ظهرت مبادرة جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بدعوة القوى والشخصيات الوطنية السورية المعارضة والمستقلة إلى لقاء تحضيري في لندن يعقد بين 23 ـ 24 أغسطس المقبل، وتنطلق منه جبهة سياسية عريضة على أساس ميثاق الشرف الوطني تدعى مبدئياً بـ «جبهة الميثاق الوطني»، الذي أعلنته الجماعة في مايو2001، وكأنها نوع من استعراضٍ سياسي يثبت حضورها، ويتحدى تغييبه المكرّس بالقانون 49 الذي يجرّم كل من تثبت عضويته في الجماعة ويحكم عليه بالإعدام، أكثر مما يراهن فعلياً أو حرفياً على عقد هذا اللقاء. لقد استغرق إعداد هذا الميثاق والتوافق عليه داخل الجماعة حوالي عامٍ على الأقل، نفت فيه قيادتها كما تفعل معظم القيادات أن تكون هناك أي مشكلاتٍ أو صراعاتٍ في داخلها حول خطها. ولقد كانت عيون الجماعة مسلّطة على مايحدث في سوريا إبان عملية انتقال السلطة، وانتشار ظاهرة المنتديات الفكرية- السياسية «المعارضة»، بقدر ماكانت فيه العيون الأمنية مسلّطة على متابعة مدى «تغلغل» الجماعة فيها، و محاولة استغلالها كمظلة لمعاودة حضورها. غير أن هامشية حضور الجماعة في هذه المنتديات لم تكن محكومةً بواقع تجريمها، وترصّد تلك العيون لها وحسب، بقدر ماكانت تعود بشكلٍ أساسي إلى الطبيعة الإيديولوجية السياسية العلمانية المهيمنة على هذه المنتديات التي شكّلت عنصراً طارداً للإسلاميين عموماً أكثر مما شكّلت عنصر جذبٍ لهم. ولم يغيّر من هذه الطبيعة حضور بعض المثقفين الإسلاميين المستقلين الشباب بالاسم والفعل ومشاركتهم النشطة في الحوارات المثارة. إذ علينا أن نميز بين التسامح الذي يمليه الموقف من موقع المعارضة وبين القبول السياسي النهائي، وهذا التمييز يسلط الضوء على أحد تمزقات نسيج الاجتماع السياسي السوري العصبوي المرّة بين الديمقراطيين والإسلاميين على مدى نصف قرنٍ على الأقل. لعلّ هذه الطبيعة العلمانية المهيمنة هي ما قد يفسر مسارعة الجماعة إلى إعلان النقاط الأساسية لما سمته بالمشروع الحضاري بشكلٍ متزامنٍ فيه تقريباً مع نشرها ميثاق الشرف الوطني، ومن هنا كانت صيغة الميثاق ـ الذي عرف إعلامياً وسياسياً أكثر من المشروع ـ موجهةً إلى الديمقراطيين اليساريين الذين هيمنوا على المنتديات أكثر مما هي موجهة إلى الإسلاميين، إذ ليست صيغته في كل الأحوال هي الصيغة التي تخاطب فيها الجماعة تقليدياً الفضاء الإسلامي. لقد كانت هذه الصيغة مقبولةً في العموم من الفضاء القومي-اليساري المعارض، كونها تستخدم مجاله التداولي نفسه. وفي هذا الفضاء وجدت عموماً وجهة نظر استيعابية، تنظر إلى شرعية البعد الإسلامي كأحد أبعاد الاجتماع الحضاري السياسي السوري على غرار البعد الديمقراطي المسيحي في إيطاليا مثلاً، كما وجدت وجهة نظر إقصائية واستئصالية بكل تأكيد، حاول بعض النشطاء تسويقها إيديولوجياً برسم المعارضة في حين كانت حرفياً برسم السلطة. لقد كان ميثاق الشرف موجهاً إلى من هم في فضاء الرؤية الأولى وليس الثانية. وحاولت الرؤية الأولى الاستيعابية الدمجية تلك أن تنظر إلى ماوراء البراغماتيات و أن ترى في ميثاق الشرف تعبيراً إخوانياً سورياً وإن كان متأخراً، عن تبلور القطيعة مابين التيار الإخواني الوسطي المعتدل وبين التيار الراديكالي الجهادي العقائدي المتشدد أو المتصلّب على المستوى الحركي العام للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين في العالم. لقد وجد في الإخوان كما في سائر الجماعات العقائدية التي تشبهها بنيوياً على الدوام مدرستان، هما المدرسة الراديكالية الانقلابية «مدرسة المفاصلة بحسب التعابير الإسلامية الحركية» والمدرسة السياسية الاندماجية. وكان تاريخ الجماعة في أحد أبرز وجوهه، كما هو تاريخ مجمل الجماعات السياسية الأخرى «كانت في الحقيقة جماعات أو شبه أخويات أكثر مما هي أحزاب بالمعنى العصري»، هو تاريخ الصراع مابين هاتين المدرستين. ولقد عكس ميثاق الشرف في إطار عملية التحول تلك «بمعنى أنه ليس تحولاً مكتملاً بل توجهاً نحوه» على مستوى الجماعة السورية تغلب المدرسة السياسية التي بات يرمز لها المراقب العام الحالي علي صدر الدين البيانوني وقيادته الحالية، على المدرسة الراديكالية الانقلابية. في مثل هذه الجماعات تبرز إشكالية الفجوة مابين المستوى البرنامجي السياسي والممثل هنا إلى حدٍ ما بالنسبة للجماعة بميثاق الشرف وبين البنية التنظيمية المركزية الاستبدادية وبين البنية الإيديولوجية المتصلبة والمانعة. هذه الفجوات هي الأصل الموضوعي في التساؤل عن مدى مصداقية ميثاق الجماعة، لكنها نفسها تسمح بمساءلة الجماعات الأخرى السياسية الإيديولوجية «العقائدية »عن مدى مصداقيتها في طرح برنامجها الديمقراطي مع تميزها بكل «أمراض» تلك الفجوات. يمكن القول في ضوء هذه الاعتبارات التي تمس في الواقع الجميع ولاتقتصر على الجماعة، أن القيادة الإخوانية تمثل نوعاً من قيادةٍ «ليبراليةٍ» في وسطٍ إخوانيٍ ينفي توجهاتها موضوعياً، ولاسيما أن سياسة المفاوضات التي انخرطت فيها هذه القيادة خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة بين مدٍ وجزر لم تستطع أن تنجز شيئاً للجماعة، سوى الحصيلة الهزيلة بعودة الإخوان إلى سوريا أفراداً وليس جماعةً بينما التيار الراديكالي المقابل لايقدم سوى معاودة التجربة اليائسة والمرة. وهذه هي محنة اتجاه البيانوني الذي تمكن من قيادة الجماعة من المفاصلة والتطرف إلى ينابيعها الأصلية في الوسطية والاعتدال. ومن هنا تخاطب تلك القيادة الوسط القومي- اليساري المعارض بالميثاق بوصفه أصلاً لها، في حين أنها في النشرة الداخلية التي عممها مجلس الشورى في دورته الأخيرة «16يوليو 2002» التي أعيد فيها انتخاب الأستاذ البيانوني مراقباً عاماً، مع التصديق على القيادة التنفيذية التي اختارها لتعمل معه، لاترى من الناحية الفعلية في ما يمكن أن يندرج في ذلك سوى تعبير عن «السياسة الحكيمة للقيادة، في المواءمة بين المحافظة على ثوابت الإسلام والجماعة، وبين المرونة واستثمار كل فرصة وحدث، لتثبيت موقعها على الخارطة، وتحقيق مكاسب سياسية وإعلامية». بكلامٍ آخر تعتمد الجماعة الميثاق «أساساً للعمل السياسي في سوريا» وهو ميثاق ديمقراطي علماني خالص، في حين ترى في الرسالة الداخلية ذلك فرصة لـ «تثبيت موقعها على الخارطة» عبر «استثمار كل فرصةٍ وحدثٍ». إن الرسالة المزدوجة هنا تكمن في التوتر مابين الوجه الليبرالي المصداقي لقيادة الجماعة «الخبيرة» ومابين قاعدتها التي تتشكل بصورةٍ أساسيةٍ من شبان انخرطوا فيما يسمى بالثورة الإسلامية الكارثية على الجميع، من دون أن يتلقوا لأسباب متعددة تربية إخوانية «وسطية» جذورية.. وهو تكتيك ونقوله من موقع النصح للجماعة التي يعتبرنا البعض في عداد أوائل من حاول في الوسط العلماني اليساري أن يعيد قراءة تاريخها بشكلٍ مغايرٍ جذرياً للسردية الرسمية التجريمية والتخوينية ـ ليس نافعاً وليس مجدياً ولايعزز المساهمة من الإخوان وغيرهم ببناء عملٍ وطنيٍ يتخطى الزعامات الفصائلية الحزبية. لقد انتقلت الجماعة من خط الحوار الذي تبين مأزقه مع السلطة إلى خط الحوار مع المعارضة اليسارية في الداخل التي تبدو متفهمة لظروف القيادة الإخوانية غير أنها لاتستطيع أن تتفهم التصدر والزعامة الحساسة للغاية في العلاقة مابين الأحزاب. وعلى المرء أن يكون هنا أكثر تواضعاً لكن ميثاق الشرف هو أكثر بكثير من «مكسب إعلامي وسياسي». وربما تكون مهمة القيادة الليبرالية الراهنة للجماعة هي تأصيله على درب إعادة بناء الجماعة على أساس خط مؤسسها ومراقبها العام الأول مصطفى السباعي وليس على أساس التزعم ومحاولة قذف البالونات، وهذه هي محنة البيانوني في تقديرنا، وكان يكمن أن يحلّ بعضها في أن تكون الجماعة طرفاً وليس زعيماً، ذلك أن الاجتماع السياسي السوري ـ بغض النظر عن موازين القوى والسلطات القائمة فيه الآن ـ يحتاج إلى الجماعة التي تعيد الاتصال بمدرسة السباعي الكبيرة والمعلمة في جعل الحركة الإسلامية طرفاً طبيعياً وضرورياً في توازن الاجتماع السياسي الوطني لأمن سوريا، وليس إلى الاستعراضات من طراز لقاء أغسطس الذي تعرف قيادة الجماعة مسبقاً أنه لن يحضره أحد لأسبابٍ شتى من الداخل. وأن يكون الآخر حاجةً لتوازن الاجتماع لايعني بالضرورة أن يكون زعيمه.