مرة أخرى نعود للحديث حول استخدام الفضائيات العربية من قبل العديد من المسئولين الفلسطينيين للإدلاء بتصريحات عديدة، ومتناقضة في كافة المجالات، التي تخص عملهم أم لا، وكأن كل واحد من هؤلاء هو الناطق الرسمي باسم السلطة الوطنية الفلسطينية، ويتحدث كما يحلو له من آراء وأفكار بل ويتحدث بمواقف رسمية باسم السلطة، ويأتي مسئول آخر بعده سواء على نفس الفضائية أو فضائية أخرى، ويدلي بآرائه وأفكاره ومواقفه التي تتناقض جزئيًا أو كليًا عن حديث المسئول الذي قبله، وينسى كل هؤلاء أن تصريحاتهم يجب أن لا تخرج عن الموقف الرسمي الحقيقي للسلطة الفلسطينية، حتى ولو كانت لا تعجبهم وتتناقض مع أفكارهم وآرائهم الشخصية. إن هذا لا يعتبر حجرًا على حرية الرأي والفكر، ومن حق كل إنسان أن يكون له رأيه الحر وفكره الذي يقتنع به، ولكن هذا الرأي والفكر لا يجوز أن يستخدم من خلال الموقع الرسمي للمسئول في السلطة طالما بقى في موقعه الرسمي، ومن هنا فإن على أي مسئول أن يختار بين الاستمرار في موقعه الرسمي في السلطة، وهنا عليه الالتزام بالموقف الرسمي لها بأن تكون تصريحاته مطابقة تماما لهذا الموقف في مجال عمله ويترك التصريحات السياسية والرسمية للناطق الرسمي باسمها، أو أن يختار الطريق الآخر بترك موقعه الرسمي ثم يصرح بعد ذلك كيفما يريد، حتى لا يحدث البلبلة والإشاعات في الشارع الفلسطيني وتتوه الحقيقة ويسود الغموض وتترك الأمور للتحليلات الشخصية والتوقعات لكل فرد من أبناء شعبنا. مما لاشك فيه أن وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية تستغل هذه التصريحات المتناقضة، لتختار منها ما يحلو لها للإساءة للسلطة الوطنية الفلسطينية أمام شعبها وأمام العالم أجمع، خصوصًا فيما يتعلق بالإصلاحات والمواقف الرسمية التي تحدد أهدافها وخط سيرها، والتغييرات في المواقع القيادية التي أصبحت تُنشر وتتناقل في الفضائيات ووسائل الإعلام قبل صدورها رسميًا من القيادة الفلسطينية، حيث يكون منها ما هو حقيقي، ومنها ما هو ادعاءات وتمنيات لمن يقوم بتسريبها لوسائل الإعلام، بحيث أصبح كل مسئول قيادي لا يعرف أنه تم إقالته أو نقله إلا من الفضائيات ووسائل الإعلام المختلفة، مما يسبب له الإرباك الشديد، والتخبط في أعماله وأقواله وتصريحاته وردوده على ما سمعه إلى أن تصله الحقيقة بعد ذلك بصورة رسمية من القيادة الفلسطينية، وصدور بيان رسمي منها لينفي أو يؤكد ما ذكر عنه، ومن المؤسف أن هذا المسئول القيادي الذي يذكر اسمه فيما ورد لا ينتظر صدور البيان الرسمي من السلطة ويبدأ باستخدام أجهزة الإعلام في ردوده وتعليقاته على ما سمعه من الفضائيات حول وضعه. إن هذا ما حدث عندما كان الحديث حول إعادة التشكيل الوزاري الجديد، بحيث طرحت أسماء عديدة حول من سيتم بقاؤهم في مواقعهم الوزارية، ومن سيتم تغييرهم، ومن سيتم استحداثهم كوزراء جدد، وما تلا ذلك من تكهنات وإشاعات وأسباب، وكثيرًا من الأشخاص أصبحوا يعتقدون أنهم وزراء جدد بصورة أكيدة، إلى أن تم صدور مرسوم رسمي بالوزارة الجديدة، وبالرغم من ذلك استمرت الإشاعات والادعاءات التي يروجها غير الحريصين على المصلحة الوطنية عن الأسباب التي دفعت القيادة لاستمرار بقاء الوزير الفلاني، أو تغيير الوزير الفلاني، أو تعيين الوزير الجديد الفلاني بناء على طلب من الجهة الفلانية، وكل هذه الإشاعات والادعاءات لا تهدف إلا إلى التشكيك في القيادة والإساءة لها للإيحاء لمن يهمهم ذلك بأنها أصبحت لا تستطيع اتخاذ قرارات صحيحة. ومؤخرًا تكرر نفس المنوال حول التغييرات في المواقع القيادية لبعض رؤساء الأجهزة الأمنية في الضفة والقطاع، وكان هذا بسبب عدم الإحساس بالمسئولية الوطنية من بعض المسئولين المطلعين على ما يجري من أحاديث ونقاشات داخل القيادة الفلسطينية، بحيث يقومون بتسريب ما يجري من نقاش وقبل اتخاذ القرارات الرسمية إلى وسائل الإعلام والفضائيات لإشعارها أنهم على اطلاع ببواطن الأمور، وأن لهم التأثير والقوة في اتخاذ القرارات، ومن المؤكد أن هذا يسبب إحراجًا كبيرًا للقيادة الفلسطينية، ويثير البلبلة والإشاعات في الشارع الفلسطيني للتشكيك في قيادته الوطنية. وبقيت هذه البلبلة إلى أن صدرت المراسيم الرئاسية حول التغييرات في قيادات الأجهزة الأمنية، ومن المؤكد أن هذه التغييرات لاقت استحسانًا وترحيبًا من البعض وغضبًا واستنكارًا من البعض الآخر، خصوصًا من ذكرت اسماؤهم ضمن الإشاعات وعبر الفضائيات قبل إعلامهم بها، بحيث تبين لهم أن وسائل الإعلام وجهات أخرى خارجية تعرف مصيرهم قبلهم، والسبب في ذلك هو عدم الحرص على المصلحة الوطنية العليا ممن سربوا النقاشات التي تدور في القيادة الفلسطينية قبل صدور القرار والمرسوم الرئاسي بالتغيير. وما زاد الوضع سوءًا هو قيام وسائل الإعلام والفضائيات بتناقل خبر عن إقالة مدير المخابرات بالضفة الغربية العميد توفيق الطيراوي، الذي كان قد أعلن عنه قبل ذلك من الحكومة الإسرائيلية أنه مطلوب أمنيًا لإسرائيل لعلاقته في بعض العمليات الفدائية ضد إسرائيل، وقد سبب خبر وسائل الإعلام عن إقالته إرباكًا كبيرًا في الشارع الفلسطيني، بما يوحي وكأنه تنفيذًا للمطلب الإسرائيلي تمهيدًا لقيام قوات الاحتلال الإسرائيلي باعتقاله أو اغتياله، ولكن القيادة الفلسطينية أدركت خطورة هذه الادعاءات حوله، خصوصًا أنها كاذبة ولا أساس لها من الصحة، مما دفعها وعلى لسان مدير المخابرات العامة الفلسطينية اللواء أمين الهندي، وعلى لسان نبيل أبو ردينة المستشار السياسي للرئيس ياسر عرفات بنفي هذه الادعاءات رسميًا والتأكيد أنه لا أساس لها من الصحة حرصًا من القيادة على وقف البلبلة في هذا الشأن. إن كل هذا يؤكد إصرارنا على محاربة الإشاعات الكاذبة، ومطالبة كافة المسئولين الفلسطينيين بالحرص على المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، وعدم تسريب النقاشات والأحاديث التي تجري داخل القيادة لوسائل الإعلام المختلفة، لأنهم بهذا يقدمون لأعداء شعبنا على طبق من ذهب ما يوحي كذبًا ضعف القيادة والمبرر لهم بالتدخل في شئوننا الفلسطينية، إضافة إلى تسببهم في التشكيك في القيادة والبلبلة في الشارع الفلسطيني. كما نؤكد على ضرورة إصدار التعليمات الرسمية لكافة هؤلاء المسئولين بالسلطة بعدم التعامل مع الفضائيات ووسائل الإعلام فيما هو خارج عن نطاق عملهم الرسمي، ونناشد القيادة الفلسطينية أن تقوم دائمًا بالرد الفوري على الإشاعات والادعاءات الكاذبة من خلال الناطق الرسمي باسم السلطة الوطنية الفلسطينية، والناطق الرسمي باسم الرئيس ياسر عرفات، لإزالة الغموض لدى شعبها الذي يثق بها ولتوضيح الرؤية والحقيقة له مهما كانت لسد الطريق على أعداء الشعب الفلسطيني في استغلال كل إشاعة وخبر تتناقله وسائل الإعلام والفضائيات للإساءة لها والتشكيك بها. وأخيرًا يجب على كل مسئول في السلطة أينما كان موقعه احترام قرارات القيادة الفلسطينية والالتزام الفوري بتنفيذها، ولا يجوز لأحد مهما بلغت قوته من المسئولين العاملين في السلطة استخدام وسائل الإعلام والفضائيات للاعتراض على قرارات القيادة الفلسطينية طالما هو باقٍ على رأس عمله في السلطة.