ان كانت الولايات المتحدة تعتبر نفسها مطلقة الصلاحية في ادانة أية دولة أو في اعلان الحرب عليهاوتهديدها بمعزل عن الشرعية الدولية (والتي لها وحدها حق العقاب في حالة الخروج على ميثاقها وتهديد السلم والأمن العالميين)، فانه من حق المجتمع الدولي ايضا ان يرد على انتهاك حقوقه بكل الوسائل الممكنة لحماية وجوده وأمنه من هذا السلوك الذي لم يعهد العالم مثله في العصر الحديث. والواضح ان الادارة الأميركية، وبعد احداث سبتمبر الماضي، اخذت تنتهج نهجا عدوانيا يعتمد على قوة غاشمة في غاية الشراسة، بهدف تحقيق مصالحها من دون اعتبار لمصالح الآخرين، وحقوقهم باستثناء المصالح «الاسرائيلية» التي ادرجتها ضمن مصالحها الحيوية الاستراتيجية. ولقد اخذت المؤامرة الاميركية ضد العراق، في الاونة الأخيرة ابعادا خطيرة تؤشر الى ان الولايات المتحدة بدأت في وضع مخططها موضع التنفيذ، وطرحت الكثير من الاتهامات التي لا تستند الى اي دليل حسي ملموس، او اي مسوغات قانونية او شرعية لتبرير الاعتداء عليه بهدف تغيير نظامه، ومن البديهي عندما يتم التطرق الى الهدف الأميركي من العدوان على العراق، ان يصار الى معرفة البعد «الاسرائيلي» في المخطط الذي ترسمه واشنطن للعراق، كذلك ان يصار الى رصد المخاطر التي يمثلها العدوان الأميركي، ليس على العراق فحسب بل على كل الدول العربية، ودول الجوار، والاهداف الحقيقية المرسومة له. ولا يمكن النظر بعين اللامبالاة او عدم الاكتراث للتسريبات التي تصدر من وسائل الاعلام عن ملامح الخطة الاميركية لضرب العراق وصوغ الذرائع او المبررات لتوجيه هذه الضربة، لتسويقها على الرأي العام العالمي، وهي ذرائع تندرج تحت مظلة مكافحة الارهاب التي اصبحت واسعة فضفاضة بحيث تتسع لأي هدف تضعه الولايات المتحدة و«اسرائيل» نصب اعينها، ذلك ان واشنطن لا تجد سببا محددا لتبرير اعتدائها على العراق، فالمسألة ليست في قضية عودة المفتشين الدوليين لبغداد، ولا هي تكمن في تقديم دليل واحد على مشاركته في احداث سبتمبر الماضية، ولا على وجود اسلحة دمار شامل لديه، مع العلم ان وجود ادلة في أي من الحالتين المذكورتين لا يعطي الولايات المتحدة اي حق او سلطة في مهاجمة العراق، اذ يقضي ميثاق الامم المتحدة بضرورة مراجعة مجلس الأمن، واستصدار قرار بالادانة، وتحديد المسئولية، وبيان العقوبة، وطريقة التنفيذ. لذلك فانه لم يعد خافيا ان الاصرار الاميركي على شن عدوان على العراق يدخل في سياق المصالح «الاسرائيلية» المباشرة، من اجل تمهيد الطريق لاقامة منظومة عربية تنخرط في المحور الأميركي ـ الاسرائيلي الذي يهدف لتشكيل خارطة جغرافية ـ سياسية جديدة في المنطقة تمثل «اسرائيل» محورها واساسها. وهكذا توسعت الاستباحة الاميركية لطمس الحقوق المشروعة للعراق تحت وطأة سلوك مزمن ونهج ثابت في سياسة واشنطن، وفرضت عليه قواميس ومعايير استثنائية، بحيث صارت العقوبات الاقتصادية التي أنزلتها واشنطن قدرا محتوما لا فكاك منه، مع تزايد التردي العربي، فبقدر ما كان التضامن العربي يتراخى ويتفكك، بقدر ما كانت واشنطن تنفلت في استباحتها للعدوان على بغداد، واستفرادها بملفاتها الساخنة، في حين تجمدت القرارات الدولية ضد «اسرائيل» بمشيئة أميركية وامتنع على مجلس الأمن اتخاذ اي قرارات بسبب الفيتو الاميركي، البند الجاهز للتلويح حال تعرض المصالح «الاسرائيلية» للضرر. اعتبارات الداخل الاميركي ورغم تساقط التبريرات الاميركية التي تساق ضد العراق، والتي تفتقر الى المصداقية والاقتناع، فان الوصول لهدف ضربه والاعتداء عليه يعتبر مدخل التغيير المطلوب، ولن يكون الا البداية لعملية واسعة تستهدف مجمل دول المنطقة، وذلك يقتضي اشكالا شتى من التدخل سواء بالوسائل العسكرية ام بممارسة الضغوط لحمل الدول على الاذعان والرضوخ، لا سيما مع رجحان كفة الصقور في الادارة الأميركية، ومع تضافر عدة عوامل ضاغطة تحمل ادارة بوش على المضي قدما في تصعيد الموقف وتأجيجه. فاستمرار الحال والمراوحة في الوضع الراهن تهدد بتقليص الدعم الداخلي لبوش وبتآكل وتداعي الزخم والاندفاع لخوض الجولات القادمة في الحروب الموعودة، يضاف الى ذلك، ان انتخابات الكونغرس ـ كل مجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ ـ باتت على مسافة اشهر فقط، «في نوفمبر المقبل» ، وحزب بوش الجمهوري، قد يخسر الاغلبية في مجلس النواب، اذا بقي الوضع الاقتصادي على هبوطه، وهو لا يملك الاكثرية في مجلس الشيوخ الآن، وليس من المتوقع ان يسترجعها في الانتخابات المقبلة التي تشكل الاختبار الاولي التقريبي لمعركة الرئاسة في عام 2004، والتي تبدأ الاستعدادات بعد عام من الآن، وبما يؤكد ان سياسة بوش هي الاعلان الاوضح بأن العالم بات اكثر من مرة رهينة امزجة الزعماء الاميركيين، ومصالحهم الشخصية. فتصريحات الرئيس الاميركي في مطلع الشهر الحالي، كانت من بين اشد التصريحات اثارة للغرابة واحتواء على التناقض، لا سيما انه صال وجال وهدد بغداد باستخدام اشد الاسلحة فتكا، وجاهد ايضا بكل ما يملك من حجج لنفي علاقته بالفضائح الخطيرة الاخيرة في العديد من كبريات الشركات الاميركية، وهو لم ينف فقط علاقته بها او علمه المسبق، بل وعد بالقيام بخطوات لانهاء الازمات الكبرى وفضائح الفساد التي لم يسبق لها مثيل، ومن تعهد للنجاح في الوفاء بذلك، ليس بسبب عمق الازمات والفضائح فحسب بل ايضا بسبب دلائل بدأت تظهر في وسائل الاعلام، والاوساط السياسية الاميركية، حول تورطه شخصيا، وتورط اطراف اقتصادية ومالية مؤيدة له، والمبالغ تصل لعشرات المليارات وغالبيتها تتعلق بشركات دعمت حزبه الجمهوري، ودعمته شخصيا في الانتخابات، كفضيحة شركة «انرون» ومضاعفاتها السياسية والمالية، والتي يعتقد انه ووالده ونائبه على علاقة وثيقة بها، مما يظهر عمق الترابط بين تلك الموضوعات في سياسة الادارة الاميركية، ويذكر بالعدوان الذي تعرض له العراق عام 1998 على خلفية فضيحة الرئيس السابق كلينتون. لذلك فان العدوان على العراق سيكون اوسع من عمق فضيحة بوش الحالية، بالاضافة لكونه حسب اعتقاد الادارة الاميركية يمكن من السيطرة على العراق وموارده كهدف اساسي للشركات المفلسة التي تدعم الادارة الاميركية، ناهيك عن ان هذه الحرب ستبعد انظار الاميركيين نوعا ما عن الفضائح الداخلية، مما يضمن لبوش الاجماع الكاسح الذي يكفل طمس الهموم الاخرى ولو الى حين. واذا كانت الاعتبارات الداخلية مرشحة لتسهم في تسريع المواجهة مع العراق، الا انها ليست الدافع الاساسي، فهناك حسابات اخرى ابعد واخطر، وباتت تتحكم بصناعة القرار ورسم الاستراتيجيات في واشنطن، وبالتحديد مع وصول بوش الابن للادارة، تلك التوجهات بدأت تتبلور مع نهاية الحرب الباردة عندما راحت تتفشى طروحات الهيمنة المكشوفة والاعتماد على القوة المتفوقة كواحدة من أهم ادوات السياسة الخارجية الأميركية. الرئيس بوش وطاقمه في الادارة لم يخف منذ البداية نزوعه الى احتضان هذه التوجه، بل انتمائه لهذا الخندق، حين سارع لرفع لواء «التفرد والتفوق» باعتبارهما حقا وامتيازا خاصين بالولايات المتحدة لكونها القوة العظمى الوحيدة على الساحة الدولية، وتجلى ذلك في رفض واشنطن الانضمام لعديد من الاتفاقيات الدولية، او الانسحاب من عدد منها، ومع وقوع احداث سبتمبر الماضي وجدت ادارة بوش المركب الملائم للعبور بتوجهاتها الى شاطئ التنفيذ والترجمة وطرح مذهبها بوضوح في السياسة الخارجية، انطلاقا من ان مبدأ القوة والتأكيد على التفوق الاميركي في هذا المجال سيشكل نقطة الارتكاز لكل ما ينطوي عليه ذلك من عزم على الاملاء وعلى التدخل العسكري في العالم، واخذ المبادرة في توجيه الضربات العسكرية من دون عودة الى المرجعيات الدولية وقنواتها، وذلك بهدف صياغة وضع لواشنطن يتيح لها الزعامة والمرجعية لقيادة العالم، وان الدول التي ترفض المصير المحتوم تضع نفسها وتصنف نظامها في «محور الشر» حسب الادعاءات الاميركية. ومن الواضح، ان تلك الحسابات الاميركية تترافق مع محاولات واشنطن المستمرة والمتواصلة لاعادة صياغة العالم، طبقا لمصالحها الاستراتيجية وتكريس هيمنتها عليه. مواجهة الخطر وفي هذا السياق، اخذت خريطة سياسية عالمية جديدة تتشكل في خضم هذا التوتر الدولي، ويبدو ان التحالفات الدولية سيطالها التغيير، بل يظهر ان العالم يدخل بخطى بطيئة، ولكن ثابتة، حربا باردة جديدة، وان لم تتحدد اطرافها بوضوح، لكن ملامحها اخذت تبدو في الافق العالمي، فالمشهد السياسي على صعيد الاتحاد الأوروبي يتمظهر في دخول علاقات الولايات المتحدة مع الاتحاد الاوروبي في فترة مخاض عسير قد يكون ميلاده حافلا بالمفاجآت، لأن الجانبين يخوضان حرب الكلام، بل وحرب انتفاضة الاتحاد على القطبية الاحادية. ويتقارب موقف الاتحاد الأوروبي مع الموقف الروسي حيال واشنطن، في مسألة الاعتداء والهجوم على العراق، فهما معا اعلنا انهما يرفضان اي هجوم ضده، وانهما لا يعتبران العراق بلدا ارهابيا، ويفضلان حل الخلاف القائم بين العراق والامم المتحدة بطرق الحوار والتفاهم بدلا من العدوان عليه، كما يبدو ان هذا الاستنتاج قد تم التوصل اليه من خلال زيارة وزير الخارجية الفرنسي الى روسيا، كذلك تساءل وزير الدفاع الايطاليا «انطونيو مارتينو» امام مجلس النواب في روما «ان كان الاتحاد الاوروبي سيطلب ادلة وبراهين على ان العراق ينتج اسلحة دمار شامل قبل الموافقة على عملية عسكرية ضد هذا البلد»، مما يشير لوجود معارضة دولية ضد توجيه ضربة عسكرية للعراق، فبغداد العاصمة العربية بكل رمزيتها العاطفية والتاريخية والثقافية قد تسلحت بما يشبه الاجماع على معارضة مثل هذا الاعتداء. واذا تجاوزنا موقف حلفاء واشنطن من ممارساتها واتجهنا الى المدى الاوسع فان الدول الاسلامية ادانت السلوك الاميركي، وكذلك فعلت الدول الافريقية، وانتهاء بالدول العربية كاملة، واخر من عبر عن ذلك الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى، الذي وصف الرفض العربي ضد توجيه اي اعتداء للعراق بأنه تنفيذ لقرار آخر قمة عربية حيث كان الموقف اقرب ما يكون الى الموقف الموحد حيال الشأن العراقي، ولعله قد يكون من قبيل التفاؤل تصور ان الموقف العربي مع العراق سيكون افضل من مواقفه في اوقات سابقة، والعراق طالب مؤخرا بعقد جلسة طارئة للجامعة العربية لبحث التهديدات الواقعة عليه، ولكن الاهم من ذلك هو حقيقة ما يمكن ان يكون عليه الموقف العربي في حال وقوع أي هجوم على بغداد، والمعلن رسميا هو الموقف الرافض للعدوان. والواقع ان «العبرة» ليست في الا يوافق او يرفض العرب فكرة الهجوم على العراق او غيره من الدول العربية، بل العبرة فيما اذا كانت الدول العربية قد اتخذت او يمكن ان تتخذ الاجراءات القادرة على منع وقوع الهجوم او مواجهته في حال وقوعه، دون ترك العراق او البلد العربي تحت طائلة الهجمات ومن دون مؤازرة، ولا يخفى على احد انه قد يكون في مثل هذه المواقف لا معنى للمناشدات الفارغة لوقف العدوان او اصدار بيانات تنديد واستنكار، كي لا تتهم الدولة المستنكرة بمساندة الارهاب، فقد آن الاوان للقادة العرب الوصول لموقف عربي موحد، وتفادي حرب اميركية على العراق بكشف اضرارها الكارثية التي بالتأكيد ستصيب المنطقة كلها. وبجانب ذلك فقد تحدث تطورات في دول اخرى، وفي تركيا التي تشهد ساحتها السياسية ازمة تكاد تعصف بالحكومة الحالية، فيدور النقاش في اوساطها السياسية والاعلامية بين تناقضات حول مدى امكانية تقديمها العون لواشنطن فيما لو قامت بالاعتداء على بغداد. وسائل الاعلام الرسمية تجمع على رفض انقرة القاطع لمقترحات الولايات المتحدة، بتأسيس دولة كردية في شمال العراق تضم مدينة كركوك الغنية بالنفط وعلى أساس ان يتم منح تركيا نسبة من نفط كركوك، هذا الموقف الرافض، اشار اليه الرئيس التركي «احمد نجدت سيزار» خلال زيارته الاخيرة لطهران، واكد عليه خلال المباحثات التركية مع رئيس الاركان السوري العماد «حسان تركماني» خلال زيارته لانقرة. لكن هذا الموقف يواجه بمفارقة تركية مناقضة، حين تعكس وسائل اعلام اخرى ان لتركيا اطماعا تاريخية بالاراضي العربية، وتحديدا في الموصل وكركوك، وان صدق ذلك، فان على الاتراك الذين خبروا مثل العرب، وعلى مدى عقود طويلة، نوايا الولايات المتحدة، والنتائج الكارثية لسياساتها، الا يعودوا مجددا للمراهنة على تلك السياسات والنوايا، ولعل في ذلك تناسى لحقيقة واقعه ومثبتة مرارا، مفادها تزايد اثارة الفتن بين الشعوب الاسلامية، ونشر الفرقة واشعال الازمات وحتى الحروب، والشهادات على ذلك اكثر من ان تحصى لا سيما في العقود الثلاثة الماضية. بالاضافة لذلك فان انقرة تكون واهمة للغاية لو اعتقدت للحظة انه يسمح لها بالتوسع خارج حدودها او ضم الثروات النفطية والمائية الهائلة للموصل وكركوك. لذا فالموقف التركي لا بد ان يركن الى دعوة للتعقل والحكمة حفاظا على سلامة شعوب المنطقة عربا واكرادا واتراكا، وتماسك وحدتهم الوطنية ومناهضة سبل تنفيذ سيناريو «بلقنة العراق» وتقسيمه لثلاث دويلات ستدخل بالتأكيد في منازعات دموية مذهبية وعرقية، تفكك البلد وتنهي وجوده كقوة بشرية وجغرافية واقليمية يعتد بها، او تسمح لدول الجوار ان تقضم اجزاء فيه بغض طرف مقصود من اللاعبين الكبار. وتبقى الحاجة الملحة على العرب في التحرك دوليا لاخطار القوى الكبرى ومختلف قطاعات الرأي العام برفض السيناريوهات المرسومة للعراق، والتحذير من النتائج المترتبة عليها. فسلامة العراق مسئولية عربية يتحملها الجميع جماهيرا وحكومات، وقوته جزء أساسي في قوة الوطن العربي، ويتوقف المستقبل العربي على قدرة العرب في منع هذا العدوان وتفتيته. بقلم: نوار القيسي ـ كاتبة عراقية