرائيلية مع تولي نتانياهو رئاسة الحكومة، ونذكر جميعا أنه عندما جاء بدأ يطرح منطقا يهدم اتفاقات أوسلو. وفي تقديري أن الانقلاب على أوسلو بدأ في 1996، عندما بدأ نتانياهو يقول فلندمج المرحلة الانتقالية مع المرحلة النهائية، ولنصل إلى حزمة واحدة، وهو كان يريد بهذا المنطق أن يجعل الفلسطينيين، لكي يحظوا بثمرات المرحلة الانتقالية، يوقعوا على «صك» يضمن شروط ومواصفات الحل النهائي حتى تمكنهم من جني ثمار المرحلة الانتقالية وهو منطق لم يكن مقبولا، لسبب بسيطهو أن مواصفات الحل النهائي، كما يتصورها نتانياهو وأمثاله، لا يمكن أن تكون مقبولة أو ملائمة للحد الأدنى فلسطينيا وعربيا. ومن هنا حدث مأزق أوسلو، وبدأ تعثر التسوية بعد الانقلاب الإسرائيلي على الإتفاقية. الشيء الأكثر أهمية، أنه عندما سقط نتانياهو وجاء باراك، الذي بُشرنا بأنه يمثل الخط المعتدل في إسرائيل، وجدناه في اعتقادي يمثل أفكار سلفه ولكن في سياق أكثر لطفا ونعومة. ودليلي على ذلك، أن باراك لم يكن متحمسا أيضا مثل نتانياهو-لأوسلو من البداية، وهو أيد كذلك فكرة الدمج بين المرحلة الانتقالية والحل النهائي. والأكثر من ذلك هو أنه عندما أتى بآخر ما في جعبته، كان هو العرض الذي تقدم به في قمة كامب ديفيد الثانية. وكما نعلم جميعا، فإن هذه القمة قيل فيها كلام كثير. واتهمت القيادة الفلسطينية بأنها ضيعت فرصة تاريخية، وأنا كمواطن لم يتح لي فرصة الإطلاع على أسرار كامب ديفيد الثانية، لكن يكفيني أن زعيما لا شك في اعتداله وموضوعيته مثل الرئيس مبارك، فند في خطاب رسمي - هذا الإدعاء، وقال إنه لم يقدم شئ يعتد به للفلسطينيين في كامب ديفيد إذن أقصى ما كان مقدما للقيادة والشعب الفلسطيني كان عرضا هزيلا، أدت نتيجته إلى اندلاع انتفاضة الأقصى سواء كان سببها المباشر زيارة شارون أو غيرها. أضيف أيضا، أنه ربما كان أحد أسباب الإسراع بتفجير الموقف سبب غير معلن، وهو أن القيادة الإسرائيلية ومن خلفها الولايات المتحدة الأميركية كانت تخشى من انتقال مناخ ونموذج الجنوب اللبناني إلى المجتمع الفلسطيني، بعبارة أخرى: الرغبة في الإسراع بحل أو تسوية حتى لا تنتقل الأفكار الثورية، التي حررت بموجبها الأراضي اللبنانية، إلى أوساط الثورة الفلسطينية. وفي رأيي أن الضغط الكبير في هذا الاتجاه ساعد على تفاقم الموقف في الحالة الفلسطينية. شاهد على أوسلو ـ السفير «طاهر شاش» كنت شاهدا على ولادة اتفاقات أوسلو، وكان لك ملاحظات عليها ما هي رؤيتك لهذا الاتفاق، هل كان جيدا بالنسبة للفلسطينيين أم ترى أنهم أخطأوا في قبوله بالصورة التي تم بها، وهل أخذوا بالملاحظات التي أبديتها؟ ــ السفير شاش: أود توضيح أن دوري الأساسي كان في مفاوضات واشنطن التي أعقبت مؤتمر مدريد، وكنت مستشارا للوفد الفلسطيني طوال هذه المفاوضات وكان الدكتور «حيدر عبد الشافي» هو رئيس الوفد، واستمسكنا بالمواقف المبدئية الفلسطينية بإصرار، لدرجة أن المفاوضين من الجانبين عجزوا على مدى عشر جولات تفاوض عن الاتفاق حتى على «جدول أعمال». وفي المرحلة الأخيرة من تلك المفاوضات، كانت هناك محاولة للتوصل إلى «إعلان مبادئ» وتقدم كل من الجانب الفلسطيني والإسرائيلي بورقته في هذا الصدد، وبالطبع كانت هناك فجوة شاسعة بين الموقفين فتقدم الجانب الأميركي بورقة، وجدنا أنها أسوأ من نظيرتها الإسرائيلية! في الوقت نفسه، ودون أن نعلم نحن المفاوضون في واشنطن، كانت هناك «قناة أوسلو» السرية مفتوحة بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين رئيس الحكومة الإسرائيلية «اسحق رابين»، وهو ما عرفناه من الصحف بعد ذلك. وأنا لم أشارك في مفاوضات أوسلو، وكانت هناك نية فلسطينية لذلك لكن تم التراجع عنها، حتى لايكون وجودي ضمن فريقي التفاوض في واشنطن وأوسلو، سببا في كشف السرية التي أحاطت بالأخيرة. وعندما وصلوا في مفاوضات أوسلو إلى النص النهائي، سأل أبو عمار مفاوضيه عن مستشارهم القانوني، وطلب إحضاري على الفور لأراجع الصيغة النهائية للاتفاق، قبل أن يوقع عليه. ووصلت أوسلو متأخرا للأسف، بسبب ظروف الطيران، وفي نفس ليلة توقيع «إعلان المبادئ» مع شيمون بيريز وزير الخارجية الإسرائيلي، وأطلعني المفاوضون الفلسطينيون على الإتفاق، وبدأت في دراسته بشكل دقيق، كلمة كلمة، لكن الوقت كان ضيقا للانتهاء منه خاصة ولم يعد متبقيا سوى نحو ساعة على موعد التوقيع، فسألوني: ما رأيك بشكل عام في هذا المشروع؟ فقلت لهم أنني قرأته، ووجدته أفضل كثيرا مما قدم في واشنطن، لأن أوسلو ينص على إجراء انتخابات لسلطة فلسطينية وطنية وهذه سيكون لديها سلطة تنفيذية وتشريعية وقضائية، وشرطة وقوات أمن خاصة.والأهم أن القضايا الكبرى: الحدود والقدس والمستوطنات واللاجئين والمياه، مؤجلة وليست ملغاة أو متجاهلة، وهي حالة محايدة تترك المفاوضات حول هذه القضايا إلى المستقبل. كانت لي بالطبع بعض الملاحظات على الاتفاق، ولكن لم يكن هناك وقت لتلافيها أو تعديلها، وهذا هو كل دوري في اتفاق أوسلو. أما عن حكمي عليه فقد أخضعته لدراسة دقيقة، ووجدت فيه مزايا وعيوبا. أهم المزايا أن هناك مرحلة انتقالية سليمة، تفضي إلى دولة فلسطينية فيها كل مكونات الدولة التي نعرفها،بشرط أن يتم تنفيذه على الوجه الأكمل، وهناك انحسار للاحتلال من غزة وأريحا في المرحلة الأولى، ثم تأتي عمليات إعادة انتشار متتالية. وهذه كانت نواح إيجابية. أما أهم النواحي السلبية اللافتة للنظر، فهي أنها عملية «لا ضمان لها» على الإطلاق فهم يقولون إنه لتسوية الخلافات التي قد تنشأ عن تنفيذ هذا الاتفاق، يتم اللجوء إلى المفاوضة أو التوفيق أو التحكيم، ولا توجد أي كلمة في الاتفاق عن آليات وسبل التوفيق أو التحكيم، ولكن هناك «لجنة مشتركة» تشكل عضويتها مناصفة بين الطرفين وهي التي تتولى التفاوض حول الخلافات، ولا يوجد أي عنصر خارجي يضمن تنفيذ الإتفاق. والملاحظة الثانية بالطبع هي تأجيل القضايا الرئيسية إلى ما بعد عامين من توقيع الاتفاق. والذي حدث بعد ذلك، بالنسبة لاتفاق أوسلو، أنه نتيجة لعدم وجود ضمانات للتنفيذ استأثر الجانب الإسرائيلي كلية بالموضوع، إضافة إلى أنه هو الموجود على الأرض، كقوة احتلال يملك ويستطيع أن يفعل ما يشاء. ولنتذكر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت إسحاق رابين، كان تصوره للمستقبل الفلسطيني هو إنشاء كيان يزيد على الحكم الذاتي ويقل عن الدولة، ويكون مرتبطا بكل من إسرائيل والأردن. إذن التفسير الإسرائيلي للاتفاق، حتى من النواحي القانونية، كان سيئا جدا، فهو ينص مثلا على عدم القيام بأعمال أحادية، من شأنها التأثير على المفاوضات النهائية، ومع ذلك أعطت إسرائيل نفسها الحق، طالما أنها هي التي على الأرض، أن تقيم ما تشاء من المستوطنات وتسعى لتهويد القدس بكل السبل، ولم يستطع الفلسطينيون أن يفعلوا شيئا. فكانت النتيجة أنه طوال المرحلة الانتقالية، حدثت تغيرات كثيرة تؤثر على الوضع والتسوية النهائية. الاتفاقية الانتقالية إذن لم تكن سيئة تماما، وجرى تقسيم المناطق الفلسطينية إلى أ و ب و ج، وعمليات إعادة الانتشار كانت يفترض أن تتم وفق توقيتات محددة، وكانت الأمور تسير بشكل يعطي الانطباع أنه في نهاية المرحلة الإنتقالية، سيتم التفاوض على المساحة التي تشغلها المستوطنات الإسرائيلية، وهي مساحة كانت محدودة في ذلك الوقت، وتصور الفلسطينيون أنه سيكون معهم نحو 90% من أراضي الضفة وتبقى 10% هي التي سيجرى التفاوض بشأنها. لكنهم فوجئوا بأن رئيس الوزراء الجديد وقتها-نتانياهو له تفسير مختلف لنصوص اتفاق أوسلو، وهنا ظهرت خطورة عدم وجود رقيب أو ضمان لتنفيذ الاتفاق. في هذه الفترة، عقب موت رابين، انتعش اليمين الإسرائيلي وتعاظم نفوذه وبدأ المجتمع يتحول نحو اليمين المتطرف، وسعى نتانياهو إلى تجميد الاتفاق. ورغم ذلك، كانت هناك أوضاع جديدة تشكلت على الأرض لا يمكن تجاهلها، حتى بالنسبة لنتانياهو الذي اضطر مثلا إلى أن يتنازل للفلسطينيين عن معظم مدينة الخليل، وتوقيع اتفاق واي ريفر. نصل، بعد ذلك، إلى فترة تولي إيهود باراك مقاليد الأمور في إسرائيل، وهو الذي وصفت وعوده بأنها كانت غاية في السخاء وأن الفلسطينيين ضيعوا على أنفسهم فرصة ذهبية لا تعوض برفضها، وأقول إنها كانت بالقطع-وعود جريئة من وجهة النظر الإسرائيلية لدرجة أنه أثار شارون وكان في موقع المعارضة ورئيس الأركان موفاز وبقية قوى اليمين، وقالوا إن هذا الرجل أي باراك سيجلب كارثة على إسرائيل. وهنا يجب الإشارة إلى نقطة مهمة للغاية، وهي ما حدث في مفاوضات طابا في مصر بعد فشل كامب ديفيد الثانية حيث تضمنت ورقة كلينتون مبادئ مهمة ومتقدمة جدا في رأيي وقد أكون مخطئا باعتبار أن التسويات تقوم على أساس الحلول الوسط، وأنه لا أحد يأخذ ما يريده بالكامل وبنسبة 100%. واعترف الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي أنه حدث تقدم كبير في طابا، وأن عامل الوقت هو فقط الذي كان يحول دون تنفيذ ما تم التوصل إليه لكن الذي حدث، أن باراك خاف وتردد. وتراجع، وطُلب منه أن يوثق ما تم التوصل إليه حتى تستكمل المفاوضات بعد انتهاء الانتخابات، كما كان يردد هو نفسه، لكنه رفض بسب تخوفه من المعارضة الإسرائيلية، وتأثير ذلك على موقفه الآخذ في التدهور في الانتخابات. إذن كانت هناك فرصة حقيقية للتوصل إلى تسوية لا بأس بها، نتيجة مفاوضات طابا «وورقة كلينتون» التي أرست مبادئ مهمة كما قلت منها أن الأراضي التي سوف تستولي عليها إسرائيل، سيعطى للفلسطينيين أراض مقابلة لها من الأراضي الإسرائيلية. كما أنها بالنسبة لقضية القدس والمسجد الأقصى نصت على ألا يحدث حفر تحت منطقة الحرم القدسي إلا بموافقة الطرفين. وفي قضية اللاجئين، اعتبر أن الكتلة الرئيسية منهم سيتم استيعابهم في أراضي فلسطين التاريخية، بما فيها الجزء الذي سيحصل عليه الفلسطينيون من الأراضي الإسرائيلية، بينما يتم توطين الباقين في الدول المضيفة. خطوط حمراء ـ السفير محمد بسيوني، بحكم وجودك في مسرح الأحداث طيلة الفترة الماضية، كسفير لمصر في إسرائيل، هل كنت ترى أن هناك أملا في تسوية حقيقية أم أن القضية كانت محسومة إسرائيليا منذ البداية، وأن المرحلة الانتقالية مجرد فرصة لـ «هضم» الأرض وتوسيع المستوطنات وتهويد القدس؟ ــ السفير بسيوني: أولا الوضع يختلف إسرائيليا حسب رئيس الوزراء الموجود في السلطة، هل هو مثل «رابين» مثلا يريد الوصول إلى حل، ولكن من وجهة نظره كما ذكر السفير طاهر شاش بأنه «أكثر من حكم ذاتي وأقل من دولة»، أم رئيس وزراء من اليمين سواء نتانياهو أو شارون لا يؤمن بهذا الحل أصلا ولا يزال أسيرا لفكرة «حكم ذاتي للسكان دون الأرض». ورغم الصراع على السلطة بين اليمين واليسار في إسرائيل، ورغبة كل منهما في القفز إلى كرسي الحكم، إلا أنه لا يوجد رئيس وزراء لا من اليمين ولا من اليسار يتعدى الخطوط الحمراء، وهذا يفيدنا في معرفة ما هو الحل الذي يمكن أن نصل إليه. هذه الخطوط الحمراء هي: يهودية الدولة أي أن السكان والأرض والسماء أي المجال الجوي والمياه الإقليمية والصناعة والعمال، يجب أن يكون كل ذلك يهوديا وهنا المشكلة، فكيف يتحقق كل ذلك ويتماشى في الوقت نفسه مع ما يدعونه من أنهم دولة ديمقراطية، بينما هناك 18% من السكان غير يهود عرب 1948! الخط الأحمر الثاني، هو أنه لا يوجد أي رئيس وزراء من أي اتجاه يمكنه أن يقبل العودة إلى حدود 4 يونيو 1967 وهي النقطة التي كان السفير طاهر شاش يريد أن يتم النص عليها في إتفاق أوسلو. هم يوافقون على الحديث عن القرار242، وكل من يتشدق بالسلام منهم يشير إلى هذا القرار، لكن عندما يطلب منهم التوقيع على نص يتضمن عبارة إنهاء الاحتلال لا يقبلون أبدا، لماذا؟ لأن لهم تفسيرات خاصة لذلك القرار، منها كلمة أراض. وعبارة الانسحاب إلى خطوط آمنة ومعترف بها، وهم يقولون إن خطوط 4 يونيو 1967 ليست آمنة أو معترف بها! يجب أن ندرك إذن أننا نتحدث عن التسوية، بينما هناك مبادئ وخطوط متفق عليها بين اليمين واليسار في إسرائيل ولا يجرؤ أحد على الخروج عنها. وهذا أحد أسباب أنه عندما خرج العرب بمبادرتهم السلمية، في قمة بيروت الأخيرة 28 مارس 2002، قال شارون أنها «لا تستحق الحبر الذي كتبت به» لماذا؟ لأنها كانت تتضمن نقطتين يتفق اليمين واليسار في إسرائيل على رفضهما: إنهاء الاحتلال، والسيادة الفلسطينية على القدس ما يعني المس بيهودية الدولة. نقطة ثالثة، تتصل بهذا الحديث، وهي القرار 194 الذي ينص على حق العودة للفلسطينيين، وهو القرار الذي لا يمكن لأي رئيس حكومة في إسرائيل أن يقبله، وهم يرفضون حتى مجرد «تثبيت» مبدأ حق العودة ثم الجلوس على طاولة المفاوضات لتحديد من الذي سيعود من فلسطينيي الشتات، ومن لن يعود. هم يعتبرون القرار 194 غير موجود من الأصل! الفارق الوحيد بين اليمين واليسار، هو هامش المرونة الذي يبديه اليسار في مساحة الأرض التي يمكن إعادتها للفلسطينيين. لكن العودة إلى حدود 4 يونيو 1967، أو قبول حق العودة، أو المس بيهودية الدولة فهذه محرمات لا خلاف عليها بين الفريقين. نأتي للحديث عن أوسلو، فلاشك أن فيها سلبيات كثيرة ولكن فيها إيجابيات أيضا وأذكر أنه في نقاش دار بيني وبين أبو مازن وهو مهندس إتفاق أوسلو حول سلبيات الإتفاق، وسألته: لماذا وافقت عليه في هذه الصورة؟ فأكد لي أن الإتفاق يعبر عن مرحلة إنتقالية، لذا تطلب مرونة في التفاوض لتحسين الموقف الفلسطيني، لكن كل هذه المرونة ستختفي تماما كما قال-عند الحديث عن قضايا الحل النهائي. هذه هي وجهة النظر الفلسطينية. وأنا في تقديري أنه كان هناك خطأ كبير في قبول الإتفاق، بدون وجود ضمانات للتنفيذ كما قال السفير طاهر شاش خاصة في تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى أ و ب و ج. وما زاد الأمر سوءا هو الموقف الأميركي مزدوج المعايير لدرجة أن وزير خارجيتها وارين كريستوفر في ذلك الوقت قال إن إسرائيل لها الحق في تحديد مساحة المناطق التي يعاد منها الانتشار!، وهو ما استند إليه نتانياهو عندما قال إنه يملك خطابا أميركيا بهذا المعنى، وحدد 1% فقط لينسحب منها!. وكان هذا تهريجا، لأن المرحلة الثالثة من إعادة الانتشار كانت تنص على الإنسحاب من 58% وعند التفاوض على هذه المرحلة، تم استبعاد نحو 10% منها وهي التي تخص موضوعات الحل النهائي، وطلب عرفات انسحاب إسرائيل من 30% من أراضي تلك المرحلة ولكن نتانياهو لم يوافق سوى على 13% فقط، في إتفاق واي ريفر. ـ «البيان»: هذه إذن كانت إحدى النقاط السيئة في الاتفاق؟ ــ السفير بسيوني: بالطبع لكن كان الجانب الفلسطيني ينظر إلى الإتفاق على أنه مرحلة إنتقالية كما قلت يمكن أن تحسن الأوضاع على الأرض، وأثبت تنفيذ الإتفاق أن الرهان على النوايا الطيبة للإسرائيليين كان خاسرا حيث لجأ المفاوضون والمسئولون الإسرائيليون إلى ما أسميه سياسة مرحلة أي تقسيم المراحل، فهم حددوا أولا مرحلة إنتقالية وأخرى لقضايا الحل النهائي، ثم قسموا الأولى إلى ثلاث مراحل أ و ب و ج لإعادة الإنتشار، نفذوا منها المرحلة الأولى المنطقة أ لأن الإنسحاب منها في صالحهم فهي المنطقة المكتظة بالسكان. ولعلنا نلاحظ هنا أن المنطقتين أوب يضمان نحو 90% من الفلسطينيين، بينما المنطقة ج رغم أنها تشكل 58% من الأراضي التي يشملها إتفاق أوسلو إلا أنها لا تضم سوى من 5% إلى 10% فقط من الفلسطينيين، لذلك تخلص الإسرائيليون من المناطق المزدحمة التي تشكل عبئا عليهم، واحتفظوا بالمنطقة ج قليلة السكان حتى إذا قاموا بضمها لا تحدث إختلالا بالتوازن الديموغرافي، وهو ما يمثل مشكلة لا يريدون الدخول فيها إطلاقا. وطبقا لسياسة مرحلة المراحل نفسها، رفض الإسرائيليون تنفيذ إعادة الإنتشار من المنطقة ب دفعة واحدة، وقالوا إنهم سيقسمونها إلى ثلاث نبضات! بحجة صعوبة الإنسحاب منها في مرحلة واحدة. وأوضح أيضا أن أسلوب المراحل هو سياسة ثابتة في العقلية التفاوضية الإسرائيلية، وهم يلجأون إلى فرض أمر واقع جديد تدور حوله المفاوضات، ويجرى تجاهل ما قبله. فمثلا: قبل الإنتفاضة الحالية كان الحديث يدور حول الإنسحاب إلى حدود 1967، وبعد إندلاع الإنتفاضة في سبتمبر 2000 احتلت إسرائيل بعض الأراضي التي كانت تخضع للسلطة الفلسطينية وصرنا نتحدث عن الإنسحاب إلى ما قبل 28 سبتمبر 2000 ، ثم بعد عملية الجدار الواقي الأخيرة باتت المفاوضات تبحث في إنسحاب الجيش الإسرائيلي من المدن والمناطق التي أعاد احتلالها في 29 مارس 2002! إذن، الدروس المستفادة هو أنه في أي إتفاق قادم مع إسرائيل، يجب أن نركز ونصر على أمرين: إنهاء الإحتلال والإنسحاب إلى حدود 4 يونيو 1967، وضرورة وجود ضمانات للتنفيذ. وبدون ذلك نحن نضيع وقتنا ونستدرج إلى سياسة مرحلة المراحل الإسرائيلية وهي سياسة مرفوضة تماما، لأنها تهدف إلى كسب الوقت وتمييع الموقف. لعدم التوصل إلى حلول أو التهرب من تنفيذ الإتفاقات. مساحة خالية ـ هل كان من الممكن في ظل القدرات العربية والوضع الاستراتيجي العام، أن نصل إلى نتيجة أفضل من أسلو؟! ــ د. محمود خلف: لو تحدثنا عن البنية الاستراتيجية العربية الحالية، فلا أمل لدينا سواء في أوسلو أو أي إتفاق آخر في تحقيق تسوية عادلة، تلبي مطالبنا وأهدافنا المشروعة. فلا يمكن البحث عن السلام، قبل الحديث حول أوراق التفاوض العربية، وهو الشق الثاني من هذه الحلقة النقاشية. وألفت إلى أن إسرائيل وهي تفاوضنا، تعرف جديا ما تملكه من أوراق ومصادر قوة، وحددت أهدافها ووضعت الخطوط الحمراء التي تحدث عنها السفير بسيوني - تحت القضايا التي لا يجوز لأي مسئول إسرائيلي التفريط فيها. والغريب أنهم تركونا نتحدث ونتفاوض لأكثر من عشر سنوات، منذ إنطلاق عملية السلام في مدريد، بينما هم يغيرون الواقع على الأرض بالتوسع في المستوطنات وتهويد القدس، ولم يتزحزحوا عن موقفهم إزاء القضايا الرئيسية. ولذلك، فإنه لا حل من الناحية الاستراتيجية قبل إعادة ترتيب أوراق التفاوض العربية، أو بمعنى آخر، «كروت الضغط»، وليس المقصود هنا هو إعلان الحرب، لكن ما أود الإشارة إليه أن هناك مساحة كبيرة بين إطلاق التسوية وبين إطلاق المدافع، ونحن نكون إما غارقين في عملية التسوية أو يطالب بعضنا بالتوجه إلى الحرب، والملعب خال تماما في المساحة الفاصلة بين الحالتين، وهي التي يجب أن نعيد النظر في طريقة التحرك خلالها. وفي تقديري أن هذا التحرك تحكمه ثلاثة أمور، الأول: أوراق التفاوض العربية ما هي، وماذا في يد إسرائيل. وهنا أشير إلى ضرورة أن نكف عن إستخدام تعبير خيار السلام الاستراتيجي بمناسبة وبدون مناسبة. الأمر الثاني: هل الراعي الرئيسي لعملية السلام، الولايات المتحدة الأميركية،شريك نزيه بالفعل؟. وهل يملك إرادة الضغط على إسرائيل عند اللزوم؟ ما نراه يجعل الإجابة بالنفي، فراعي السلام أصبح شريكا في العدوان وانكشفت قدرته في الضغط مؤخرا، عندما رفض شارون ما كرره الرئيس بوش مرات، من ضرورة إنسحاب إسرائيل فورا من أراضي الضفة الغربية. أما الأمر الثالث: فهو سؤال أصبح ملحا للغاية هل ترغب إسرائيل في السلام بالفعل، أم لا؟ وعندما نتحدث عن أوراق التفاوض، هناك قاعدة استراتيجية هامة، تقول الترابيزة أو الطاولة ترجمة أمينة للأرض وهذه قاعدة دائمة، وتنطبق في السياسة كما في الاقتصاد وإدارة الأعمال وغيرها. وعندما نتحدث عن إسرائيل، يجب أن نبحث في الكروت التي تملكها والتي تجعلها تتعنت إزاء عملية التسوية. والملاحظة الأولى هنا أن الشعب الإسرائيلي، خاصة اليمين، لديه ما يسمى هيستريا القوة التي تجعلهم يتحدثون عن أرض الآباء والأجداد وهنا يجب أن نرد عليهم بأن هناك حدودا، من وجهة النظر الاستراتيجية، لاستخدام القوة فالقوة «تفعل وتحقق»، فالطائرات والصواريخ يمكن أن تفعل وتحدث دمارا كبيرا، ولكن ماذا حققت إسرائيل بإستخدامها المفرط للآلة العسكرية لأمنها القومي؟ أيضا، فإن القوة النووية الإسرائيلية محل جدال، لأن استخدامها هو انتحار جماعي لإسرائيل، وهذا كلام علمي لأن مساحتها 21 ألف كيلو متر مربع لا تسمح لها بهذا الاستخدام كذلك، فإن نظرية التفوق العسكري التي تقوم عليها الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية، أصبحت مهددة تماما فهذا التفوق لم يعد مضمونا، بعد أن ضربه التنوع الهائل في تكنولوجيا السلاح حيث أصبح بالإمكان - باستخدام تقنيات بسيطة ومعروفة - تعطيل هذا التفوق. ثم هل من المعقول أن يظل الاسرائيليون يعيشون حياتهم تحت وهم التفوق العسكري؟ ومن يستطيع أن يضمن استمراره إلى مالا نهاية؟! النقطة الثانية، متعلقة بالدعم الأميركي وهو مرتبط بالطبع بمصالح، لكن السؤال الذي يجب أن يطرح، حتى على الأميركيين، هو: ما الذي يضمن استمرار هذه المصالح.؟ يجب أن يكون هناك حوار عربي مستمر مع الإدارة الأميركية، للتأكيد على أن مصالحهم في المنطقة معرضة لخطر كبير، في ظل إنحياز الولايات المتحدة السافر لإسرائيل. وهذا الحوار لا يجب ألا يقتصر على الحكومات والمؤسسات العربية الرسمية فقط، إنما هناك دور مهم لمنظمات المجتمع المدني في هذا الشأن، كذلك فإن الاعلام سلاح مهم للغاية يجب أن يوظفه العرب جيدا لخدمة قضيتهم العادلة على الساحة الأميركية والأوروبية. من المهم بناء استراتيجية عربية لمهاجمة أوراق القوة التي في يد إسرائيل، في نفس الوقت الذي نعمل فيه على تفعيل أوراق القوة العربية والبحث عن وسائل ضغط أخرى بديلة أو إضافية. وأعتقد أنه في هذه الحالة فقط، سوف تلوح آفاق التسوية في الأفق. نهاية محتومة ـ هل الوضع الآن فلسطينيا أفضل مما كان عليه الأمر قبل أوسلو، أم أن هناك مكاسب تحققت على الأرض؟ ــ د. خالد الأزعر: قبل الدخول في تفاصيل هذا السؤال المهم، أود أن أعلق على إتفاق أوسلو نفسه وأقول إنه لم يكن واعدا بالمرة، ومنذ اليوم الأول هناك من قرأ الإتفاق قراءة صحيحة، ووضع يده على عيوبه وأخطائه، بل وتنبأ بأنه سوف يفضى إلى هذه النهاية التي نرى ونسمع الآن. وأضيف أن حسنات الإتفاق كانت ضئيلة ومتوارية خلف عيوبه القانونية والسياسية، والتي كانت واضحة جدا لمن يعرف الخارطة السياسية في إسرائيل، وأنه لا فرق بين اليمين واليسار عند الحديث عن قضايا بعينها. وأتصور أن القرار الفلسطيني كان ينطلق من سياسة خذ وفاوض، ومعتقدا أنه قريب من فكرة الحكم الذاتي في العراق قبل الاستقلال، أو مبدأ بورقيبة في تونس. لكن إسرائيل كان لها في الوقت نفسه تصورها الخاص، وهو أن الحركة السياسية الفلسطينية منهكة ومقسمة، وأن جزءا منها يتوق إلى أن يظل ممسكا بالسلطة وبزمام منظمة التحرير، كما أن المنطقة العربية غير مؤهلة لمساندة الفلسطينيين بعد التمزق والإنهاك الذي سببته حرب الخليج الثانية، وإهتزاز شرعية المنظمة لدى النصف القوي من النظام العربي. والذي حدث أن هذين التصورين الفلسطيني والإسرائيلي دخلا في أوسلو، وإنتهى الأمر إلى أنه لا الجانب الفلسطيني إستطاع أن يأخذ ويطالب لأنه لم يفهم خصوصية الحالة الإسرائيلية كإستعمار إستيطاني يلتهم الأرض، ولا الإسرائيليون إستطاعوا تحويل الحركة الفلسطينية إلى عميلة بالكامل لأنه من السهل تجنيد بعض الأفراد وتغيير ولاءات جزء من النخب، لكن من المستحيل تغيير مسار شعب بأكمله وحركة وطنية عمرها أكثر من مئة عام. وهنا حصل الصدام في لحظة الحقيقة، وهي مرحلة الإنتقال إلى التسوية النهائية التي اكتشف فيها الفلسطينيون أنه لا يمكن الوصول إلى أكثر مما هو موجود في الإتفاق المرحلى، الذي لو تمت قراءته جيدا لعرفنا الصلة بين المؤقت والنهائي لأنه لا توجد ضمانات على الإطلاق تكفل تحقيق مبادئ الحل النهائي. فلا يوجد في أوسلو مثلا نص يمنع الاستيطان، وكان هناك مطلب فلسطيني صريح بتشكيل لجنة المراقبة النشاط الإستيطاني لكن إسرائيل رفضت، واعترف أحمد قريع أبو علاء بذلك. السفير شاش: لي تعليق بسيط هنا، هو أن حيدر عبد الشافي حاول في مفاوضات واشنطن المطالبة بوقف الإستيطان، وتمسك بذلك لكن الجانب الإسرائيلي رفض رفضا باتا، وكانت المفاوضات في مأزق إما أن تستمر، أو ترفع. وقرر الجانب الفلسطيني الإستمرار في المفاوضات، مع التمسك في كل جولة بوقف الإستيطان، وبالفعل كان عبد الشافي يقدم مذكرة في كل جولة تفاوضية بهذا الشأن. د. الأزعر: بعيدا عن البراءة والصلابة التفاوضية التي كان عليها وفد واشنطن الفلسطيني، تقدم وفد أوسلو أيضا بطلب وقف الإستيطان فرفضه الإسرائيليون، وهذه كانت رسالة صريحة معناها أنهم سوف يستمرون في النشاط الإستيطاني. وقس على ذلك بالنسبة لكافة قضايا المرحلة النهائية: القدس، عودة اللاجئين، المياه، الحدود. وبالتالي أقول إنه لم تكن هناك مفاجأة كبيرة في أن نصل إلى الوضع الحالي، وأزيد أن قتل رابين ليس هو الذي عطل التسوية، لأن رابين ويساره المزعوم ونتانياهو ويمينه، متفقون على الثوابت الأساسية التي تحدث عنها السفير بسيوني لكن عملية الاغتيال عجلت بإكتشاف الفلسطينيين هذه الحقيقة المرة. ورغم هذا الحكم الإبتدائي، إلا أنني يجب أن آخذ الحقائق التي حدثت خلال السنوات الماضية في الاعتبار، وأقول إنه ربما كان في أوسلو بعض الفضائل أهمها تخلص الحالة الفلسطينية من كثير من الضغوط المحيطة بها عربيا ودوليا، وأحداث الاجتياح الأخيرة أثبتت أن الرهان على الموقف العربي كان خاسرا فبعد كل هذه الدماء الفلسطينية التي سالت لم يتحرك الوضع العربي إلى ما هو أبعد من حدود معينة. إذن كان هناك يأس فلسطيني من هذه الحالة، وكان الإنتقال إلى الداخل - أي الأراضي المحتلة - ربما أفضل بكثير، بغض النظر عما يحدث وإلا فإن الحالة الفلسطينية كانت مؤهلة للإبادة والزوال. لذلك، فإن رأيي في أوسلو ربما تغير من هذه الزاوية فقط، لأن الاجتياح الأخير كان كاشفا لها. مجرم حرب ـ في ظل الأحداث الأخيرة، هل هناك أساسا أفق للتسوية؟ ــ د. الأزعر: بالطبع لا لأنه في ظل هذا الوضع، فإن التسوية لا تعني سوى توقيع صك الإستسلام. ولابد من أن يعيد الجانب الفلسطيني أولا، ومن خلفه الجانب العربي، النظر في ترتيب أوراقه وتبديل الأولويات. د. يوسف: أعتقد أن بنية الموقف الراهن لا تحمل أي أمل في تسوية تفي بالحد الأدنى المطلوب فلسطينيا وعربيا، فنحن لدينا بعض المعطيات التي لا خلاف عليها فإسرائيل تحتل الأرض، وهذه واحدة، والثانية أن ثمة خللا مازال موجودا في ميزان القوى بين الإسرائيليين والفلسطينيين بصفة خاصة وبينهم وبين العرب بصفة عامة، وقولى هذا لا يصادر على إمكانية أن يتطور الموقف إلى الأفضل من وجهة النظر العربية، وسنأتي إلى هذه الجزئية عندما نتحدث عن أوراق التفاوض.والأخطر من العاملين السابقين، أن إسرائيل على رأسها الآن رجل يمثل أقصى ما هو موجود من ضيق أفق إستعماري وبعبارة أخرى هو رجل من ذلك الصنف من الاستعماريين ذوي العقلية التقليدية، الذين يتصورون أن إرادة الشعوب يجب أن تكسر وهذا لم يحدث، حتى ولو على سبيل الاستثناء الواحد، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ولكن ـ للأسف ـ في مواجهة مثل هؤلاء الناس تضطر الشعوب دائما إلى دفع تكلفة باهظة، إلى أن تثبت عقم هذه المنهج. ونحن نعيش الآن هذه المرحلة، فإسرائيل يحكمها رجل ليس على شاكلة رابين مستعد لأن يعطي بعض الأشياء حتى تسير الأمور، بل هو مجرم حرب يتصور أنه يمكن كسر إرادة شعب بالقوة المفرطة. النقطة الأخطر تتعلق بالسياسة الأميركية، ونحن ألفنا طويلا إنحيازها ولكن في أعقاب 11 سبتمبر الماضي، أتصور أن المسألة تحولت من الإنحياز ما يشبه المشاركة، وأنا لا أجد فارقا منطقيا بين ما يقوم به شارون تجاه الإرهاب الفلسطيني - كما يسمونه- وبين ما قامت به الولايات المتحدة ضد ما أسمته الإرهاب الأفغاني ، فهناك ما يشبه التماهي بين الحالتين. نقطة ثالثة، تتعلق بأن الموقف العربي، مع كل التحركات اللفظية والدبلوماسية، لم يصل- في أي لحظة من الأسابيع والشهور القليلة الماضية إلى أن يحمي الفلسطينيين من هذه الهجمة الاستعمارية الشرسة. إذن، موضوعيا لا يمكن الحديث عن أي أفق للتسوية، فهذه البنية الموضوعية تترجم على الورق علنا أمام المواطنين العاديين الذين لا يصلون إلى دوائر صنع القرار فيما يقدم لنا من عروض. فشارون يتحدث مثلا عن مؤتمر إقليمي ليست له مرجعية إلا أفكاره، ويحدد هو من سيحضره ومستوى التمثيل فيه، ويستبعد من ليس على هواه هو يتحدث إذن عن أفكاره، وعن آلية تناسبه. الولايات المتحدة الأميركية تتحدث هي الأخرى-عن «أشياء غامضة» تسميها الدولة الفلسطينية، وعندما تقول اللجنة المركزية لحزب الليكود الإسرائيلي لا للدولة الفلسطينية يرد وزير الخارجية الأميركية، باول بأنه متأكد من أن شارون في نقطة زمنية مناسبة سوف يوافق على دولة !.نحن إذن نعيش في هلاميات من الأفكار الإسرائيلية والأميركية، ولا وجود موضوعيا لأفق التسوية ولا هو مترجم في شكل عروض حقيقية موضوعة أمامنا، بحيث يمكن مناقشتها. أضيف، أن ما أقوله لا يعني أن المسئولين العرب يجب أن يتوقفوا عن عمليات التعامل، ولا أقول التفاوض، مع إسرائيل والولايات المتحدة يجب عليهم ألا يتفاعلوا مع هذه الأفكار، بل على العكس فهم عليهم واجب رسمي أن يجتمعوا ويلتقوا ويردوا، خشية إتهامهم بأنهم يزيدون من تفاقم الموقف. لكن ما نطالب به أن أي مسئول فلسطيني أو عربي، يدخل في إتصالات من هذا النوع، لابد أن تكون لديه رؤية إستراتيجية ووعي بأنه يدخل في عملية فاشلة سلفا. بعبارة أخرى: هناك فرق بين أن أدخل في إتصال مع الولايات المتحدة وأنا متصور أن الأفكار. التي ستطرح في الصيف أو الخريف، سوف تفضي إلى شئ وقتها سأبني حساباتي على هذا الأساس. ولنتكلم بصراحة: لو أنني مسئول فلسطيني، ومقتنع أن ما يجري في الساحة سوف يؤدي إلى تسوية، فربما عندما يقال لي: أقض على هذا الفصيل، أو اصطدم معه فسأصطدم، لأن الثمن هو تسوية. وربما يقال لي: أصلح أمورك بهذه الطريقة أو تلك، فأصلحها لأن لدى أملا في تسوية. لكن لو أنني أدخل في إتصالات، وأنا موقن تماما أن كل هذه خزعبلات سياسية، فدخولي هنا من شأنه أن يقلل الضغوط عليّ وبالتالي لا أقع في خطأ استراتيجي، بأن أصل إلى حالة حرب أهلية فلسطينية، أو تمزيق وحدة الصف، أو إعادة بناء الداخل الفلسطيني بما يلائم الرؤية الإسرائيلية والأميركية، إلى آخره. إذن، وبإختصار شديد، الموقف موضوعيا لا يفضي إلى تسوية كما أن العروض الإسرائيلية، وموقفها من العرض العربي الوديع جدا المتمثل في مبادرة بيروت ليس مطمئنا، والأفكار الأميركية حول مؤتمر السلام ليست واضحة ولكن كل ما نقوله إنه على صانعي القرار الفلسطينيين والعرب أن يتفاعلوا ما شاءوا مع هذه الأفكار والأطروحات، شريطة أن يكون لديهم الوعي الكامل بأنهم يفعلون ذلك لكي يقللوا الضغوط عليهم، وليس لأن هناك أفقا للتسوية. حديث الإصلاح ـ هل كان شارون بعملياته الأخيرة يهدف إلى تهذيب السلطة الفلسطينية، وإخراج أية عناصر من السلطة أو الفصائل تناوئ ما يتم طبخه من حلول، وهل الحديث عن الإصلاح الداخلي هدفه تهيئة الساحة الفلسطينية لتلك الحلول؟! ــ السفير محمد بسيوني: شارون أتى لكرسي الحكم وهو يؤمن بإستخدام القوة لتحقيق أهدافه السياسية، وكان يتصور أن العمليات العسكرية التي قام بها سوف تؤدي في النهاية إلى كسر الإرادة الفلسطينية، ميدانيا وسياسيا. لكن الذي حدث بعد عملية الجدار الواقي، إنه إستطاع تدمير البنية الأساسية للتنظيمات الفلسطينية وللسلطة معا، لكن لم يحقق هدفه في تحطيم الإرادة الفلسطينية بدليل أن العمليات الاستشهادية والفدائية مازالت مستمرة. في الوقت نفسه، الولايات المتحدة مازالت تمارس سياستها المنحازة وهي تقوم بتفصيل قراراتها على مقاس شارون، ووفق رؤيته ورغباته وأهدافه، وهو نفس الدور الذي كانت تلعبه خلال فترة حكم نتانياهو، خصوصا بعد أن أقنع شارون الرئيس بوش وإدارته أنه في قارب واحد معهم في مكافحة الإرهاب، وأنه يقوم بالدور نفسه حسب زعمه للقضاء على الإرهاب الفلسطيني. في ظل هذه الظروف، هل يمكن التوصل إلى تسوية مرضية؟ أظن أن هذا مستحيل في وجود شارون، وأقول ذلك بحكم خبرتي في التعامل معه خلال 21 عاما قضيتها في إسرائيل، فهو رجل لا يتغير، ويرفض حتى مجرد رؤية أو مصافحة ياسر عرفات وهذا لم يحدث حتى من نتانياهو، الذي اضطر في النهاية إلى لقاء عرفات، ووقع معه إتفاق واي ريفر. أما شارون، فإن كل ما يريده هو تغيير القيادة الفلسطينية المركزية الحالية، وإحلال قيادات بديلة محلية تسيطر على مناطق أو جزر منعزلة كانتونات بما يمكنه من السيطرة عليها. كذلك هو يعيد الآن الإدارة المدنية، ولا يسمح للفلسطينيين بالإنتقال من منطقة أو مدينة إلى أخرى إلا بتصريح مسبق من تلك الإدارة، وهو يزعم أن في ذلك تسهيل على الناس!. ثم يسعى إلى تنفيذ مرحلة إنتقالية طويلة الأمد، مع تأجيل موضوعات الحل النهائي. وهذا بالضبط ما ردده لي أكثر من مرة، ولا يمل من تكراره، ويدعى أنه وحده القادر على التوصل إلى حل مع الفلسطينيين طبعا على طريقته بدعوى أنه هو الذي أخلى المستوطنات. إذن، في ظل المعطيات الراهنة ومع وجود رجل مثل شارون، فإن أبو عمار لا يستطيع أن يوقع على إتفاق لا يتضمن القضايا الرئيسية: القدس والمستوطنات والحدود والمياه، ولا يمكنه تأجيلها مرة أخرى. د. خالد الأزعر: أثنى على ما قاله د. أحمد يوسف، بشأن مسح الواقع الراهن فلسطينيا وعربيا ودوليا، والمؤدي إلى أنه لايمكن الوصول في هذه المرحلة إلا إلى تسوية إملائية من الجانب الإسرائيلي، وبالتالي علينا أن نتعامل وكأن هذا الوضع غير دائم بحيث لا نبدو وكأننا خارج العملية السياسية كلية، لكن في الوقت نفسه يجب ألا ننصاع للشروط والمعطيات السيئة الراهنة. أما بالنسبة لما يجري على الساحة الفلسطينية، فمن المؤكد أن له علاقة بما يتم الترتيب له سياسيا وهناك الآن أجندة إسرائيلية وأميركية، وأخرى فلسطينية وثالثة عربية، لما يسمى عملية الإصلاح والتغيير على الساحة الفلسطينية. وكانت أصوات كثيرة كشفت من قبل خاصة من بعض القيادات والكوادر الفلسطينية أن هذه الساحة تعاني من مشكلات كبيرة، لكن القضية الآن أن الحديث الأخير عن الإصلاح يأتي بعد عملية الاجتياح وبالتالي هناك أكثر من منظور لهذه القضية، ربما كان أولها أنه حديث يراد به إلهاء الناس عن شئ خطير يجرى أو شئ كبير جرى بالفعل. هناك مطلب فلسطيني حقيقي للإصلاح، لكن معادلة الإصلاح+ أوسلو لايمكن أن تؤدي إلى تنفيذ «الأجندة الوطنية» الفلسطينية، لأن أوسلو مثلا ترفض المقاومة بينما من يريدون الإصلاح بأجندة وطنية يقولون إنه يستهدف تعزيز المقاومة الفلسطينية، خاصة في الجانب المسلح منها. وبالتالي، فمن الصعب تماما الجمع بين دعوة أميركية للإصلاح وأخرى إسرائيلية، في ظل وجود إتفاق أوسلو الذي يعاد تفعيل بعض جوانبه حاليا، ولايمكن أن يؤدي مثل هذا الإصلاح إلى موقف أقوى للجانب الفلسطيني في أي مفاوضات مقبلة. أما إذا أريد بالإصلاح تحسين وضعية الجانب الفلسطيني بالفعل، فلابد من تدخل عوامل أخرى أهمها العامل العربي، فهنا يمكن المطالبة بإعادة تشغيل منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا لايمكن أن يتم إلا إذا تدخل العامل العربي فكيف يمكن أن تجرى إنتخابات ـ مثلا ـ للشعب الفلسطيني في الشتات، وهم خمسة ملايين. وكيف يمكن إعادة هيكلة وتأهيل منظمة التحرير بدون تدخل العامل العربي. ما أريد أن أحذر منه، أنه لأول مرة منذ نحو 100 عام، أي منذ بداية ظهور القضية الفلسطينية عندما ظهر ما يسمى بالكيانات السياسية الفلسطينية المنفصلة أو الإقليمية في العشرينيات من القرن الماضي، يتدخل العامل الدولي لكي يصبح هو المحدد لتأطير وهيكلة السياسة الفلسطينية. وحدث-في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي أن كانت القوى الدولية رافضة للجنة العربية العليا، بقيادة الحاج أمين الحسيني، ومع ذلك لم تستطع تلك القوى فرض إرادتها رغم أنها مارست على الحسيني ضغوطا هائلة، ووصفته بأنه «مجرم دولي» لكنها لم تستطع خلعه، لأن العامل العربي والفلسطيني كان أقوى. وفي الستينيات، لم يتحرك الشقيري من مكانه إلا عندما فقد العامل الفلسطيني والعربي عقب نكسة 1967 واهتزت شرعيته في الدول العربية بل أنه حتى ياسر عرفات استمر بشرعية فلسطينية وعربية، رغم أنه كان موصوما بالإرهاب قبل ذلك وبشكل خاص حتى عام 1988، وهو متهم بذلك الآن أيضا ولكن مع وجود متغير جديد، هو تدخل العامل الدولي بقوة وأقصد به تحديدا الولايات المتحدة وإسرائيل. وأؤكد أنه إذا ترك ترتيب وهيكلة السياسة الفلسطينية لهذا العامل الدولي، وعزف العامل العربي عن التدخل، على اعتبار أن العامل الفلسطيني موجود في كل المراحل وثابت، فأعتقد أن هذا «مؤشر خطر» فلسطينيا وعربيا، فما يحدث على الساحة الفلسطينية من المؤكد أن له تطورات وتداعيات على الجانب العربي. مراجعة أم تفاعل ـ بغض النظر عما يطرحه شارون عن مؤتمر إقليمي للسلام، والذي طورته الولايات المتحدة إلى مؤتمر دولي، هناك الآن التفاهمات السعودية الأميركية، التي وافقت عليها السلطة الفلسطينية ودول عربية فاعلة، ثم التفاهم الفلسطيني عن طريق محمد رشيد مع الإدارة الأميركية على برنامج لاعادة هيكلة السلطة، لكي تكون مؤهلة للمشاركة في المؤتمر المقترح. والملاحظ أن هذين التفاهمين يقومان على قاعدة إنهاء المقاومة، فهل يعني إصلاح السلطة الفلسطينية على الطريقة الأميركية وحصار المقاومة وتصفيتها، إعداد المسرح للتسوية المقبلة؟! ــ د. أحمد يوسف: أريد ربط الإجابة على هذا السؤال بما وصلنا إليه الآن خلال نقاشنا، فإذا كان هناك إتفاق على أن التسوية المعقولة في ظل الوضع الراهن مستحيلة، فمعنى هذا أننا لسنا بحاجة إلى المشاركة فيما يجرى الآن اللهم إلا إذا كان من باب تفادي الضغوط . لكن نحن في حاجة كفلسطينيين وعرب ـ إلى مراجعة لأوضاعنا، تفضي بنا إلى طريق بديل للتسوية قد تكون أفضل ونرى ما هي شروطها، وماذا يتعين علينا أن نفعله لنصل إليها. وقد يكون هذا الطريق البديل أن يتخذ العرب قرارا بمقاطعة كل جهود التسوية، طالما أنها لا تعترف بالحد الأدنى من الحقوق العربية. وأنا شخصيا أميل إلى الاعتقاد بأن كل ما هو مطروح على الساحة حاليا، سواء مؤتمر إقليمي أو مؤتمر دولي، حسب إطروحات شارون أو أفكار الإدارة الأميركية الحالية، بما فيها من تناقضات داخلية بين أقطاب هذه الإدارة، لا يمكن أن يفضى إلى شئ يرضى الطموح العربي إلى تسوية عادلة. نحن إذن، في حاجة إلى مراجعة وليس أن نفكر أو نبحث عن ضمانات لكي نحقق هذا أو ذاك من مشاريع التسوية المطروحة. السفير شاش: ما يشغلني حقيقة، أننا لابد وأن نضع في اعتبارنا ونحن ننظر ونتعامل مع المبادرات المطروحة الواقع الحالي على الأرض، فالإحتلال الإسرائيلي موجود وبدون أي نوع من التسوية، حتى لو كانت إنتقالية أو مؤقتة، فإن الضرر حادث بالفعل وشارون يضغط عسكريا ومعنويا على الفلسطينيين، وإذا تجنبنا الدخول في أي مفاوضات أو إجتماعات لمحاولة وقف ما يجري في الأراضي المحتلة فإن الجانب الفلسطيني والعربي هو الخاسر، لأن شارون يسعى يوميا لتغيير الواقع على الأرض فالمستوطنات تنتشر، وعملية تقسيم الضفة سوف تتم، وخطة العزل أو الفصل العنصري بدأ تنفيذها. ولذلك، فقد يقتضى الأمر التفاوض، ثم الإتفاق، على عملية سلمية مرحلية فالإدارة الأميركية مثلا تطرح الدخول في سلسلة إجتماعات، تهدف إلى إعادة هيكلة السلطة الفلسطينية أولا، ثم إعادة تنظيم قوات