تهزك احياناً احداث تعرف تماماً انها لن تؤثر على مجرى التطورات، وانها عابرة وبرسم النسيان، غير انها تترك في نفسك كثيرا من المرارة وشيئاً من التساؤلات. ففي الاسبوع الماضي اقدم احد موظفي صندوق التعويضات لمعلمي القطاع الخاص على قتل ثمانية من زملائه العاملين معه في وضح النهار وفي منطقة الاونيسكو في بيروت وعن سابق تصور وتصميم. وتشأ الاقدار او ارادة القاتل، وهو من الطائفة الشيعية، ان يكون سبعة من ضحاياه من اصل ثمانية من المسيحيين. بالطبع الجانب الطائفي في لبنان له حساسية مفرطة، وسرعان ما راحت التفسيرات تنحو منحى طائفياً. لكن جوانب اخرى استوقفتني وهزتني والقت اضواء مقلقة على الواقع غير الطبيعي الذي يعاني منه اللبنانيون في حياتهم اليومية. فأول ما لفتني تصدع العلاقات الاجتماعية وانهيار القيم الاخلاقية. فقد كانت الزمالة جزءا من التعايش الاجتماعي بين اللبنانيين. وقد شاهدت طوال حرب لبنان الزملاء في الوظيفة من كل الطوائف يحمون بعضهم بعضاً، ولدي الروايات العديدة المشرفة في هذا المجال. اما وان يرتكب موظف مجزرة تجاه زملائه، فهذا امر لم يحدث خلال الحرب، واخطر ما فيه انه حدث خلال السلم!. وثاني ما لفتني خطورة الضائقة الاقتصادية والضغوط الحياتية التي تدفع باللبناني الى ارتكاب الجرائم وتخطي كل العادات والتقاليد والمفاهيم. فالظاهرة الجرمية بدأت تغزو المجتمع اللبناني في كل قطاعاته ومناطقه وطوائفه. فعلى سبيل المثال قتل خلال هذا العام شباب اما وعائلتها في منطقة صربا، وهي منطقة مسيحية، وقتل رجل عائلته في منطقة الشوف، وهي منطقة درزية. وتتراكم هذه الانهيارات وسط غياب الدولة عن اداء دورها في معالجة هذه الظواهر الجرمية، وترتفع وتيرة الجريمة الى درجة بات معها النظام الاجتماعي برمته مهددا في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية لم يعرفها لبنان من قبل. ويبدو لي ان الدولة لا تعير اخطار هذه الظواهر الاهتمام الذي تستحقه وكأنها لا تعي خطورة ما يحدث، ولا تدرك عمق التحولات التي أصابت البنية اللبنانية والمفاهيم الاخلاقية، والسلوك الاجتماعي. وتجدر الاشارة في هذا السياق الى ضرورة ضبط ظاهرة فوضى السلاح وامكانية حيازته من قبل الافراد بسهولة ما بعدها سهولة. فمرتكب جريمة الاونيسكو الاخيرة وصل الى مكان الجريمة، وهو يحمل رشاشين ومسدساً، مما يدل على مدى انتشار السلاح بين ايدي اللبنانيين. لابد في هذا الاطار من ضبط ظاهرة فوضى حيازة السلاح لدى الافراد، وتوفير الحماية اللازمة للمراكز الرسمية، وتشديد نظام العقوبات. ولكن التدابير الامنية على اهميتها لا تكفي لمعالجة ظاهرة الجريمة الجماعية، فالمطلوب خطة اجتماعية تخفف من الضغوط الحياتية التي يرزح تحت عبئها معظم اللبنانيين. وفي غياب مثل هذه الخطة الاجتماعية فان نسبة التوترات الامنية والاجتماعية والطائفية مرشحة الى ازدياد، مما يهدد السلم الاهلي في لبنان. لقد صدمت جريمة الاونيسكو كل اللبنانيين، على غرار الجرائم التي سبقتها، وحدها الحكومة اللبنانية لم تتأثر ولم تبد تحركاً جدياً، واكتفت بالاستنكار والشجب والتنديد. كلها كلمات بكلمات، اما الافعال فغائبة، وكأن الحكومة منشغلة بأمور كثيرة في حين ان المطلوب واحد، وهو خطة اجتماعية تحمي المواطنين من الانهيار الفردي، والوطن من الانهيار الجماعي.