رغم ما انتاب رؤساء الدول الثماني من تفاؤل بانعقاد قمتهم الأخيرة في إيطاليا، ورغم محاولاتهم التغطية على آثار العولمة، على إقتصاداتهم وانهيار أهم هذه الإقتصادات، إلا انه بدا واضحا إن عالم السوق الحرة وأركان الرأسمالية أمام أزمة كبيرة، حتى مع تصريح رئيس الوزراء الكندي جان كريتيان الذي حاول فيه نشر التفاؤل بقوله «إنّ المشاركين في القمة متفقون على أن الأوضاع الاقتصادية في بلدانهم وعالميا والمقصود غربيا بطبيعة الحال تبشّر بأن يكون عام 2002م أفضل من سابقه، وعام 2003م أفضل من عام 2002م». انهيارات السوق الأميركية والتي أصيبت في أعمدتها بعد هذه القمة كشفت أخطاء الرأسمالية والنظام العالمي الجديد بشكل ترافق مع تصاعد الخلاف بين الدول الغربية الثماني ويدلل على ذلك جدول أعمال القمة الذي حفل بقضايا تناقض الرأي فيها بين هذه الدول بل احتدم الخلاف في بعضها، الأمر الذي يجعل مسألة تصديق تحسن الاقتصاد العالمي صعباً. ومشكلة الاقتصاد العالمي انه استند في كل مراحل تطوره على النظرية الرأسمالية وعلى الاقتصاد الأميركي أو كما حدد عالم الاقتصاد الأميركي «ليندون لاروش» بكل وضوح بأن المشكلة هي في سيادة أيديولوجية غريبة في المجتمع الدولي والأميركي وفي الطبقات الحاكمة في دول الغرب ومنها أميركا بالذات وتدور حول عبادة إله اسمه «السوق الحرة»، حيث الجشع والمنافسة بين الجشعين هي أم الاختراع في عالم الاقتصاد، كما أن القيمة الاقتصادية لم تعد تكمن في تطوير التقنيات الحديثة في الإنتاج لتحسين المستوى المعيشي للسكان بل إيجاد أسرع الطرق للحصول على الربح المادي، وهذا الأمر أدى إلى تحول أميركا إلى إمبراطورية ورق بنت عليها الدول الغربية بدورها بناءها الورقي. ويلاحظ أن كل النمو «الاقتصادي» الأميركي الذي تحدث عنه الاقتصاديون والسياسيون في العقد الأخير والذي اعتبروه عماد الاقتصاد الغربي والعالمي هو نمو في عالم المال والأوراق المالية والعملة في أميركا، فليس هنالك أدنى دليل على أن الإنتاج الصناعي والتقني الأميركي والبنية التحتية الأساسية في نمو بل على العكس، وما تبرزه أزمة الطاقة هذه هو انهيار فعلي في الاقتصاد الفيزياوي للبلد، ونمو هائل في القيم المالية الورقية كما هو الحال في سعر الدولار الخيالي على مدى عقود. وهكذا يمكن القول بشكل مؤكد إن «التشاؤم» وليس التفاؤل، مع إدراك عدم وجود ما يمكن القيام به الآن، هو ما دفع بالمشاركين في القمة إلى تجنّب الخوض كثيرا في الموضوع الرئيسي الذي يجتمعون من أجله عادة وهو الاقتصاد والسوق الحرة، ومحاولة تسليط الأضواء على نقاط أخرى في جدول الأعمال، لا سيما أنه من الملاحظ منذ سنوات أن عجلات عربة الاقتصاد الغربي المشترك في الشمال من الكرة الأرضية، أصبحت تجري كل على انفراد قدر استطاعتها. وبشكل عام، نجد أن ضعف مؤشرات التفاؤل اقتصاديا هو الذي يفسر تسليط الأضواء بصورة شبه استعراضية على قضايا أخرى، من شأنها أن تجذب اهتمام وسائل الإعلام والرأي العام بطبيعتها، فتُشغل عن السلبيات الاقتصادية والمالية الحالية. وهنا،في هذا الوقت بالذات، ينبغي على الدول العربية التي تنظر للتجربة الأميركية واقتصاد السوق بانبهار وبتطلع لبلوغ ما اعتقدوه نموذجا مهما للتطور أن يعيدوا النظر في سيرهم بأثر هذا الاقتصاد،مثلما ينبغي النظر بعمق الى التورط اكثر مع صندوق النقد الدولي، فنظام صندوق النقد الدولي «المعولم» بدأ يفرض شروطا على بعض الدول العربية مثل لبنان بشكل يحيلها الى نموذج ورقي للسوق الغربية، وجشع الشركات الكبرى لا يقف عند حدود، فمسئولية حماية الفرد من جشع السوق «الحرة» هي مسئولية أخلاقية وقانونية في ذات الوقت، كما أنها حق من الحقوق المشروعة للفرد. ل.ع