عجيب هذا العالم الذي نعيشه. من الذي كان يصدق ان الولايات المتحدة التي استطاعت ايام الرئيس «رونالد ريغان» ان تخلخل امبراطورية الاتحاد السوفييتي، الى ان هوت وتضاءلت الى حجم اقل طموحا واكثر فاعلية، من يصدق ان هذه الدولة الاعظم في العالم تتمايل لان بنايتين في مدينة نيويورك تهاوتا امام العيون بين مصدق ومكذب؟ ونسمع ان اميركا تشن الحرب ضد الارهاب بسبب احداث 11/9، وان اقتصادها تعثر بسبب 11/9، وان الشركات الكبرى متعدية الجنسية تبرك على ركبها بعد 11/9، وان الاخلاق والمثل في الشركات تكشف عن خبائث لا يعلم مداها الا الله، وكل ذلك بعد 11/9. هل هو الاعلام والتوجيه داخل اميركا الذي يبقي المجتمع الاميركي، افرادا ومؤسسات، في حالة خوف ووجل دائمين، ويبقي الجميع واقفاً مشدوداً على اخمُصِ قدميه متطلعا الى المستقبل بقلق وترقب، ام ان المجتمع الاميركي كان بحاجة الى هزة، او فحص حامضي، حتى تتكشف نقاط الضعف التي فيه ام هل هي سمة من سمات المجتمع القوي الذي يعترف بنقاط ضعفه، ولا يأبه بكشفها امام الخلق كلتهم حتى يستطيع احتواء هذه المشكلات، وحصرها، ومن ثم معالجتها؟ وقد رأينا في الفترة الاخيرة طفرة في الكتابات داخل الولايات المتحدة وخارجها في سعي منها لتفسير ما يجري، وبعضهم يقول ان الحل يكمن في تبني القوانين الصارمة ضد الفساد والمفسدين، والبعض الاخر لا يريد ان يحيل ملف الفساد المركز المتقدم الذي حققه «ملف» مكافحة الارهاب من اهمية كبرى على سلم اولويات الادارة الاميركية، ويقول ان الدواء يكمن في ملاحقة «الارهاب» و«محاور الشر» ومنتجي اسلحة الدمار الشامل، ويريدون توجيه الموازنة نحو هذه الأهداف. واخرون يقولون ان العلاج الامثل هو مواجهة جذور الازمات كلها داخل الولايات المتحدة وخارجها، ووضع الحلول العادلة المنصفة لها، بدءا من فلسطين خارجاً، وانتهاء بوضع المعايير الدقيقة لقياس اخلاقيات العمل و«البزنس». ولذلك، فان الرئيس الاميركي يواجه ضغوطاً من ثلاثة اتجاهات اولها الآلة العسكرية ومن خلفها جزء كبير من «اللوبي الصهيوني» لابقاء الخيارات العسكرية ضد العراق، وايران، ومنظمات «الارهاب» حية ومستمرة، وهنالك اللوبي المحافظ الذي يريد متابعة الارهاب وملاحقته ضمن حدود ويريدون احياء المؤسسات والشركات التي استثمر فيها الكثيرون وباتت مهددة بالضياع وهؤلاء يمثلون الخط الوسط، او المواطن الاميركي العادي الوسطي، الذي انتخب الرئيس «بوش». وهنالك جهة ثالثة اصلاحية تريد ان تنأى بأميركا عن المغامرات الخارجية، وتود التركيز على الداخل. ولكن ايا كانت الخيارات التي سوف يقررها الرئيس جورج ووكر بوش الابن وكبار العاملين في ادارته، فانها سوف تؤثر تأثيرا كبيرا على الوطن العربي، ومصالحه، فاذا اختارت الادارة ان الاسلم لها هو ضرب الارهاب، ومحاصرة ايران او مهاجمة العراق عسكرياً بهدف تغيير نظام الحكم فيه، فمن الواضح ان نتائج مثل هذه المخاطرات ستكون وخيمة على الوطن العربي. وليس من الواضح في هذه الحالة ان تتحرك اميركا لوضع حل للازمة الفلسطينية المعقدة، والتي صفعت الكرامة العربية بتداعياتها المجحفة. ولا داعي للتفصيل في نتائج هذه الحرب، ولا بتأثيراتها السلبية الكبيرة على المستقبل العربي، منطقة ودولاً. اما اذا اختار الرئيس الاميركي الاستمرار بمكافحة الارهاب خارجياً دون الدخول في حرب كبيرة، بل بالمتابعة المستمرة عبر الطرق الاستخبارية والهجمات المحدودة المنتقاة، وجرب ان يسعى لحل القضية الفلسطينية مع ابقاء الضغط والحصار على العراق، والسعي لقلب نظام يحكم على المدى الطويل، فان المنطقة العربية ستدخل حالة من القلق، والتنافس فيما بينها، والسعي لتحييد الولايات المتحدة في علاقاتها الثنائية مع الدول العربية. وستكون اثار هذه التطورات على الأقطار العربية متباينة، ولكنها ليست ايجابية في حصيلتها، الا اذا تم التوصل الى حل للقضية الفلسطينية. اما الخيار الثالث، وهو عند الاقلية داخل الولايات المتحدة وادارتها، وهو الخط الاصلاحي، الذي يريد ان ينأى بالولايات المتحدة عن المغامرات الخارجية، والتوجه لحل المشكلات الداخلية، والسعي للوصول الى حل للقضية الفلسطينية يقوم على قرارات الامم المتحدة حفاظاً على مصالح الولايات المتحدة في النفط وغيرها، وان اتخذت الولايات المتحدة هذا بخيار، فهو من الواضح الاجدى لها ولنا. ومن الواضح ان الرئيس بوش يواجه حاليا خيارات صعبة، فانفجار الازمة الاقتصادية في سوق البورصة، وسوق العملات، وسوق التجارة، هو الذي سيشغل باله كي يواجه الحملة الانتخابية في شهر نوفمبر المقبل بدرجة من الثقة والأمل في كسب مقاعد اكثر لصالح حزبه في مجلس الشيوخ والنواب، وقد يقترح عليه البعض ان الازمة الاقتصادية لن تحل خلال شهرين او ثلاثة، وان البديل الافضل هو حرب خارجية، وفتح الباب على انفاق عسكري قد يحرك عجلة الاقتصاد، ويحيي المشاعر الوطنية لدى الشعب الاميركي، فيرون فيه الرئيس المحارب والمدافع عن امن اميركا ومصالحها الاستراتيجية. ولذلك، فان الساحة مفتوحة داخل اميركا للتأثير على قرارات الرئيس، والسعي للعمل معه خلال الأشهر المقبلة، اما اذا اخليت الساحة للعسكريين الاسرائيليين ودعاة الحرب لكي ينفردوا بالتأثير على القرار، ان التحرك السياسي، ونجاحه ممن لديهم مصداقية لدى الولايات المتحدة، هو المطلوب الان. ان خطورة الولايات المتحدة اعظم بكثير علينا وهي تستشعر ضعفها من حالة اطمئنانها لقوتها.