واشنطن لا تريد اللعب بالنار على الرغم مما تملكه من قوة عسكرية، وتأييد من الدول الاوروبية وعلى رأسها بريطانيا، حيث ان المناخ السياسي في الشارع العربي غير ملائم، والحكومات العربية لا تريد منح الادارة السياسية الاميركية شيكا عن بياض لضرب العراق، مثلما حدث في حرب الخليج الثانية. فأسباب ودوافع اليوم مختلفة تماما على الامس، خاصة وان العراق لم يغلق الابواب تماما في وجه فرق التفتيش الدولية، وهو ما زال يتفاوض عبر القنوات الدبلوماسية مع المؤسسات الدولية والأمم المتحدة، من اجل الحصول على ضمانات امنية بحيادية لجان التفتيش على الاسلحة الكيماوية، كما ان الحكومة العراقية تمكنت خلال الاشهر الاخيرة من احراز بعض النجاحات السياسية، فقد خفف الرئيس العراقي صدام حسين من لهجة التحدي للحكومة الاميركية، وكسب بعض من الاصدقاء في أوروبا، ممن لهم مصالح اقتصادية تتعارض مع ضرب العراق. وقضية ضرب العراق واستمرار تهديد اميركا لها تعتبر واحدة من الملفات السياسية التي تحتل قائمة الاهتمامات العربية، وتدعو للمخاوف وتثير القلق في الاوساط الرسمية والشعبية. والسؤال الذي اصبح يشغل الشارع العربي هو ما مدى جدية اميركا في تهديدها بضرب العراق؟ وهل هي سياسة لاطالة امد الحصار؟ ام هو بالفعل انذار نهائي يعقبه هجوم عسكري اميركي على العراق؟ «الملف» طرح هذه الاسئلة وغيرها على الدكتور «برام دي يونغ» خبير شئون استراتيجية الحروب الدولية في العاصمة الهولندية امستردام من خلال هذا الحوار. التحريض الاسرائيلي ـ ما مدى جدية التهديدات الاميركية الحالية لضرب العراق؟ ـ ما من شك ان تصاعد التهديدات الاميركية مؤخمرا لضرب العراق له مغزى سياسي، موجه للعالم العربي بالدرجة الاولى، فواشنطن تريد توصيل رسالة للعرب مؤداها ان اميركا جادة في نواياها، وهي بذلك تحذرهم وتعرب عن عدم رضاها عن استمرار تصاعد لهجة الكراهية لاميركا التي تزايدت مؤخرا في وسائل الاعلام العربية، خاصة في كل من مصر والسعودية، التي تعتبرهما واشنطن جناحي التوازن وجسور المصالح الاقتصادية والسياسية الاميركية في المنطقة العربية. وعلى الجانب الثاني يجب ان يعرف الجميع بأن اسرائيل تغذي عملية تصعيد تلك التهديدات، ليس لضرب العراق بالتحديد، ولكن لاشغال فتيل اخر في المنطقة العربية يفيد حكومة شارون في تحقيق اهدافه مع الفلسطينيين، ويسلم من وجود اي نوع من الضغوط السياسية سواء الاميركية او الاوروبية، فكلما انشغلت اميركا وأوروبا والعرب ايضا بقضية ما غير الفلسطينية، فإن هذا الامر يسمح له باطلاق يديه في المنطقة. ـ هل تتوقع متى ستحدث هذه الضربة ضد العراق؟ ـ طبعا لا انا ولا غيري يستطيع تحديد ميعاد الضربة، لكن توجد ثمة مؤشرات قد تجعلنا نقترب من الحقيقة نسبيا. كما يعرف البعض وخاصة الخبراء العسكريين، انه كانت توجد خطة (أميركية ـ بريطانية) لضرب العراق في نهاية الربيع الماضي، الا ان هذه الخطة تسربت تفاصيلها، الامر الذي جعل مستشارة الامن القومي الاميركي، وكبار ضباط البنتاجون يغيرون من توقيت الضربة المقبلة للعراق، وجعل ساعة الصفر مفاجأة حتى لا تجهض العمليات العسكرية. والاقرب للتكهنات التي يوجد بها شيء من المصداقية، هو ان الجيش الاميركي لا يفضل الدخول في حرب بفصل الصيف الحارق، حيث ان ارتفاع درجة الحرارة لمعدلات عالية يقلل من قدرات وكفاءات المقاتل الاميركي فليس من المستبعد ان تبدأ العمليات العسكرية في شهر سبتمبر المقبل. شرعية غائبة ـ هل توجد اهداف اخرى لضرب العراق غير ما تعلنه واشنطن بخصوص فرق التفتيش على اسلحة الدمار الشامل والاسلحة الكيماوية؟ ـ لقد خرجت واشنطن من الدائرة الموضوعية للسياسة ودخلت في بوتقة حددتها بعدة عناصر منذ احداث 11 سبتمبر تتمثل في: 1) اعادة كرامة الشعب الاميركي ورفع رأسه في الساحة الدولية، وهي مسألة سيكولوجية مرتبطة باظهار مدى قدرة البيت الابيض «وعلى رأسه الرئيس بوش» في توفير الامن والحماية للشعب الاميركي، وفي هذا الاطار يلعب الصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين دورا اساسيا، حيث ان الرئيس بوش لا يريد الوقوع تحت مقصلة النقد من طرف الحزب الديمقراطي واعضائه داخل الكونجرس الاميركي. 2) فرض الطاعة على الدول والحكومات العصية لاوامر حكومة اميركا، ورغبة واشنطن في استمرار القيام بدور الشرطي العالمي. 3) تغيير خارطة الشرق الاوسط وتعطيل قيام تكتلات او وحدة عسكرية عربية، وهو عنصر تحركه الصهيونية والتكتلات اليهودية داخل اميركا، وتدفع بذلك لصالح اسرائيل. 4) انهاء المشكلة الكردية بمكاسب اهمها تعزيز موقف اميركا في المنطقة، وضمان بقاء الولاء التركي لحلف شمال الاطلنطي، على اعتبار ان تركيا هي الدولة الاسلامية الوحيدة العضو في هذا الحلف العسكري، وتعتبر مفتاحا وبوابة امنية وعسكرية لأوروبا وأميركا للمنطقة العربية او كما يقال منطقة الشرق الاوسط. 5) التوصل لصيغة مقبولة مع حكومة انقرة تضمن وحدة سياسية اميركية ـ تركية، لكي تحقق اميركا اهدافها في تلك المنطقة الحيوية والاستراتيجية. ـ وماذا عن سيناريو الضربات العسكرية المتوقعة؟ ـ وفقا للخطة العسكرية التي تسربت اسرارها لوسائل الاعلام، تلك التي كان مقرر لها ان تبدأ في ربيع هذا العام، كانت ستتم بتعاون بريطاني يلعب دورا اساسيا في المعركة، فلا تزال اميركا ترى في بريطانيا المستعمر السابق الذي له خبرة بالدول العربية، واستراتيجية اميركا العسكرية ستعتمد على الضربات الجوية بالدرجة الاولى، واهم اهدافها ستكون وسائل الاتصالات والمواصلات الحيوية في العراق، والتركيز على مقار الرئيس صدام حسين املا في اسقاطه واسقاط حكومته وأعوانه، ولو نجحت واشنطن في اقناع تركيا بالتعاون معها، من الممكن ان تستخدم اراضيها لادخال قوات مشاة ارضية، ولو لم يتحقق ذلك فليس امام اميركا الا القيام بعمليات اسقاط جوية لقوات المشاة الميكانيكية، اسوة بما حدث في افغانستان. خارج التوقعات ـ هل تسعى اميركا لتقسيم العراق؟ ـ هذا الهدف موجود لدى الادارة السياسية الاميركية، لكنه مرتبط بموافقة كل من تركيا وايران، فحكومة انقرة لها وجة نظر تختلف عن حكومة طهران، الامر الثاني هو موقف الاكراد الحالي سياسيا من قضيته، هل سيبقى على حاله ام سيتغير بفعل التطورات العسكرية، فمن المعروف ان الاهداف السياسية لا يمكن تحقيقها كاملة الا اذا تطابقت مع الخطة العسكرية، واضيف بأن اميركا لا تستطيع التكهن بما ستسفر عنه نتائج الضربات العسكرية، فليس من المستبعد ان تفرض الحرب متغيرات تخرج عن التوقعات الاميركية، فمن الممكن حدوث مفاجآت منها انضمام الاكراد للعراق، او دعم طهران للعراق من الخلف، او عدم موافقة تركيا. فعملية تقسيم العراق لن تكون بالسهولة التي يتوقعها البعض، كما انه لا يمكن اغفال دور الشعب العراقي في المقاومة حال حدوث الحرب وكل هذه الحسابات يجب وضعها في الميزان السياسي والاقتصادي والامني. ـ ماذا عن توقعاتك بخصوص الامن القومي العربي ودور دول الجوار؟ ـ انا لست خبيرا بالشئون العربية، وأرى عن بعد تعقيدات وملابسات كثيرة على الساحة العربية، لكن من خلال ما اطلع عليه من تقارير دبلوماسية وعسكرية، اجد معارضة دبلوماسية عربية شديدة لضرب العراق، خاصة من السعودية ومصر وسوريا، ولا توجد دولة عربية صديقة لاميركا تؤيد ضرب العراق، لسبب استراتيجي مهم جدا هو اذا كانت واشنطن ستضرب العراق اليوم فمن سيكون عليه الدور غدا؟ ـ هل تتوقع دورا سياسيا للمعارضة العراقية؟ ـ المعارضة العراقية ورقة مهترئة وأميركا وبريطانيا على علم تام بذلك، لكن الدعم الاميركي المالي واستضافة بريطانيا للمعارضة هو من لزوم الديكور السياسي وتخويف حكومة صدام فقط، وباختصار سيثبت التاريخ القريب ان المعارضة العراقية في الخارج هي نمر من ورق امستردام ـ د. سعيد السبكي: