لايزال الموقف الأوروبي، والفرنسي خاصة، من الاستعدادات الاميركية لغزو العراق، يكتنفه الكثير من الضبابية والغموض. فمن خلال التصريحات المعلنة ووسائل الاعلام الفرنسية والاوروبية عامة، هناك معارضة واضحة الى حد كبير ودعوات متكررة لاستخدام وسائل الضغط السياسي بدلاً من الغزو العسكري في التعامل مع الشأن العراقي. لكن في المقابل ليس هناك على الصعيد العملي ما يدل على وجود موقف جاد وفاعل من قبل الدول الاوروبية (فرادى أو مجتمعة) للتأثير على الموقف الأميركي وابعاد شبح الحرب الجديدة ضد العراق، رغم ما تنذر به من ابعاد خطيرة على منطقة الشرق الاوسط كلها، بما في ذلك المصالح الحيوية لأوروبا في هذه المناطق، فضلا عن المآسي الانسانية التي ستلحقها مثل هذه الحرب بشعوب المنطقة، فوق مالحق الشعب العراقي طوال السنوات الماضية بفعل الحصار المفروض عليه. «الملف» التقى في باريس الباحث الفرنسي جان ـ ميشيل فيرنوشيه وهو باحث في مراكز علمية عديدة في فرنسا وعلى الخصوص « مركز الحقوق والتنمية » في باريس. وقام بزيارات عديدة إلى العراق. وينشر باستمرار في مجلات فكرية عديدة مثل « السياسة الأجنبية » الفرنسية. كما قام بالتدريس في معهد الصحافة الفرنسي لسنوات عديدة. وفي الحوار التالي يلقى الأضواء على الموقف الفرنسي والأوروبي من الضربة الأميركية المحتملة ضد العراق . ـ ما هو رأيك بما نشرته مؤخرا صحيفة « الغارديان » البريطانية حول وجود خطة سرية بين طوني بلير وجورج بوش لضرب العراق ؟ ـ قبل كل شيء لا تحتاج الولايات المتحدة إلى اتفاق سري بينها وبين بريطانيا لضرب العراق القوتان الأنكلو ـسكسونية الأميركية ـ البريطانية سواء اتفقتا هاتان القوتان على بنود سرية أم لم يتفقا فأن الاتفاق المبدئي بين هاتين القوتين موجود قبل فترة طويلة. ـ تنص الخطة الأميركية ـ البريطانية على نشر قوة من حوالي 50 إلف مقاتل وضرب العراق مباغتة ما هو رأيك بصدقية هذه الخطة ؟ ـ لا تدهشني هذه الخطة أعتقد أن الولايات المتحدة اتخذت قرارا بضرب العراق والمعلومات التي تسرب إلى الصحافة غرضها على الأكثر التغطية على المعلومات الحقيقية. وقد يكون الغرض منها إجبار العراق على قبول عودة المفتشين عن الأسلحة إلى العراق. وهذا تحليل ينطوي على الكثير من السخرية لأن المفتشين عن الأسلحة عادوا أم لم يعودوا إلى بغداد فأن هذا الشأن لا يهم الولايات المتحدة في حقيقة الأمر. ـ المعروف أن الموقف الفرنسي والأوروبي تميز بالتذبذب في دعم العراق ما هو رأيك ؟ ـ أقول أن الموقف الفرنسي يعارض بشدة توجيه أي ضربة للعراق ولكن فرنسا لا تتمتع بالقوة الكافية على جميع الأصعدة من أجل أن تتفاوض مع الولايات المتحدة فرنسا أضعفت دبلوماسيا من قبل أوروبا كما أن أوروبا أضعفت من قبل فرنسا. لا توجد بعد سياسة أوروبية موحدة لحد الآن. يمكن أن لا نستنكر هذا الأمر أي عدم تمتع فرنسا أو أوروبا بقوة معينة في مواجهة الولايات المتحدة ولكن ينبغي أن نكون واقعيين وعمليين لا أقول أن لفرنسا مواقف سلبية تجاه العراق لكنها (فرنسا) مضطرة لاتباع واللحاق بالولايات المتحدة. ـ لكن ما هي المبررات التي يمكن للولايات المتحدة أن تقدمها للعالم في توجيه ضربة للعراق ؟ ـ الولايات المتحدة لا تحتاج أن تقدم المبررات لضرب العراق أو أي بلد آخر منذ تفجيرات ال 11 من سبتمبر فهي بعبارة أخرى تحررت من تقديم أي مبررات. على الرغم من أن العراق لم يستقبل الإسلاميين. والمعروف أن النظام العراقي يعارض الإسلام الثوري. وهناك أسطورة حول امتلاك العراق للأسلحة البيولوجية والكيميائية. ـوهل أن هذا السلاح المفترض عند العراق يلعب دورا في التوازن الإقليمي والدولي ؟ ـ بالنسبة لي أتحفظ على هذا التحليل. أعتقد أن العراق حتى لو كان يمتلك مثل هذه الأسلحة فأنه سيستخدمها من أجل الدفاع عن نفسه ولكن ليس لغرض الهجوم أبدا. ـ هناك إجراءات معينة اتخذتها كل من تركيا وإيران والكويت في حالة توجيه الولايات المتحدة لضربة ضد العراق لأنهم يتصورن أن ملايين العراقيين سيعبرون الحدود في هذه الحالة ؟ ما هو رأيك بهذه التحركات وهل هي مبررة ؟ ـ أولا تعرف إيران أنها الهدف الثاني إذا ما ضرب العراق أما بالنسبة لتركيا فأنها لا تريد كردستان مستقلة وتخضع للحكم الذاتي وربما ظروف المقايضة التي قدمت إلى الأكراد لكي تستخدم الجبال المرتفعة كخلفية وكقاعدة خلفية للأميركيين. تركيا مترددة لأنها تتخوف من قيام كردستان شبيهة على أراضيها لأن الحكم الذاتي يؤدي إلى الاستقلال على الدوام. ـ ولكن هناك ضغوطات أميركية على تركيا المثقلة بالديون حيث قدمت لها وعودا بقروض تبلغ 36 مليار دولار كتعويض من أجل فسح المجال لضرب العراق ؟ ـ نعم أن تركيا في وضع اقتصادي محرج وهذا ما يؤدي إلى أزمة سياسية والولايات المتحدة تعرف هذه الحقيقة. وقد تم فتح نافذة لهم ولكن ليس لفترة طويلة الأمد مع روسيا والصين ولكن هذه الدول ليست لها المقدرة على التصادم أو فرض آرائها على الولايات المتحدة. ولذلك فأن الولايات المتحدة ستعمل في الأشهر والسنوات المقبلة من أجل البحث عن الدعم الدبلوماسي. ـ وما هو دور إسرائيل في هذه الضربة المحتلمة ضد العراق ؟ ـ لإسرائيل منافع من هذه الضربة وعلى الخصوص بين التيارات الصهيونية المتشددة داخل إسرائيل. والعراق لا يشكل أي تهديد ضد إسرائيل على الرغم من تحشيد القوات العراقية في جنوب البلاد وهي لا تعارض لا الدولة الإسرائيلية ولا الشعب اليهودي ولكنها ضد الصهيونية. و حل القضية الفلسطينية تمر عبر اختفاء النظام العراقي لأن هذا النظام يدعم الكفاح الفلسطيني معنويا ولا أقول ماديا. العراق ومن ثم سوريا لا تدع الفلسطينيين وحيدين أمام المفاوضين الإسرائيليين. ـ في حالة توجيه ضربة للعراق ماذا سيكون عليه حالة منطقة الشرق الأوسط بأسرها في نظرك ؟ ـ الاميركيون يعتقدون بأنهم سيسيطرون على الأوضاع ولا أدري إذا كانوا على خطأ أم صواب. ومشكلة العالم العربي وأنت تعرف مثلي هي الخلافات العميقة التي تمزقه فيمكن أن يحشد العالم العربي الشارع في التظاهر إلى جانب الفلسطينيين وفي التحليل النهائي أن الفلسطينيين وحدهم في الصراع وكذلك العراقيون الذين سيصبحون في عزلة كبيرة. ـ ألا تعتقد بأن الولايات المتحدة تقترف خطأ بضرب العراق في الوقت الحاضر؟ ـ نعم. باعتباري فرنسيا وأوروبيا فانني أعارض استخدام القوة لأن هناك أساليب عديدة أخرى يمكن انتهاجها في علاقة الغرب مع النظام العراقي. السياسة الأميركية تدعي الكثير من القيم الأخلاقية وقوى الخير... الخ وتقود في الوقت ذاته سياسة كارثية في العالم. وهي سياسة لا يمكن أن تستمر طويلا. ولا تجد الولايات المتحدة سوى طريق العنف في التعامل مع العالم وهذا يحدد من قيمتها بل ويجعلها تنغلق في منطقها الخاص ولا تجد طريقا للخروج منه. ـ هل تعتقد أن الضربة الأميركية المحتملة للعراق ستكون مختلفة عن حرب الخليج لأن العالم وعلى الخصوص بلدان الخليج العربي لا تقف بالضرورة مع الولايات المتحدة ما هو رأيك ؟ ـ أعتقد أن بلدان الخليج من خلال ما نراه من أصداء لسياستها ترى أن هناك حلولا أخرى للعراق. وربما لأن إسرائيل بحاجة إلى بيئة توتر يحققها لهم الأميركيون. السياسة الأميركية لا تستهدف العراقيين أو العرب بصفتهم بل أنها تقف ضد كل دولة تستقل برأيها وتفرض سيادتها على سبيل المثال يوغسلافيا السابقة أكبر دليل على ذلك وهنا لا أريد امتداح أحد بل أن سياسة هذه البلدان ومن ضمنها العراق سياسة تتميز بالاستقلالية وفرض السيادة وهذه السياسة لا مكان لها في النظام العالمي الجديد. ـ لكن الولايات المتحدة ستضرب الشعب العراقي والبنية التحتية العراقية وليس النظام السياسي في البلد ما هو رأيك ؟ ـ تقوم الولايات المتحدة بالسيطرة على أوضاع أفغانستان بسرعة، ولكي تسيطر على أوضاع العراق يجب عليها إسقاط النظام العراقي بدلا من ضرب الشعب العراقي وبنيته التحتية وربما أخطأت في هذا التقدير. ـ على الرغم من أن أوضاع العراق لا تشبه أوضاع أفغانستان لكن الهدف من هذه الضربة كما يؤكد الخبراء هو من أجل الاستيلاء على البترول ؟ ـ ليس البترول كما هو، لأن الولايات المتحدة تمتلك البترول والمعلوم أن من يسيطر على البترول يسيطر على مصير هذا العالم لأن السيطرة على بترول الشرق الأوسط تعني الاستيلاء على أوروبا واليابان. وهي وسيلة غير مباشرة للهيمنة والسيطرة. ليس البترول فقط بل الهيمنة على مصادر الطاقة بصورة عامة وربما اليورانيوم المتوفر في السودان. أعتقد أن عمر البترول لم يعد طويلا لأنه سوف ينفد بسبب الحرارة الكونية وتأثيراتها. ولكن في غضون السنوات العشرين أو الثلاثين المقبلة سيكون النقطة التي من خلالها تتم السيطرة على العنصر الجيوـ سياسي في العالم. ـ هل أن هذه الحرب المحتملة ضد العراق هي استراتيجية للسيطرة على العالم؟ ـ نعم. بات هذا الأمر واضحا للعالم. الأميركيون يدعون بأنهم يحلون السلام على المناطق التي يتدخلون فيها. أعتقد أن التدخل العسكري أمر سيء. والمسألة الجوهرية تكمن في إننا لو نظرنا إلى مسألة البلقان وأفغانستان والقضية السودانية فسيبرز امامنا السؤال التالي : ما هي الأهداف السياسية والجيوـ سياسية لأميركا ؟ هل أن أميركا تريد السلام فعلا أم أنها تؤسس نقاط توتر في العالم يسمح بتواجدها من ناحية وتدخلها بالتالي. المشكلة البلقانية سمحت للأميركيين أن يؤسسوا قاعدة أميركية عملاقة في « مسدوان » منذ الحرب الباردة حتى لو أنها تظاهرت بالانسحاب من البوسنه وتبقى البلقان نقطة توتر في العالم. وكذلك أفغانستان التي لم يقدر الأميركيون أن يتحركوا على أرضها. وفي الشرق الأوسط تغير الولايات المتحدة استراتيجيتها وتكتيكها لأنها لم تعد تمارس ثقلها في الدول البترولية وهذا الدور سمح لها أن تبقى في المنطقة في العقود الأخيرة. ـ هل تعتقد أن السلطة العراقية قادرة على مواجهة الضربة الأميركية المحتملة ؟ ـ لا أعتقد أن العراق يتمكن من مواجهة الضربات الجوية الأميركية التي ستكون على نطاق واسع ومكثف. فالعراقيون لا يمتلكون لا القوة المادية ولا المعنوية لمواجهة مثل هذه الضربة. ـ ما الذي يتوجب على العراق أن يفعله ؟ ـ ما عليه إلا أن يصلي حوار: شاكر نوري: