استعرضت الحلقات الماضية الأسباب التي دفعت عبدالناصر الى تأسيس التنظيم وأهميتها وامتلاء حزب السلطة بالأفاقين والانتهازيين، وصعوبة الفرز بين الناس وقصة الاجتماع الذي دعا اليه الرئيس الاسبق وحضره عدد مختلف عليه من الاشخاص وأهم من انضموا للخلايا الأولى وأغربهم الدكتور عبدالحليم محمود شيخ الازهر وكذلك مشاهير ممن أصبحوا أعضاء في التنظيم ثم تم تجميد عضويتهم وعلى رأسهم عزيز صدقي وسيد مرعي. تناولت الحلقات ايضاً واجبات وحقوق عضو التنظيم وكيف كان الرئيس يشرف بنفسه على تشكيل الخلايا وسرد كيفية هذا التشكيل واستبعاد التقارير الأمنية في تقييم المرشحين للعضوية وكيف ضمت منتقدين للنظام وقادة مظاهرات. كما استعرضنا تقلب الحركة الشيوعية وقبولها حل أحزابها ليدخل قياديوها تنظيم طليعة الاشتراكيين بعد ان كانوا يصفون عبدالناصر بأنه سفاح وخائن. وتتناول هذه الحلقة ما قيل عن وجود صفقة بين ناصر والماركسيين. شهادة السيد شعراوي جمعة امين طليعة الاشتراكيين وفي رده عن سؤال وجهته اليه مجلة الموقف العربي في عددها رقم 65 في سبتمبر 1985. دخول الماركسيين مجموعات التنظيم الطليعي وامانته العامة.. هل كان جزءاً من صفقة بين عبد الناصر والماركسيين بعد حل احزابهم كما تقول بعض الكتابات؟ للانصاف وللتاريخ لم تكن هناك صفقة من أي نوع ولم تكن هناك شروط، وليس الماركسيين وحدهم هم الذين دخلوا التنظيم الطليعي، فقد دخلوا ايضاً اعضاء انتموا في السابق الى (الطليعة الوفدية) و(الحزب الاشتراكي) و(الاخوان المسلمين) ايضاً، ولعل الكثيرين لا يعرفون مثلاً ان المناضل الراحل عبد الهادي ناصف قد اتى من صفوف الاخوان المسلمين. واذكر ان الرئيس عبد الناصر في اجتماعه مع اعضاء المكاتب التنفيذية بالقاهرة والجيزة (مارس 1996) اجاب على سؤال وجه اليه عن موقف المكاتب التنفيذية بالنسبة للشيوعيين قائلاً: (اما بالنسبة للسؤال عن الشيوعيين فإن فيهم اشخاصاً صالحين، وقبل ثورة 1952 لم يجدوا طريقاً آخر للكفاح في سبيل حرية هذا البلد واستقلاله) وقد اتيح للماركسيين ان يدخلوا اجهزة التنظيم الطليعي منذ بداية تكوينه، وعندما توليت امانة تنظيم طليعة الاشتراكيين كنت اعرف الكثير منهم وقدرتهم على العمل السياسي واقترحت ادخال بعض العناصر منهم الى امانة طليعة الاشتراكيين للعمل معنا (عندما عرضت الاسماء على الرئيس عبد الناصر لم يعترض على أي منها ولم يطلب اضافة احد وهذا دليل قاطع على عدم وجود صفقة بين عبد الناصر والماركسيين وكان الاختيار شخصياً واذكر هنا على سبيل المثال موقفاً عملياً رجح كفة اختيار (محمود امين العالم) كان العالم يعمل في دار الهلال وحين انتقل الى العمل في هيئة المسرح كان راتبه في عمله الجديد اقل بكثير من راتبه في دار الهلال وفي مثل هذه الحالات تسوى حالة الموظف بحيث يصرف له الراتب الاعلى، لكن محمود امين العالم رفض التسوية واصر على ان يتقاضى راتبه من هيئة المسرح دون أي زيادة وبعد نكسة 1967 جرى تعديل في تشكيل الامانة العامة للتنظيم الطليعي وخرج من التشكيل القديم بعض العناصر وحين عرضت التشكيل الجديد على الرئيس عبد الناصر لم يكن ثمة اعتراض هذه المرة ايضاً فقد كانت القواعد المقررة ان الاشخاص يختارون وفق كفاءتهم واخلاصهم الثوري وليس لاعتبارات اخرى. اما السيد علي صبري في شهادته المنقولة عن كتاب (علي صبري يتذكر) للكاتب عبد الله امام والصادر عن مكاتب روزاليوسف في اجابة عن سؤال: ـ كيف نقيم مجتمعاً اشتراكياً بينما نعتقل الشيوعيين وهم فصيل هام من الفصائل الاشتراكية؟ الشيوعيون اعتقلوا في فترات زمنية محددة ولمواقف محددة اتخذوها. في اوائل الثورة الجبهة التي تكونت بين الاخوان المسلمين والشيوعيين.. هم الذين بدأوا بالعدوان على الثورة ولا اريد ان اعدد مواقفهم، فقد اطلقوا مثلاً على قانون الاصلاح الزراعي الافساد الزراعي ولم يقولوا ماذا يريدون خصوصاً في مجال الارض الزراعية حتى نواجههم بالحوار هل يريدون مزارع دولة أم مزارع تعاونية.. وانما اكتفوا بأن قالوا انه قانون افساد زراعي. سنة 1958 موقفهم من الوحدة بين مصر وسوريا ثم موقفهم من الحزب الشيوعي في العراق.. القوات الاميركية تنزل في لبنان والانجليز في عمان وقوات العدو تحيط بك وترسم صورة للمقاومة والنضال. بينما هم مع عبد الكريم قاسم بل كان موقفهم في الجمهورية العربية المتحدة غريباً. قبل ذلك عندما مصرت المصالح الاجنبية قالوا ان هذا حكم بنك مصر.. وبنك مصر هو بنك الدولة. ـ كانوا يتشككون في علاقة الثورة بالاميركان في تلك الفترة؟ من حقهم ان يشككوا، ولكن الوقائع اثبتت العكس فقد وضح اتجاه الثورة من المخطط الاميركي واصطدامها به من عام 1954، فإذا كانت هناك حجة او شك عامي 1952، 1953 فلم تكن هناك حجة بعد ذلك وخاصة بعد ان اعلنت القوانين الاشتراكية التي لم يكونوا سعداء بها، وفسروها على انها رأسمالية دولة. ولكن عندما اتضحت الامور واستقرت بعد عام 1964 لم تكن هناك مشكلة وتفهموا الامر تماماً. اما عن شهادة السيد سامي شرف التي ادلى بها للصحفي عبد الله امام في كتاب (عبد الناصر كيف حكم مصر؟) ورداً على سؤال من عبد الله امام: ـ حسب معلوماتي انه كان لك شخصياً دور في حل الحزب الشيوعي المصري.. فهل يمكن ان تشرح لنا هذه القضية، كيف بدأت؟ بعد الثورة استمرت التيارات الشيوعية المختلفة الموجودة في مصر في نشاطها تحت الارض، وكانت المعلومات تدل على ان الحزب الشيوعي المصري هو انشط هذه التيارات، اما باقي التيارات كانت معروفة بالاسم، ولم يكن لها تأثير او وجود مؤثر. حدثت اندماجات وانشقاقات بين التيارات الرئيسية وهي الحزب الشيوعي المصري وحركة التحرر الوطني (حدتو) والتيار الثوري، وهي الفروع الثلاثة النشطة اذا قلنا مجازاً ان لها قواعد. وقد لوحظ في الفترة بعد الوحدة من سنة 1958 حتى 1962 زيادة النشرات التي تصدر عن ما يسمى بالحزب الشيوعي المصري الذي يوجد في منشورات تحمل اسم (الرفيق خالد). اهتم الرئيس بما يكتبه واراد ان يعرف من هو الرفيق خالد، وكلفت الاجهزة التي تتابع الموضوع لتعرف من هو الرفيق خالد، وللاسف الشديد لم تستطع ان تصل الى معرفته، وجاءت معرفته بواسطة الرئيس جمال عبد الناصر شخصياً. استدعى في يوم من الايام في نهاية 1963 احد الاشخاص وكان لدى الرئيس انطباع قوي انه يعرف من هو (الرفيق خالد) قال له سوف اسألك سؤالاً واحداً: وتجيبني عليه بحكم العلاقة التي تربطنا وبحكم الوطنية ومصريتك، وثق ان الغرض ليس ان تفشي اسراراً او ان تكشف عن شخص قد يكون عزيزاً عليك ولكن ارجوك ان تكون صادقاً معي، كما كنت صادقاً طوال عمرك. اندهش هذا الشخص وقال: اسأل يا ريس ما هو السؤال فسأله الرئيس: من هو الرفيق خالد؟ كان السؤال مفاجئاً ومباغتاً، ولكن هذا الشخص بعد تفكير قصير جداً، لم يطل قال للرئيس ان الرفيق خالد هو الدكتور فؤاد مرسي. كان الرئيس قبل ان يستدعي هذا الشخص قد ظل شهرين يحلل ويقرأ كتباً وابحاثاً ودراسات لخمسة اشخاص بعينهم، الدكتور فؤاد مرسي واحد منهم ووصل الى قناعة شخصية ان الرفيق خالد قد يكون هو الدكتور فؤاد مرسي. ـ كان الدكتور فؤاد مرسي معتقلاً؟ ـ في هذا الوقت لم يكن معتقلاً. وقد جاء وقابل السيد علي صبري وتكلم في اطار العمل السياسي والتنظيمات السياسية والاتحاد الاشتراكي، ووجهة نظره في تنظيم الشباب وفي الوحدات الاساسية ولجان الاقسام والمراكز والبناء العام للاتحاد الاشتراكي وسأله عن اقتراحاته لتطويره. الرئيس يقابل فؤاد مرسي يضيف شعراوي جمعة: وانا كذلك طلبت الدكتور فؤاد مرسي فبدأت الحديث بسؤال لماذا هو في الاسكندرية باستمرار وقلت له: اننا نحب ان نراك في القاهرة؟ قال لو تحبوا ان تروني انا موجود، وابلغته بأن الرئيس مهتم بما يكتب.. المهم خلقت نوعاً من انواع الصلة المباشرة في اطار الاستعانة به في وضع توصيات واقتراحات ونقد للتجارب ولقد تكلم هو بصراحة ووضوح وطلب ان يقابل الرئيس، فقلت له انني سوف ابلغ رغبته للرئيس وحدد الرئيس له موعداً بعدها بأقل من اسبوع. في اللقاء كاشفه الرئيس قائلاً انه يعلم ان الرفيق خالد هو نفس الدكتور فؤاد مرسي.. وفي هذا اللقاء ايضاً قال له الرئيس: اننا نمر بمرحلة تعاد فيها صياغة المجتمع وهناك ضوابط بالنسبة للمجتمع المصري بالنسبة للتطبيق الاشتراكي، ولا يمكن ان يطبق في مصر الماركسية، لأن لدينا ما يحول دون ذلك، من ناحية المبدأ نحن لا نأخذ اقوالاً ونطبقها، لأن الذي يطبق النظم هم البشر، ولا استطيع ان اضع البشر الذي يصوغ التجربة عملياً في قوالب جامدة، فلنا تجربتنا الخاصة المختلفة والمتميزة وعلى سبيل التحديد نحن نؤمن بالله وديننا واضح ونحن نتمسك به. وكانت كلمات الرئيس له تشجعه حتى وصل الرئيس الى قوله: انني اطرح عليك رأياً لتفكر فيه، وهو غير ملزم عليك ان تفكر وعندما تصل الى قناعة او الى قرار فإن بابي مفتوح لنناقش ما وصلت اليه، الرأي باختصار شديد هو ان تنضم العناصر اليسارية في الساحة المصرية الى تحالف قوى الشعب بشكل او بآخر، فكروا، وضعوا مقترحاتكم، وانتهى اللقاء عند هذا الحد من النقاش. بعد هذا اللقاء اعطاني الرئيس تعليمات ابلغها الى السيد علي صبري باعتباره امين الاتحاد الاشتراكي والمرحوم شعراوي جمعة وباقي الاجهزة بما دار من حديث لتكون على علم ودراية بالتطورات التي حدثت، وابلغت ايضاً المرحوم حسن طلعت مدير المباحث العامة. ـ الشيوعيون كانوا في المعتقل في هذه الفترة؟ ـ بعضهم كان في المعتقل. ـ هناك تفسير ان الدولة كانت تتجه الى النظام الاشتراكي في الوقت الذي كان فيه الاشتراكيون معتقلين؟ ـ كانت الاعتقالات تتم بالنسبة للعناصر الماركسية وهناك نقطة احب ان اتكلم فيها كشرح مبسط جداً نحن هنا سواء في الاعلام او الاجهزة نخلط بين كلمة اليسار وكلمة الاشتراكيين وكلمة الشيوعيين وهناك فروق كبيرة جداً بين هذه الكلمات وبين من يتصفون بهذه الصفات. ـ النهاية شيوعيون.. اشتراكيون.. ماركسيون، كلهم فصائل اليسار؟ ـ كلهم يسار نعم، ولكن الانتماءات التي تحت هذه المسميات تختلف، اذكر تماماً ان جمال عبد الناصر في الاجتماعات السياسية، كان يقول دائماً انه اكثر الجالسين يسارية، واليسارية هنا ليست بمعنى الماركسية او الشيوعية ولكن بمعنى اصراره على التغيير.. التغيير الثوري. ـ رغم اختلافنا مع بعض فصائل اليسار، فإن اليسار عموماً يمكن ان يقيم تنظيمات او خلايا او ان يصدر منشورات ولكنه ابداً لا يستخدم السلاح ولا العنف، والسؤال هو لماذا كان اليسار الماركسي معتقلا؟ ـ الاعتقال بالنسبة للعناصر الماركسية كان للحد من نشاطات تؤدي الى احداث بلبلة في اوساط عمالية او طلابية او تطغى عليها شكل مطالبات لا يستحقها من يطالب بها. ـ هل يمكن ان يعتبر ذلك نوعاً من انواع التوازن السياسي بمعنى انك تلقي القبض على المتطرفين يميناً وفي نفس الوقت تلقي القبض على المتطرفين يساراً، وهم الاخوان المسلمين من اليمين والشيوعيين من اليسار لاحداث التوازن؟ ـ لم يكن الامر بهذا الشكل.. ولا استطيع ان اقول ان خوروشوف عندما هاجم جمال عبد الناصر اتخذ ناصر اجراء كان هذا الاجراء رسالة لسيد الكرملين يقول له: هل تظن ان الخمسمئة شخص الموجودين في مصر يمكن ان يفعلوا شيئاً. ـ هل لأن خوروشوف هاجم جمال عبد الناصر يلقى القبض على الشيوعي المصري؟ ـ لا.. ولكنها لعبة الشطرنج السياسي، لا تستطيع تفسيرها بهذا الشكل ويكمن تفسيرها بمعنى ان خوروشوف لما هاجم جمال عبد الناصر هاجمه بناء على نصيحة من خالد بكداش، وكان جمال عبد الناصر موجوداً في سوريا وكانت رؤية خالد بكداش التي قالها لخوروشوف انه اذا نجح نظام عبد الناصر فأخطاره لا تقتصر على المجتمع السوري، فإن العدوى ستنتقل الى المشرق العربي كله، ولن يكون لنا كشيوعيين كيان، فهاجم خوروشوف جمال عبد الناصر، الذي رد عليه بأنه اذا كان يتصور انه توجد قوة يمكن ان تحدث التغيير فهذه القوة ليست مؤثرة. ـ هل توسط خوروشوف فيما بعد للافراج عن الشيوعيين؟ ـ توسط ولم يستجب له جمال عبد الناصر وقال له ان الاجراء الذي تأخذه القاهرة ينفيه اجراء من القاهرة وكان ذلك في الجلسة التي كان يحضرها الرئيس عبد السلام عارف، عندما جمعهم لقاء في البحر الاحمر. ـ .. .. .. ؟ ـ قال الدكتور فؤاد مرسي للرئيس عبد الناصر اننا نرحب بالمساهمة في الاتحاد الاشتراكي والمشكلة الرئيسية ان البعض يرى ان يكون لهم وضع خاص. ومنذ البداية قال الرئيس: تدخلوا كأفراد.. وهذه شروط كأفراد، وكل واحد يقدم طلباً ويأخذ موقعه في محل افراد سكنه جغرافياً، او مهنياً في مكان عمله، وبدأت بعد ذلك لقاءات مع علي صبري حول هذا الامر وتدخل الاستاذ محمد حسنين هيكل في هذا الموضوع، وكان له دور فعال، وعندما تم الاتفاق اصدروا تعميماً داخلياً للاعضاء بأن الامور اصبحت سهلة او ميسرة ويمكنهم ان يمارسوا النشاط داخل الاتحاد الاشتراكي وفي اللقاءات مع الدكتور فؤاد مرسي اتفق دون أي ضغط ان يصدر الحزب الشيوعي بياناً يعلن فيه حل نفسه ومن يريد ان يساهم في العمل السياسي، فأبواب الاتحاد الاشتراكي مفتوحة، ويرفع عنهم العزل السياسي. ـ في تلك الفترة كانت هناك قائمة باسماء الاعضاء في التنظيمات الشيوعية؟ ـ نعم كانت هناك قوائم باسماء الاعضاء والتنظيمات وكل القيادات الشيوعية الموجودة في مصر وكانوا لا يزيدون على 950 شخصاً دخل اغلبهم الاتحاد الاشتراكي بعد ان رفع عنهم العزل السياسي. ـ هل سيطروا على التنظيم الطليعي؟ ـ لا .. التنظيم الطليعي كان يقوده جمال عبد الناصر ولجان التنظيم الطليعي بدأت قبل دخول الشيوعيين بشكل خلايا ثم تحول الى تنظيم جغرافي..ولم يكن منهم في مستوى قيادي لفترة ما سوى محمود العالم. اذن نستطيع ان نرصد ثلاث مراحل في علاقة الثورة بالشيوعيين، مرحلة الصدام والتي صنف فيها الشيوعيين الثورة على انها انقلاب فاشي وديكتاتوري وعميل للأميركان وهي مرحلة انتهت بادخال معظم فاعلياتهم السجون والمعتقلات اما المرحلة الثانية هي مرحلة الحوار وهي التي بدأت مع مواقف الشيوعيين المؤيدة للثورة في حرب 1956 ـ ضد العدوان الثلاثي وقد اعترى هذه المرحلة كثير من العقبات مثل الموقف من الوحدة المصرية السورية والتأييد الشيوعي لعبد الكريم قاسم، لكن الحوار كان طابعاً مميزاً لها استمر حتى وصل الى إمكانية دخول الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي وطليعة الاشتراكيين واخيراً مرحلة التفاعل والاحتواء، حيث تم دخول الكثير من فعاليات الحركة الشيوعية للاتحاد الاشتراكي العربي ولطليعة الاشتراكيين وبالتالي الى كافة اجهزة الدولة والثورة معاً وفي مقابل ذلك تم حل الحزب الشيوعي المصري وحزب الحركة الديمقراطي الوطني (حدتو) لأول مرة في تاريخ الاحزاب الشيوعية تقريباً. ويهمنا هنا ان نؤكد على وجود اكثر من قيادي ماركسي وشيوعي في امانة طليعة الاشتراكيين والامانة العامة للاتحاد الاشتراكي مثل محمود امين العالم الذي استلم موقع التثقيف الطليعي، وعبد المعبود الجبيلي، ورشدي سعيد، احمد حمروش، فؤاد مرسي، امين عز الدين، يوسف غزولي، حلمي السعيد، احمد فؤاد وآخرين. العلاقات بحزب البعث أصدرت طليعة الاشتراكيين ثلاثة اعداد من نشرتها السرية (الطليعة الاشتراكية) عن حزب البعث وكانت بتاريخ 10/11/1963 نشرة رقم (2)، وبتاريخ 14/11/1963 نشرة رقم (3)، وبتاريخ 26/12/1963 نشرة ثقافية رقم (3). وكانت الاولى تحت عنوان (تاريخ حزب البعثيين)، والثانية تحت عنوان (حول المؤتمر القومي السادس لحزب البعث العربي الاشتراكي)، والثالثة تثقيفية تحت عنوان (سقوط حزب البعث) ويهمنا هنا ان نكتشف رؤية طليعة الاشتراكيين للبعث، وتنكشف اسباب الخلاف وخلفياته وما هو دور التنظيم السياسي في صناعة تلك الازمة او عدم صناعتها. في النشرة المعنونة (تاريخ حزب البعثيين) يتم تناول الظروف التي ادت الى ظهور حزب البعث حيث تزايد التذمر من الحكم التركي وبدأ وصول النظريات القومية عن الغرب مع كثافة اخبار الثورات في البلقان ولم تنته الحرب العالمية الثانية في عام 1945 حتى كان الشعب العربي قد مر خلال ما يقرب من نصف قرن بسلسلة متتابعة من الاحداث لها الاثر الكبير في تكوينه النفسي والفكري، عشرات الجماعات السرية، الاعدامات المتتالية، الثورة العربية عام 1916 وانكشاف قياداتها واستخدامها لتحقيق مخططات الاستعمار، وعد بيلفور وثورات فلسطين وسوريا والعراق ولبنان، ثم المعاهدات المزيفة بين الاستعمار والحكام العرب. ولم يكن الشعب مستعداً للانخداع من قبل قيادات متعددة ثبت عدم مصداقيتها الا ان لمحة من الامل تراءت للشعب العربي اثر تواطؤ الفئات الحاكمة في معاهدة 1936مع الفرنسيين على ضم لواء الاسكندرونة الى تركيا ونزوح الكثيرين من شبابه الى سوريا مفضلين النظام على الخضوع لمخططات الاستعمار ولأول مرة يترأى للشعب العربي بوادر حركة عربية قومية شعبية تضم الشباب العربي المناضل يدعمها شباب اللواء القومي النازح عن بلاده. وانطلقت كلمة البعث العربي لتعبر عن شعار هذه الحركة الجديدة، الا ان الاستعمار وعملائه والفئات الحاكمة احاطت بهؤلاء الشباب فوهنت عزيمتهم، وقعدوا عن متابعة نضالهم، وما لبس اكثرهم من الطامحين بالوصول ان تسرب الى الصفوف الاولى من التنظيم. في تلك المرحلة عاد ميشيل عفلق من بعثته الدراسية في فرنسا التي اوفدته اليها الحكومة الفرنسية في عام 28/1929، وقد استهوته الحركة الشيوعية فكتب مقالاً صغيراً بعنوان (ثورة الحياة) يبدي فيه تأثراً بدائياً بالاشتراكية، الا ان تفكير ميشيل وطموح خالد بكداش من جهة أخرى، وبقى اثر تراجع ميشيل عفلق اما طموح خالد بكداش فبقي يلازمه حتى الآن. واخذ ميشيل عفلق في ذلك الوقت أي ما بين عامي 1934، 1936 يسعى ويفتش عن منقذ يتقدم منه الى الزعامة والظهور، فعلى الرغم من علاقته بالحزب الشيوعي الواضحة، فإنه عمل على الاتصال بعصبة العمل القومي التي تشكلت بايحاء من الملك فيصل الاول العمل على اعادة وحدة سوريا والعراق، وقد بقى يفاخر زمناً طويلاً بأنه سعى لمقابلة فيصل الأول في باريس وكان الكفاح الشعبي خلال هذه الفترة في تزايد مستمر.. وكان عفلق يشغل وظيفة مدرس يرقب عن كثب تأجج هذا الكفاح.. فأخذ يتخلى عن تأرجحه بين الحزب الشيوعي وعصبة العمل القومي ويزيد من تعلقه بالشباب العربي. وهكذا اخذ ميشيل عفلق يوسع لنفسه مكاناً تحت لواء الفكرة العربية، وكان عفلق احد الاعضاء البارزين لحركة (الاحياء العربي). وبعد حركة (نصرة العراقي) اخذت فكرة اقامة حركة باسم البعث تحت شعار (امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) واستطاعت بعد سنوات ان تضع الشعارات الثلاثة (وحدة، حرية، اشتراكية) لكن ميشيل عفلق الذي كان يمني نفسه بايجاد حزب يقوده كان يشعر انه مهما اوتي من قوة لا يمكن ان يصل الى ما يصبوا اليه.. لذلك حاول ان يعتنق الدين الاسلامي، واذاع خبراً عن ميوله الاسلامية ورأى كذلك في صلاح البيطار قناعاً صالحاً وغبياً الى حد كاف يحتمي وراءه وبحكم تكوين ميشيل عفلق وصلاح البيطار البورجوازي، وبحكم نشأتهما كمدرسين قدما من فرنسا بعد حياة دامت خمس سنوات متصلة تشبعا بالفكر الاوروبي، واستهوتهما اساليب الحياة فيها، فقد حصرا صلاتهما بالطلاب، وعجزا عن ايجاد أي لون من ألوان الترابط بينهما وبين اوساط العمال والفلاحين. وعلى الرغم من ضعف وحدة الروح الثورية في قيادة حزب البعث منذ البداية، وعلى الرغم اتضاح عجز الحزب في اذابة الميول المتنافرة في صفوف المنتسبين اليه، وعلى رغم من استهواء فكرته لكثير من ابناء العائلات البرجوازية والاقطاعيين والرأسماليين التي تعودوا ان يوزعوا ولاء ابنائهم على مختلف الاتجاهات، بدافع من روح انتهازية متأصلة.. وعلى رغم اتباع قيادات الحزب لاساليب عقائدية ولا اخلاقية ولا ثورية في نشر فروع الحزب كتوجيه كتاب مثلا الى الامير عبد الله امير الاردن في ذلك الوقت، يستأذنه فيه بتأسيس فرع للحزب في الاردن في ظل حكمه، وعلى مبادئ جده الحسين وعلى رغم من ذلك كله، فإن فكرة الحزب استهوت جيلاً من الشباب القومي العربي. ولكن ما ان تعرضت قيادة حزب البعث الى اختيارات قاسية في زمن حسني الزعيم، حتى خارت قواها وانهارت انهياراً كاملاً.. لكن ميشيل عفلق ما لبث بعد ايام قليلة ان انهار، ووجه كتاباً الى حسني الزعيم يعتذر ويستغفر ذنبه ويعد باعتزال السياسة (نص الرسالة في النشرة). وبالفعل اعتزل ميشيل عفلق، حيث غادر الى البرازيل لمدة عام، عاد بعدها ليشترك في ضم حزب البعث الى الحزب الاشتراكي الذي كان يقوده اكرم الحوراني. كان حزب البعث في عام 1952 ضد ثورة 22 يوليو المجيدة، واستمر في عدائه لها حتى قبل معركة الاحلاف ومؤتمر باندونج. وفي معركة بورسعيد التاريخية، لم يبق لحزب البعثيين مفر من الانجراف مع التيار، تماشياً مع طبيعة قيادته الانتهازية، وانسجاماً مع تاريخ الحزب الطويل في ادعائه الايمان بالوحدة، حاولت القيادة الظهور بشتى الوسائل والاساليب بأنها شاركت في صنع الوحدة مع الرئيس جمال عبد الناصر حتى تشاركه في حب الجماهير له. لقد كان هدف الاستعمار منذ مئات السنين ان يعمل على تفتيت قوة العرب، وعلى ضوء هذا الهدف وضع مخططه واستراتيجية من الاستعمار القديم حتى الحديث الا ان ثورة 23 يوليو القومية اسقطت تلك المخططات. غير ان الاستعمار المقنع الجديد الذي فشل ان يخفي عن اعين الشعب العربي اليقظة، استطاع ان يحتمي وراء حزب البعثيين ليهدم وحدة سنة 1958 بين مصر وسوريا، وهو اعظم نصر حققته الامة العربية في تاريخها الحديث. ينكشف لنا من خلال تلك القراءة النصية تقريباً لقيادة طليعة الاشتراكيين لحزب البعث الاشتراكي والتي عملت على تعميمها على اعضاء الطليعة اننا بصدد قراءة ايديولوجية موجهة ذات طابع امني، عملت على سرد تاريخ تكوين حزب البعث الاشتراكي من خلال العمل على تشويه سمعته ونضالية القيادة في المراحل الاولى حتى الاخيرة، وتصوير بعضهم بالطامحين والانتهازيين وحسب الظهور والزعامة، كما عمدت على زرع الالتباس في علاقات الحركة ومشروعيتها وذلك بالحديث عن علاقتهم بالملك فيصل الاول والامير عبد الله امير الاردن الى ان ينتهي باتهام البعث العربي الاشتراكي بأنه كان ستاراً للاستعمار المقنع الجديد. كما عملت تلك الرؤية على التفرقة بين ميشيل عفلق وحركة الحزب وسياقه التاريخي، فهو الانتهازي المتأرجح بين الشيوعية والقومية العربية وهو البرجوازي وهو الطامح للزعامة المتغرب. المنفصل عن العمال والفلاحين كما تستخدم الرؤية اوصافاً للبيطار من قبل القناع الصالح والغبي. ويهمنا هنا ان نؤكد ان تلك الرؤية التي تم تسييدها جاءت بعد الانفصال، والسؤال لماذا لم يتم الكشف عن تلك العلاقة والعيوب والثغرات في حياة الحزب وقيادته قبل الوحدة؟ ولماذا لم يتم حوار داخل تنظيم طليعة الاشتراكيين حول تلك الرؤية؟ ولماذا لم تقدم قيادة طليعة الاشتراكيين نقداً ذاتياً لانخداعها في حزب البعث العربي الاشتراكي، اذا كانت قد خدعت؟ لكن الحقيقة غير ذلك الحكي، وغير تلك الذرائعية، فالصراع كان قائماً بين الدولة المصرية واجهزتها وتعبيرها عن حركة القومية العربية عبر زعامة تاريخية نادرة اجمعت كافة الجماهير العربية بالوقوف خلفها وبين حزب قومي عربي هو المساهم الاكبر في زرع فكرة ومشروع القومية العربية ومشارك رئيسي في الحكم وفي فترات اخرى كان مسئولاً عن الحكم في قطرين عربيين اذن الصراع كان قائماً على شرعية التمثيل للمشروع القومي العربي، وقد استطاعت الدولة المصرية بكل ممكناتها الجغرافية والبشرية والاستراتيجية وبكل وزنها في الامة العربية، وبكل مشروعها الثوري الوحدوي التقدمي الجديد وقيادتها التاريخية ان تتمكن من تلك الشرعية، وان تفرض شروطها على المتنازعين معها بتمثيل المشروع بحكم الاقدمية في طرح الفكرة والنضال من اجلها والعمل على تجسيدها في اطار تنظيمي قومي في بعض الاقطار العربية، الا ان كل ذلك لم يسمح بمساحة من التفهم لذلك من قبل دولة مصر العربية المجسدة للمشروع القومي التحرري التقدمي الوحدوي. لم يكن ذلك سوى الكشف عن المبتدأ في تلك العلاقة. الاشكالية بين الدولة الاقليمية والمشروع القومي، كما اكدت السنوات الاتية على هذا المشروع حيث تصارع حزب البعث العربي الاشتراكي في القطر السوري مع حزب البعث العربي الاشتراكي في القطر العراقي، كما تصارع المشروع القومي المحمول على القطر الليبي مع المشروع البعثي المحمول على القطر العراقي والسوري ايضاً، بل ووصل الصراع الى المشروع القومي المحمول على اكتاف القطر الليبي مع المشروع الناصري التاريخي واحتمالاته المستقبلية. هكذا فقط نستطيع ان نفهم الصراع الذي ادارته اجهزة الدولة القطرية في كل من مصر وسوريا ولعل سياق نشرة 14 نوفمبر 1963 رقم 3 والمعنونة بـ (حول المؤتمر القومي السادس لحزب البعث العربي الاشتراكي) يكشف عن اوجه الصراع بين المشروعين (المشروع الناصري المحمول على الدولة المصرية والمشروع البعثي المحمول على الدولة السورية) وقد ركزت نشرة الطليعة تحت عنوان الملاحظات العامة على كشف الهدف من عقد المؤتمر القومي السادس لحزب البعث العربي الاشتراكي، وهو المؤتمر المنعقد بعد واقعة الانفصال وقد اوجزت ذلك في الآتي: 1ـ كان الهدف من عقد المؤتمر هو محاولة تسوية الخلافات داخل الحزب الناشئة عن السياسة التي يجب اتباعها تجاه القاهرة وقضية اعدام المتهمين في قضية محاولة انقلاب 18 يوليو الماضي وقضية التعاون مع اكرم الحوراني وجماعته وغيرها من مشاكل التنافس الشخصية في قيادة الحزب والتي كان من اثارها تقديم صلاح البيطار لاستقالته ثم العدول عنها. 2ـ ان صدور البيان ما هو الا محاولة لتغطية الاسباب الحقيقية لعقد المؤتمر واتهام الرأي العام ان المؤتمر كان يبحث مواضيع جدية. 3ـ يلاحظ ان البيان ضعيف ولا يحوي أي مادة فكرية عميقة سوى بعض الشعارات والعبارات التي تعتبر رؤوس مواضيع للفكر الاشتراكي دون احتوائها لاي مضمون وهي اساساً شعارات مأخوذة من ميثاقنا، كذلك اقتبست بعض الافكار من برنامج طرابلس الجزائري. 4ـ اكد البيان ضحالة التفكير الاشتراكي عند حزب البعث بما يحويه من تناقضات نتيجة الواقع المتناقض الذي يعيش فيه الحزب سواء في سوريا او العراق، فهو يتحدث عن الاشتراكية والتحويل الاشتراكي ثم يتحدث عن دور النقابات في الدفاع عن مصالحها. كما تحدث عن المركزية الديمقراطية في الحزب وهو يعني الديمقراطية المركزية، دون التطرق الى الديمقراطية وشكلها وطريقة ممارستها من قبل جماهير الشعب، ثم يشير الى موضوع القومية والوحدة من الناحية العاطفية دون وضع مفهوم علمي وتطبيقه لها. 5ـ مازال الحزب يركز على موضوع تلاقي الحركات وتشكيل الجبهات مما يعتبر تناقضاً للفكرة القومية وفكرة الوحدة الحقيقية التي تؤمن بفكرة الثورة الواحدة والمفهوم الثوري الواحد على النطاق القومي. 6ـ يحاول الحزب تغطية موقفه المالي للاستعمار لمهاجمة الاستعمار في اكثر من موضع. 7ـ لم يتطرق البيان الى مشاكل العالم العربي الحقيقية، وهي المصالح الاستعمارية التي يقوم الحزب بتثبيتها فعلاً والتناقضات الطبقية والطائفية والعنصرية ومشاكل التوزيع.. الخ. 8ـ لم يهاجم الحزب في بيانه النظم الرجعية العربية في المشرق العربي على وجه التحديد كما فعل بالنسبة للرجعية الغربية بل هاجمها بشكل عام. 9ـ ان البيان بصفة عامة يؤكد افلاس الحزب عقائدياً في مجالات العمل الحزبي، وفي النواحي الديمقراطية والاشتراكية والقومية، وهو محاولة جديدة للتأثير على الجماهير العربية بعدما ظهرت تفاهة قادة الحزب اثناء مباحثات الوحدة. وتستكمل النشرة دورها في المناقشة الموضوعية للبيان، ويتبين ذلك من عمق الصراع بين المشروعين وذلك عبر المحاولة المكثفة من قيادة طليعة الاشتراكيين لنزع أي قيمة او صفة ايجابية عن المشروع الاخر البعثي (الحزب في تاريخه لم يكن له مفهوم ثوري واضح، تعاون مرات كثيرة عن عناصر عميلة ورجعية وانتهازية، سرق الحزب الثورتين: ثورة 8 فبراير بالعراق وثورة 8 مارس في سوريا، حزب يستعمل اساليب الغدر والخيانة، حزب يعيش على التناقضات في الوطن العربي، حزب قام على اساس الطبقات البرجوازية والعناصر الانتهازية، حزب يفتقد للعقيدة والايديولوجيا.. الخ). اذن نحن امام محاولة لتعرية حزب البعث العربي الاشتراكي من شرعية تمثيله للمشروع القومي التحرري التقدمي الوحدوي لصالح المشروع الناصري وذلك بغرس وتعبئة اعضاء الطليعة ضد هذا المشروع والعمل على التأثير في الشارع العربي بالتالي ضد مشروع البعث وحزبه وقيادته. انه الصراع بين المشروعين المحمولين على دولتين قطريتين وينكشف ذلك اكثر من استخدام تعبيرات من قبيل (وهي اساساً شعارات مأخوذة من ميثاقنا) (مازال الحزب ـ يقصد البعث ـ يركز على تلاقي الحركات وتشكيل الجبهات مما يعتبر تناقضاً للفكرة القومية ولفكرة الوحدة التي تؤمن بفكرة الثورة الواحدة والمفهوم الثوري الواحد على النطاق القومي. وهنا يعمد الى مقابلة المشروعين ويعمل على سلب مشروع البعث مشروعية تمثيله للفكرة القومية فهو يتناقض معها بعمله على ثلاثي الحركات وتشكيل الجبهات وتناسى الحزب ان بيان 1 ابريل 1963 هو صورة طبق الاصل من ميثاقنا القومي الذي اعلن في مايو 1962 بل تكاد تكون الكلمات والعبارات الواردة في هذا البيان هي نفسها التي وردت في الميثاق. ذلك هو الصراع بين مشروعين قوميين محمولين على قطرين عربيين ودولتين اقليميتين بطبيعتهما كان المشروع القومي الناري تعبير عن قوة الدولة ادواتها وقوة الزعيم وقوة النموذج وقوة الجماهير لذا كان الصراع ضارياً بهدف تسليم المشروع الآخر باحتوائه او اعلان هزيمته ونهايته لذلك جاءت النشرة الثقافية تبشر بذلك المضمون تحت عنوان (سقوط حزب البعث) حيث جاء في مقدمتها بالنص (ان ما جرى في المشرق العربي لم يكن مجرد سقوط سياسي انتهى اليه حزب البعث. ان سقوط حزب البعث سياسياً كان نتيجة حتمية سقوطه فكرياً وتنظيمياً. والبعث لم يسقط وحده تنظيمياً وفكرياً، بل ان سقوطه كان مجرد رمز لسقوط طبقة كاملة ونمط في التفكير والتنظيم والعمل السياسي وجد نهايته الفاجعة تحت ضغط الانفجارات العنيفة). والسؤال الآن كيف تعامل تنظيم طليعة الاشتراكيين مع ذلك الحدث التاريخي الجلل والذي اثر على مسيرة الثورة ومشروعها بعد ذلك؟ نحن امام تعامل امني لا هم له سوى فضح حزب البعث وسلب مشروعية تمثيله للمشروع القومي، وفضح قيادته واتهامهم بالارتماء في احضان الاستعمار؟ والسؤال الاخر: هل هو ذلك الدور المنوط لحزب طليعة الاشتراكيين؟ اذا كان ذلك كذلك فلابد ان يكون التنظيم في خدمة الدولة وليس في خدمة المشروع القومي ولا تفسير لدينا غير ذلك، ومن الغرائب ان لا تتم مناقشة مسئولة داخل طليعة الاشتراكيين لذلك الحدث الكارثي من اجل استخلاص الدروس والعبر والعمل على هندسة الادوار المتكاملة بين المشروعين والحركتين والتنظيمين، وكان ذلك سببا في تزيف دائم حتى الآن لقوى حركة الثورة العربية ولقوى المشروع القومي التقدمي.