ضمن احتفالات مصر باليوبيل الذهبي لثورة يوليو أقامت دار الكتب والوثائق القومية معرضا يضم عددا من الصور النادرة للزعيم جمال عبدالناصر وعددا من وثائق الثورة في سنواتها الأولى أفرجت عنها دار الكتب والوثائق. وتعكس الصور تلاحم الجماهير مع ثورة يوليو. منذ بدايتها كما تصحبنا الصور في جولات مع عبدالناصر وهو يخطب أو يصلي أو يتحدث مع طفلتين أو يستقبل جواهر لال نهرو ويتحدث اليه أو يطل من برج القاهرة أو يستقبل رؤساء وملوك دول عربية وأجنبية، القاسم المشترك في كل هذه الصور هو الابتسامة الواسعة ونظرة العينين الساحرتين والقوام الفارع الذي نمت فيه معاني الكبرياء والشموخ. أما الوثائق التي أفرجت عنها دار الكتب واصدرتها في كتاب فإنها تثيرقضية وثائق ثورة يوليو، تلك القضية الشائكة التي تؤرق الباحثين والمؤرخين الذين يسعون الى كتابة التاريخ الحقيقي للثورة بصورة صحيحة.. فمعروف أن أغلب وثائق الثورة مازالت مجهولة، وبشكل عام فإن هناك مؤسسات عديدة في مصر من المتوقع أن تكون لديها وثائق ثورة يوليو، من هذه الجهات رئاسة الجمهورية وقصر عابدين ودار الكتب والوثائق القومية ودار المحفوظات وأقسام الوثائق في الوزارات والهيئات السيادية المختلفة. ولأن قانون الوثائق المصري الحالي لا يلزم جهات الدولة المختلفة التي تصدر الوثائق بتسليمها الى دار الوثائق القومية باعتبارها الأرشيف القومي للبلاد ولا يعاقب المسئولين السياديين الذين لا يحافظون على الوثائق التي تصدرها الجهات التي يرأسونها فمن المتوقع أن كمية لا بأس بها من وثائق الثورة قد أخذها هؤلاء المسئولون معهم اثناء خروجهم من دوائر الحكم والمسئولية. الموقف اذن فيه قدر كبير من الارتباك وهو مايجعل الباحثين يحتفون بما يتم الافراج عنه من وثائق الثورة من أي جهة كانت خصوصا وان المدة القانونية التي يتم فيها حجب الوثائق قد انتهت ومن هنا جاء الاحتفاء بوثائق الثورة التي افرجت عنها دار الكتب والوثائق القومية وفحصها بطريقة تعيد قراءة التاريخ على أسس علمية وواقعية. وأول وثيقة قدمتها دار الوثائق في المعرض والكتاب هي منشور سياسي سري لحركة الضباط الاحرار قبل الثورة، ويعد هذا المنشور نموذجا للمنشورات التي كان يصدرها التنظيم ويوزعها داخل الجيش وخارجه، وتعبر لغة المنشور عن الوعي السياسي لهؤلاء الضباط وطبيعة التناقضات الحادة للدولة المصرية قبل الثورة وحجم الفساد والتحلل الذي دفع بالحركة الى ضرورة الثورة على هذه الأوضاع الفاسدة. ويوجه المنشور خطابه الى الضباط مباشرة ويناديهم «أيها الضباط» ويذكرهم ان «طريق الحرية يجذب اليه الاحرار» وان «طريق الخيانة يحتشد فيه الخونة وأذناب الاستعمار» وأن الوطن انقسم الى معسكرين معسكر الاحرار ومعسكر العبيد «وعلى الاحرار أن يتكلموا ويرتفع صوتهم لأنه الصوت الوحيد الذي ترتعد له أوصال الخونة وأسيادهم دعاة الاستعمار وجنوده» ويقول المنشور «أيها الضباط: ان عدونا الاول والأكبر هو الاستعمار وهؤلاء هم خدمه وعبيده»... معا من أجل مطالب الأمة: ـ اطلاق الحريات السياسية ـ تزويد الشعب بالسلاح وفتح باب التطوع على نطاق شعب لا حكومي. ـ تزويد الجيش بالسلاح من كل البلاد التي تبيعه لنا. ـ قطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع بريطانيا ايها الضباط الاحرار.. حطموا العبيد، واطردوا الخونة واللصوص، وطهروا الجيش، جيش الشعب وليس جيش الحاكمين.. واهتفوا جميعا: يسقط الاستعمار. الكفاح المسلح هو طريق النصر. اعطوا الشعب الحرية ليطرد الاستعمار. ونقرأ وثيقة بخط البكباشي أركان حرب جمال عبدالناصر وهي صورة لجانب من خطة الضباط الاحرار للاستيلاء على مراكز الجيش ليلة 23 يوليو والوثيقة مليئة بالرموز والشفرات. وفي وثيقة ثالثة تقرأ البيان الأول لقيادة الثورة الذي أذيع في صباح يوم 23 يوليو 1952 من محطة القاهرة اللاسلكية «الاذاعة»، ويقول البيان اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الاخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتها بفلسطين. أما فترة مابعد الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمره اما جاهل أو خائن أو فاسد فأصبحت مصر بلا جيش يحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم ولابد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب. أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب، وانني أذكر للشعب المصري أن الجيش اليوم كله اصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجردا من أية غاية. وانتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب الا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف لأن هذا ليس في صالح مصر. وأن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاونا مع البوليس. واني اطمئن اخواننا الاجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم ويعتبر الجيش نفسه مسئولا عنهم والله ولي التوفيق. 23 يوليو 1952 توقيع اللواء محمد نجيب القائد العام للقوات المسلحة. وتأتي الوثيقة الرابعة بتوقيع اللواء الذي اصبح فريق أركان حرب محمد نجيب القائد العام للقوات المسلحة وهي انذار موجه الى الملك فاروق في صباح يوم 26 يوليو عام 1952 يطالبه بالتنازل عن الحكم لابنه الأمير أحمد فؤاد. تقول الوثيقة: من الفريق أركان الحرب محمد نجيب باسم ضباط الجيش ورجاله الى جلالة الملك فاروق الأول: انه نظرا لما لاقته البلاد في العهد الأخير من فوضى شاملة عمت جميع المرافق نتيجة سوء تصرفكم وعبثكم بالدستور وامتهانكم لارادة الشعب حتى اصبح كل فرد من أفراده لا يطمئن على حياته أو ماله أو كرامته. ولقد ساءت سمعة مصر بين شعوب العالم من تماديكم في هذا الملك حتى أصبح الخونة والمرتشون يجدون في ظلكم الحماية والأمن والثراء الفاحش والاسراف الماجن على حساب الشعب الجائع الفقير. ولقد تجلت آية ذلك في حرب فلسطين وماتبعها من فضائح الأسلحة الفاسدة وماترتب عليها من محاكمات تعرضت لتدخلكم السافر مماأفسد الحقائق وزعزع الثقة في العدالة وساعد الخونة على ترسم هذه الخطى فأثرى من أثرى وفجر من فجر وكيف لا والناس على دين ملوكهم لذلك، قد فوضني الجيش الممثل لقوة الشعب ان أطلب من جلالتكم التنازل عن العرش لسمو ولي عهدكم الأمير أحمد فؤاد على أن يتم ذلك في موعد غايته الساعة الثانية عشرة من ظهر اليوم «السبت الموافق 26 يوليو عام 1952، والرابع من ذي القعدة 1371ه» ومغادرة البلاد قبل الساعة السادسة مساء اليوم نفسه، والجيش يحمل جلالتكم كل مايترتب على عدم النزول على رغبة الشعب من نتائج. وتأتي الوثيقة الخامسة مباشرة وفي نفس اليوم 26 يوليو 1952 وهي أمر ملكي رقم 65 لسنة 1952 يتضمن تنازل الملك فاروق عن العرش الى ولي عهده الأمير أحمد فؤاد تقول الوثيقة: نحن فاروق الأول ملك مصر والسودان: لما كنا نتطلب الخير دائما لامتنا ونبتغي سعادتها ورقيها. ولما كنا نرغب رغبة أكيدة في تجنيب البلاد المصاعب التي تواجهها في هذه الظروف الدقيقة نزولا على ارادة الشعب. قررنا النزول عن العرش لولي عهدنا الأمير أحمد فؤاد واصدرنا أمرنا بهذا الى حضرة صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا رئيس مجلس الوزراء للعمل بمقتضاه صدر بقصر رأس التين في 4 ذي القعدة سنة 1371 / 26 يوليو سنة 1952. أما الوثيقة السادسة التي نقرأها ضمن وثائق ثورة يوليو التي أفرجت عنها دار الكتب والوثائق القومية فهي اعلان جمهورية مصر في يونيو 1953 وهو اعلان دستوري من مجلس قيادة الثورة موقع باسماء اعضاء المجلس برئاسة اللواء محمد نجيب، ونرى توقيع البكباشي اركان حرب جمال عبدالناصر يأتي بعد توقيع نجيب مباشرة. تقول الوثيقة: بسم الله الرحمن الرحيم لما كانت الثورة عند قيامها تستهدف القضاء على الاستعمار واعوانه فقد بادرت في 26 يوليو 1952 الى مطالبة الملك السابق فاروق بالتنازل عن العرش لأنه كان يمثل حجر الزاوية الذي يستند اليه الاستعمار. ولكن منذ هذا التاريخ ومنذ الغاء الاحزاب وجدت بعض العناصر الرجعية فرصة حياتها ووجودها مستمدة من النظام الملكي الذي اجمعت الأمة على المطالبة بالقضاء عليه قضاء لا رجعة فيه، وان تاريخ أسرة محمد علي في مصر كان سلسلة من الخيانات التي ارتكبت في حق هذا الشعب، وكان من أولى هذه الخيانات اغراق اسماعيل في ملذاته، واغراق البلاد بالتالي في ديون عرضت سمعتها وماليتها للخراب حتى كان ذلك سببا تعلقت به الدول الاستعمارية للنفوذ الى أرض هذا الوادي الأمين، ثم جاء توفيق فأتم هذه الصورة من الخيانة السافرة في سبيل محافظته على عرشه قد خلت جيوش الاحتلال أرض مصر لتحمي الغريب الجالس على العرش الذي استنجد باعداء البلاد على اهلها وبذا اصبح المستعمر والعرش في شركة تتبادل النفوذ، فهذا يعطي القوة لذاك في نظير هذه المنفعة المتبادلة فاستذل كل منهما باسم الاخر هذا الشعب واصبح العرش هو الستار الذي يعمل من ورائه المستعمر ليستنزف أقوات الشعب ومقدراته ويقضي على كيانه ومعنوياته وحرياته. وقد فاق فاروق كل من سبقوه من هذه الشجرة فأثرى وفجر وطغى وتجبر وكفر، فخط بنفسه نهايته ومصيره. فآن للبلاد ان تتحرر من كل اثر من اثار العبودية التي فرضت عليها نتيجة لهذه الأوضاع. فنعلن اليوم باسم الشعب: أولا: الغاء النظام الملكي وحكم اسرة محمد علي مع الغاء الالقاب من اسرة محمد علي. ثانيا: اعلان الجمهورية ويتولى اللواء «أركان الحرب» محمد نجيب قائد الثورة رئاسة الجمهورية مع احتفاظه بسلطاته الحالية في ظل الدستور المؤقت. ثالثا: يستمر هذا النظام طوال فترة الانتقال ويكون للشعب الكلمة الأخيرة في تحديد نوع الجمهوية واختيار شخص الرئيس عند اقرار الدستور الجديد. فيجب علينا ان نثق في الله وفي أنفسنا وان نحس بالعزة التي اختص الله بها عباده المؤمنين والله المستعان والله ولي التوفيق. ومن الوثائق أيضا وثيقة بتاريخ 2791953 بمصادرة أموال الملك السابق فاروق ووثيقة بتاريخ 26 سبتمبر 1953 بتشكيل محكمة الثورة وهي عبارة عن أمر صادر من مجلس قيادة الثورة، وقد تشكلت المحكمة من عبداللطيف البغدادي رئيسا وحسن ابراهيم وأنور السادات عضوين. ووثيقة بانشاء مجلس الخدمات العامة بتاريخ 17 أكتوبر 1953 ووثيقة قرار من مجلس قيادة الثورة بمصادرة ممتلكات اسرة محمد علي، ووثيقة قرار من مجلس قيادة الثورة بتاريخ 17 ابريل 1954 بقبول تخلي اللواء محمد نجيب عن رئاسة الوزراء ووثيقة قرار من مجلس قيادة الثورة بتاريخ 17 إبريل 1954 بتكليف البكباشي أركان حرب جمال عبدالناصر بتأليف الوزارة، ووثيقة هامة عبارة عن مشروع قرار من مجلس قيادة الثورة بتاريخ 26 يناير 1956 بترشيح الرئيس جمال عبدالناصر لرئاسة الجمهورية. يقول نص الوثيقة: مجلس قيادة الثورة بعد الاطلاع على الاعلان الدستوري الصادر في 10 فبراير سنة 1953 قرر مادة وحيدة: يرشح الرئيس جمال عبدالناصر لرئاسة الجمهورية في الاستفتاء الذي يجري يوم السبت الثالث والعشرين من شهر يونيو سنة 1956 التوقيع اعضاء مجلس قيادة الثورة