يثير تصاعد التهديدات الأميركية بتوجيه ضربة قاصمة للعراق، العديد من التساؤلات ويطرح جملة من السيناريوهات المختلفة، وربما الغريبة أيضاً، من تقسيم للعراق الى دويلات صغيرة، وإيجاد «وطن بديل» للفلسطينيين، ليس من سكان الضفة الغربية وغزة فحسب، وانما من سكان اراضي 48 الذين يعتبرون، من الناحية النظرية على الاقل، مواطنين اسرائيليين، فضلاً عن استهداف برامج التسليح الايرانية خاصة في الجانب النووي. وتذهب هذه السيناريوهات، في رأي بعض المحللين، ابعد من ذلك الى حد اعادة صياغة اوضاع منطقة الشرق الأوسط وتشكيل خارطتها السياسية من جديد. ويبدو ان الولايات الأميركية، ومعها اسرائيل، لا تعير اي اهتمام للجوانب القانونية أو لمصالح الدول والقوى الاخرى في هذا الشأن، مما يخلق واقعاً جديداً قد يغير مجمل الاعراف والقواعد القانونية الدولية، ويعيد العالم كله الى مرحلة جديدة من الفوضى وسيادة قانون الغاب. لكن البعض يرى ان هذه التهديدات لم تخرج بعد عن اطار التهويل بهدف تحقيق عدة اغراض، ليس من بينها اسقاط نظام الحكم حالياً، وهي: 1ـ تفتيت الشعب العراقي واثارة الفتن المذهبية بين ابنائه. فجرى النفخ الأميركي المتصاعد خلال الاسابيع الاخيرة بالذات باتجاه تشجيع المعارضة، وتأليب مناطق عراقية ذات غالبية مذهبية اسلامية معينة. 2ـ تقسيم العراق الى ثلاث دويلات على الاقل:: دولة صدام حسين التي تريدها واشنطن قوية ومتحالفة معها «لتخويف» العالمين العربي والاسلامي بها وبأطماعها (حسب التعبير الأميركي الممجوج). ودولة ثانية للأكراد، ودولة ثالثة، وهي بيت القصيد الأميركي ـ الإسرائيلي، لتوطين ما لا يقل عن مليون فلسطيني، على ان يوطن الباقون وهم بحدود الثلاثة ملايين بين لبنان وسوريا، وحيث يقيمون الآن في مختلف انحاء العالم. 3ـ تطويق الأنظمة والتيارات الأصولية في الشرق الأوسط، وحتى في محيطه، وعلى الأخص ايران في المرحلة الراهنة، وتحديداً مفاعل بو شهر النووي فيها. «الملف» استطلع حول التهديدات الأميركية وأهدافها، آراء كل من نقيب المحررين الصحفيين في لبنان ملحم كرم، العائد إلى بيروت من جولة شملت الكويت وعدداً من العواصم الأوروبية، وكذلك المحامي اللبناني عمر زين الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب. مبدأ «الاصبع والزناد» يقول نقيب محرري الصحافة اللبنانية ملحم كرم ان ثلاثة اهداف هي المقصودة في الحرب الأميركية ضد العراق، وليس منها ما يسعى لإسقاط النظام القائم، وهي: السيطرة على مخزونه النفطي «الخرافي»، (أولاً)، وتطويق مفاعل بو شهر النووي الإيراني، (ثانياً)، اضافة الى ترحيل مليون فلسطيني (ثالثاً) هم من عرب 1948. وفي هذا الاطار ينقل النقيب كرم عن وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الأحمد قوله له ان «لا علاقة للكويت من قريب أو من بعيد في النزاع العراقي الأميركي، شأنها في هذا شأن الدول الخليجية والعربية الأخرى، عدا رفضنا القاطع الذي ذكرناه مراراً لجهة ضرب العراق». كما ينقل عن مختلف الأوساط الرسمية والسياسية والمراقبة التي التقاها في الكويت وأوروبا قولها انه «لا شيء يبرر الحرب التي يخطط لها الأميركيون ضد العراق للزج بنحو ربع مليون جندي ومئات الطائرات والبوارج والغواصات والصواريخ الباليستية، حتى في منطق الشرعة الأميركية ومعايير الأمن الدولي، فالعراق محاصر منذ العام 1990، ومنذ هذا التاريخ انكفأ على جراحه، وأعاد العلاقات مع العديد من الدول العربية والأجنبية». ويشير الى ان لعبة عضّ الاصابع قبل وضع الاصبع على الزناد تبين ان واشنطن لم تترك امام بغداد سوى مخرج واحد هو التصلب، فيما العاصمة العراقية لم تترك امام ادارة بوش سوى خيار ضربها، وتستتبع ذلك حسابات واعتبارات لم يعرف نظام الرئيس صدام حسين كيف يوظفها لمصلحته. ولعلها باتت الأكثر صعوبة، مع الاهتزاز الحاصل في المعادلات الدولية بعد 11 سبتمبر الماضي. ويضيف: لا شك ان بوش الابن نسج تفاهماً ضمنياً مع حلفائه الاساسيين في العالم حول ضرورة اخراج صدام حسين من الحكم... ولعل الحليف الاول لصدام في هذه المنازلة هو صعوبة الحشد العسكري الأميركي للغزو واحتمال سقوط ضحايا أميركيين لا يمكن ان تتحمل الادارة فاتورتهم. ماذا عن الحليف الثاني للرئيس العراقي؟ يجيب كرم ضمن ما لمسه خلال جولته العربية ـ الأوروبية فيقول: ان هذا الحليف الممكن للعراق هو الممانعة العربية لمشروع الحرب برمته، ورفض المساهمة الميدانية في جهوده. وقد كاشفني دبلوماسي عربي مخضرم في باريس بالقول ان هناك دولة موافقة تلقائياً على المشاركة، هي تركيا. لكن المشكلة الوحيدة معها انها ترغب في ثمن عال مقابل هذه الشراكة. وثمة دولتان لا تهم معارضتهما. وهناك دولتان ممانعتان، غير انهما وضعتا تحت التهديد. اما بالنسبة للدول الاخرى، فلا أحد يكترث لرأيها. لكن تبقى دولتان يصعب خوض الحرب من دون غطائهما الشرعي لها، وهما الآن في وضع صعب، فمن جهة هناك الرأي العام وضغوطه، ومن جهة ثانية يبرز الالحاح الأميركي، ولا يتوقع أحد نتيجة هذه التجاذبات المتضادة، ان تسلكا مسلك الجنرال برويز مشرف في باكستان والذي انعطف بالجيش والدولة بمعدل 180 درجة مئوية، فوضعهما في تصرف الأميركيين، وفي خدمة استراتيجتهم، فوضع الدولتين العربيتين المعنيتين هو أكثر دقة وتعقيداً، خصوصاً في ضوء ضعف الذرائع الأميركية وغموض أهداف الحرب. شبح التوطين وحول الأهداف المتوخاة من الحرب أو التهديدات الأميركية يقول النقيب ملحم كرم: ثمة هدف أساسي تسعى إليه ادارة بوش في تعاملها مع الملف العراقي، وهو ايجاد الاجواء الملائمة التي تسمح لرئيس وزراء اسرائيل ارييل شارون بتوجيه ضربة قاصمة لمليون فلسطيني من عرب 48 وترحيلهم إلى غزة والضفة، وهذه العملية الجراحية ليست ممكنة إلا في ظل أسوار النار حول العراق وفي داخله، حيث يكون التركيز الدولي على ما يجري في هذا البلد، وليس في فلسطين، وكان مركز «جافية» للدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة تل أبيب قد أصدر تقريراً يشدد على خطورة التقاط المواجهة العراقية ـ الأميركية كأفضل خطة للتخلص من اعداد كبيرة من العرب، وتصحيح الميزان الديمغرافي في مصلحة اليهود في اسرائيل. ويصب ذلك بالتأكيد في مصلحة سياسة شارون ومخططاته الهادفة إلى ان يأتي الحكم في بغداد بنطام متعاون يقبل بتوطين ثلاثة ملايين لاجئ فلسطيني. وفي دراسة اعدتها باحثة يهودية تدعى دونا ابرزت بطلب من الادارة الأميركية اقترحت توطين اللاجئين في عدد من الدول بما فيها الولايات المتحدة والعراق ومصر والسعودية والكويت وسوريا ولبنان. واشتمل المشروع الذي اعدته الباحثة إلى مطالبة الاردن باستيعاب 168 ألف لاجئ في العام 2005. وكذلك مطالبة سوريا بتوطين 75 ألفاً، ومثلهم في لبنان اضافة إلى توزيع 519 ألفاً في مصر والسعودية والكويت والعراق، فضلاً عن 446 ألفاً موجودين حالياً في الدول الأربع الأخيرة. ذلك التضارب في أرقام الدراسات يبقى مجرد سوء تقدير أو سوء تفاهم على لغة احصائية تآمرية موحدة، أما التفاهم فلا وجود لما يسيء إليه، فالجميع في واشنطن وتل أبيب وبعض أروقة مصافي الشعوب وقضاياها في العالم متفقون على ان العراق وطن مثالي للتوطين، باقامة دولة فلسطينية فيه وبالتالي تقسيمه وفق الآلية والاهداف التي سبق الاشارة إليها، بحيث لا يعود العراق عراقاً، بل ثلاثة «عراقات»: عراق للعراقيين، والثاني للأكراد، بمن فيهم طبعاً الأكراد «العرب» والثالث عراق الفلسطينيين. هكذا تريد الولايات المتحدة العراق، سواء بقي صدام حسين أو رحل. وجهة نظر حقوقية ـ هل يفترض ان يكون الحصار على العراق بعد أكثر من عقد على فرضه، وما شهده من تغير وتحول على مستوى تحسين العراق لعلاقاته الخارجية ساقطاً وفق القوانين الدولية؟ سؤال طرحه «الملف السياسي» على الأمين العام المساعد لاتحاد الصحافيين العرب المحامي اللبناني عمر زين الذي أجاب بقوله: ـ نعم لأن العراق قام بتنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن ذات الصلة بفرض الحصار عليه، وبالتالي فإن مبررات استمرار هذا الحصار قد انعدمت، وان بقاءه يخالف ميثاق الأمم المتحدة ونصوصه، وكذلك الاهداف التي تسعى الأمم المتحدة لتحقيقها في ضمان السلم والأمن الدوليين، وعليه فإن الحصار بموجب القانون الدولي يعتبر ساقطاً ومنتهياً منذ عام 1995. وبالرجوع إلى تصريح كبير مفتشي الأمم المتحدة رولف ايكويوس في تلك السنة نرى انه أكد وبشكل جازم وقاطع بأن العراق بحينه نفذ 95% من الالتزامات التي رتبتها عليه القرارات الدولية، وقد تابع العراق تنفيذ الـ 5% الباقية لاحقاً ويعتبر الآن منفذاً لكامل التزاماته تجاه القرارات الدولية، ويجب رفع هذا الحصار الظالم عنه فوراً، بعد ان فقد كل المبررات والمسوغات القانونية والشرعية والانسانية والتي لا اعتبرها بالأصل موجودة، باعتبار ان الحصار بحد ذاته يشكل جريمة كاملة وهي جريمة الجنس البشري. ـ ما هي الحجة العربية للمطالبة برفع الحظر وتجاوزه؟ وهل يكفي تجميع جزئيات الواقع لتشكل الحجة اللازمة؟ وما هي بالتحديد؟ ـ هي ذات الحجة التي يرتكز ويبني عليها العراق مطالبته لرفع الحصار، وباعتبار ان أمن وأرض العراق جزء من الأمن القومي العربي وجزء من الأمة العربية والعراق عضو في جامعة الدول العربية والدفاع العربي المشترك، وهو في كل حال دولة ذات سيادة وأصبح الحصار عليها خروجاً عن نطاق القانون الدولي، واحكامه وقواعده المعروفة، كما ان منطقتي الحظر الجوي اللتين فرضتهما الولايات المتحدة وبريطانيا شمال وجنوب العراق خارج اطار الشرعية الدولية ولا علاقة لها بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. ـ هناك استهداف اميركي للعراق ولوحدة أراضيه، هل من معطيات بتقديركم لتقسيم العراق واقامة دولة في الشمال؟ ـ منذ أيام الخلافة الأموية والعباسية والأمة مستهدفة للضرب والتقسيم والتشرذم والاضعاف، إذن ليس هذا بجديد، ومنذ قرن ونيف والأمة العربية تعاني من ذلك وبقوة واصرار وتصميم، بحيث مافتئت الدوائر الأميركية والصهيونية تعمل على ايقاظ الفتنة وتأجيجها من عرقية وعشائرية ومذهبية وطائفية وعائلية وجغرافية وسواها، في كل دولة عربية وبين دولة ودولة. وعليه فإن مشاريع عديدة ترسم لهذه الدول لضربها وتفتيتها أكثر وأكثر، وان ما نسمعه مؤخراً عن اجتماعات لقيادات كرديه مع اجهزة المخابرات الأميركية لابد ان يصب بناء على طلب هذه الأخيرة بهذا الاتجاه، غير ان يقظة الاكراد العرب ويقظة الشعوب العربية وتضامنها وتكاتفها والاحترام المتبادل بين دولها وعدم التدخل في الشئون الداخلية لكل منها، واعتماد الديمقراطية والمشاركة الشعبية الواسعة وإعمال مبدأ سيادة حكم القانون والقضاء المستقل واحترام حقوق الانسان أساساً للحكم وإدارته بما توفر أسس التقدم والانماء لأمتنا العربية، كل ذلك كفيل برد هذه الهجمة على الأمة وبمنع حصول أي تقسيم لأراضي أي بلد عربي وخاصة العراق، لأن الهجمة الأميركية والصهيونية على أمتنا استفحلت ولابد ان يكون حجم المقاومة عندنا أكبر وأعظم، بدءًا من مقاطعة البضائع الأميركية والصهيونية واستعمال كل الأسلحة الشرعية والقانونية المتاحة التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الانسان ومبادئ القانون الدولي وأرستها حركات المقاومة لدى الشعوب. بيروت ـ وليد زهر الدين: