مع تزايد احتمالات ضرب العراق من قبل الولايات المتحدة الاميركية فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما دور القوى الاقليمية، وتحديدا الدول المجاورة للعراق في التحكم بالخيار الاميركي؟ وكما هو واضح فإن هذا التساؤل يجسد حقيقة في غاية الاهمية وهي ان القوى الاقليمية المجاورة للعراق تلعب الدور الحاسم، ذلك ان الولايات المتحدة بحاجة ماسة الى الكثير من الخدمات والتسهيلات اللوجستية التي تود الحصول عليها من الدول المجاورة للعراق، وعندما ترفض هذه الاخيرة تقديم مثل هذه التسهيلات والخدمات فإن الموقف الاميركي سيزداد صعوبة، وهو امر قد يضغط على واشنطن لتعيد النظر حتى بخطط ضرب العراق عسكرياً. ومن هنا التأكيد على اهمية دور هذه القوى ومدى دقة الحسابات والخيارات المتاحة لها، كما ان هذه المعادلة تؤكد ان مسألة ضرب العراق ليست قراراً اميركياً صرفا، بل ان هناك الكثير من العوامل الاخرى التي تتحكم فيه. رفض جماعي وحتى الآن يمكن التأكيد ان هناك رفضا جماعياً من قبل دول الجوار لضرب العراق، ففي تركيا تفجرت ازمة سياسية داخلية، وثمة من يؤكد انها ربما تكون ناجمة عن ضغوط اميركية على حكومة بولند اجاويد لكي توافق على تقديم التسهيلات العسكرية للقوات الاميركية في حال اتخذ قرار بشأن ضرب العراق. وقد عبرت مختلف اوساط الشعب التركي عن رفضها ومعارضتها الشديدة لأي هجوم على العراق، بالتالي فإن الوضع هناك في غاية الحساسية. وعلى الجانب الآخر هناك ايران التي تؤكد رسمياً بأنها تعارض كل الخطط والمشاريع المعروضة من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا لمهاجمة العراق. ويؤكد العديد من الخبراء انه على الرغم من ان العلاقات بين طهران وبغداد لاتزال تعاني من عدم الاستقرار بسبب حجم المشكلات والازمات المتراكمة على الصعيد الثنائي، إلا ان ايران ولاسباب استراتيجية لابد انها تقف بشدة ضد اي عدوان على العراق، لانها تدرك ان الخطوة التالية ستطالها هي بالذات، ولهذا السبب فإن طهران تبدو صادقة اكثر من غيرها في موقفها الرافض لاي هجوم على العراق. ونظراً لخطورة الامر وحساسيته فقد اضطر الاردن الى النفي رسميا لوجود قوات اميركية فوق اراضيه كجزء من الاستعدادات والتحضيرات الجارية لضرب العراق. واعتبر المراقبون والمحللون السياسيون هذا الموقف من جانب الاردن بأنه تعبير واضح عن رفض ومعارضة الشعب الاردني ـ بكل فئاته ـ لأي هجوم قد يتعرض له العراق، خاصة وان الاردن كان احدى الدول العربية التي وقفت الى جانب العراق خلال اجتياحه للكويت عام 1991. ولابد من الاشارة الى ان موقف دول مجلس التعاون الخليجي لا يقل وضوحا عن مواقف بقية القوى الاقليمية، اذ انه حتى الكويت وهي التي تعرضت للاجتياح العراقي عام 1991 اكدت رسميا انها لا توافق على شن أي هجوم عسكري جديد ضد العراق، على اساس ان الشعب العراقي هو الذي يدفع الثمن لواحد فقط، ولا يختلف الموقف السعودي عن مواقف باقي دول مجلس التعاون لان الرياض تدرك ان ضرب العراق سيخلق فوضى عامة في المنطقة. الخيارات الاميركية وفي ضوء هذه المعطيات الواضحة والمحددة فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما طبيعة الخيارات المتاحة امام الادارة الاميركية؟ بمعنى هل ان الولايات المتحدة ستأخذ بعين الاعتبار هذا الرفض الاقليمي لفكرة ضرب العراق؟ ام ان واشنطن ستصر على المضي قدما في تنفيذ سيناريو العدوان وفق الحلقات التي رسمت له؟ ان بمقدور الولايات المتحدة كقوة عظمى ان تهاجم العراق عسكرياً دون ان تكون بحاجة الى تسهيلات من القوى الاقليمية وتلك المجاورة للعراق، ولكن الخطة الاميركية لا تهدف الى تدمير المنشآت العسكرية العراقية بل انها تضع ـ نصب عينيها ـ هدفاً أساسياً وهو اسقاط نظام صدام، وهذا معناه ان الولايات المتحدة بحاجة الى استخدام قوات برية لتحقيق هذا الهدف سواء في شمال العراق او جنوبه، وبالتالي فإن تنفيذ هذا المخطط الاميركي لا يمكن ان يتم عبر «البراشوت» بل هو يحتاج الى قواعد ومسرح عمليات وتسهيلات لوجستية، وهي كلها عناصر لابد ان تقدم من قبل دول الجوار. ولما كانت هذه الدول رافضة لفكرة ضرب العراق فإن من الطبيعي ان يتأثر القرار الاميركي بمواقف هذه الدول، وثمة تأكيدات بأن مصير اي هجوم اميركي بات رهينة بيد القوى الاقليمية المجاورة للعراق وهذه الاخيرة يتوجب عليها ان تتخذ قراراً اكثر وضوحا حتى تسقط كل الذرائع والمسوغات الاميركية. ولا حاجة للتأكيد ان ضرب العراق لا يمكن ان يخدم مصلحة اي من دول الجوار، سواء كانت الكويت أو السعودية او تركيا أو غيرها. ووحدها اسرائيل هي التي تستفيد بالفعل من هذا العدوان لانه يزيح من طريقها قوة عسكرية مهمة ربما تشكل خطراً حقيقياً على اسرائيل في المرحلة المقبلة، كما ان ضرب العراق سيطلق يد اسرائيل في شئون المنطقة وبالتالي فإن حالة الحصار والضغط ستزداد على الشعب الفلسطيني ومن هنا التأكيد بأن الموقف العربي يفترض فيه ان يكون اكثر وضوحاً وفعالية وان يوجه رسالة واضحة الى الولايات المتحدة تؤكد رفض ومعارضة الدول والشعوب العربية لأي هجوم ضد العراق. ذلك ان حدوث امر كهذا سيدخل الشرق الاوسط في حالة من الفوضى الشاملة، وربما ادت التطورات الى حدوث تفاعلات وتداعيات قد تمس النظم العربية بالذات. وطبيعي انه لا مصلحة لأي حاكم عربي ان يتعرض لموقف كهذا، الامر الذي يؤكد اهمية وضرورة قيام تحرك عربي واقليمي اكثر جدية وتأثيرا في احباط اي هجوم اميركي على العراق. بقلم: غزوان عمر ـ صحفي سوري