شكلت ثورة يوليو في مصر تحولا مهماً في مسيرة التحرر الوطني والقومي لم تتوقف اثارها عند حدود مصر بل تعدتها الى أقطار عربية عديدة والى عدد من دول العالم الثالث واذا كانت هذه الثورة، قد شكلت بداية التحول في الواقع العربي الذي كان لايزال قسم منه يرزح تحت الاحتلال الاجنبي فقد أعطاها توقيتها استقطابا عربياً واقليمياً تجلى في الدور المهم الذي لعبته مصر بعد الثورة على المستويات العربية والاقليمية والدولية خاصة بعد قيامها باجراءات التأميم ومواجهة العدوان الثلاثي عليها وكسر طوق احتكار السلاح عليها ودعم حركات التحرر الوطني العربية والافريقية والاسيوية الامر الذي اعطاها دورا ومكانة هامتين. وقد عملت على تأكيد هذا الدور من خلال العمل على بلورة اتجاه جديد على الساحة الدولية لا يخضع السياسات الاستقطاب الدولي التي كانت تتمثل بصراع القوتين العظميين انذاك وهما الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة اذ تجلى ذلك في بلورة مفهوم عدم الانحياز لمنح العالم الثالث دورا فاعلا في الاستراتيجية الدولية وفي تحقيق الأمن والسلام في العالم والدفاع عن حق الشعوب في تقرير المصير واختيار النهج السياسي الذي يتطابق مع مصالحها وتوجهاتها الوطنية. ولا يخفى ان الثورة حققت انجازات مهمة على المستويات الاجتماعية والثقافية والعلمية ساهمت في تعزيز زعامة الرئيس جمال عبدالناصر واستقطاب التأييد الشعبي فالى جانب العمل على تحقيق العدالة الاجتماعية وتمصير المؤسسات الاقتصادية والمالية في مصر كانت هناك مجانية التعليم والرعاية الصحية المجانية وبناء السد العالي لكن الجانب الأهم الذي مثلته الثورة من خلال زعامة الرئيس عبدالناصر كان التوجه القومي الوحدوي والعمل من اجل تحقيق الوحدة العربية ومقاومة المشروع الصهيوني في فلسطين الا ان شكلت هزيمة يونيو عام 1967 نكسة خطيرة في الوجدان العربي استدعت من الوعي الفكري والسياسي العربي اعادة قراءة الواقع من جديد وادراك عناصر الهزيمة فيه. واليوم وبعد مرور كل تلك السنوات الطويلة على الثورة وبعد النقد الكثير الذي وجه اليها سواء على مستوى غياب الديمقراطية وتكريس الزعامة الأحادية وبناء الدولة الأمنية بأجهزتها التي تسيطر على كل شيء واخفاق تجربة الوحدة بين مصر وسوريا فان السؤال الذي يبقى هل انتهت الثورة بانتهاء رمزها وهل تشتت الحركة الناصرية التي كانت تفتقد اصلا الى نظرية سياسية واضحة وهل تجاوز الواقع الراهن في طروحاته وحركته خطابها وقيمها التي طرحتها ام مازالت قادرة على التجدد والتطور والفاعلية وان رموز الناصرية وتياراتها الفكرية والسياسية في الوطن العربي مازالت قادرة على اعادة صياغة مشروعها وتطويره كلها اسئلة كثيرة مازالت تطرح نفسها وللاجابة عليها التقت «البيان» عددا من المفكرين الناصريين وممثليها من السياسيين. يقول فايز اسماعيل: الأمين العام لحزب الوحدويين الاشتراكيين السوري: لا أسمح لنفسي الحديث بهذه المناسبة قبل ان اقف امام شخصية الرئيس الراحل جمال عبدالناصر لقد كان قائداً قومياً عربياً وقائداً عالمياً أيضا اولا حين ننظر اليه نجد قامة ممشوقة ووجهاً معبراً وذكاء لماحاً وثقة بالنفس وطاقات تشع من عينيه هذا الرجل حين يخطب كان يسحر الجماهير بخطبه ولاسيما الارتجالية منها، كان ينفعل مع ما يلقيه من هذه الخطب فتجد وجهه معبرا متحمساً في مواجهة الاستعمار وديعاً هادئاً بالنسبة لحديثه مع الشعب وهكذا دواليك.. لقد استطاع هذا الشعب بكفاءاته، بقدراته، بمواقفه النضالية ذلك لانه ما جاء الى ثورة يوليو الا بعد ان خاض حرب الفالوجة عام 1948 اثبتت وجوده وما أمكن للاسرائيلييين ان يطيحوا بهذه المجموعة الا بعد مفاوضات لاسيما ان الحرب كانت قد ألقت اوزارها حين عادوا لتأسيس الضباط الاحرار كان الرئيس جمال عبدالناصر منتخباً من قبل هذه القيادة اما محمد نجيب ما جاءوا به الا لان رتبهم جميعا لم تكن مناسبة فجاءوا بمحمد نجيب لانه كان لواء يعني لم يكن معهم في تنظيم الضباط الاحرار. الحقيقة انه هو الذي خطط وهو الذي نفذ مع اخوانه مرحلة 23 يوليو الرئيس جمال عبدالناصر بطل قومي وبطل وطني استطيع ان اقول انه لأول مرة في تاريخ مصر استطاع ان يقيم نظام الجمهورية وينهي ظاهرة النظام الملكي وهذا موقف كبير جدا ولاسيما وان العائلة المالكة التي ينتمي اليها الملك فاروق حكمت مصر قرابة قرن ونصف. من ناحية اخرى اكد عبدالناصر عروبة مصر وقال ان مصر دولة عربية وهذا ليس غريباً عنه، ذلك ان عبدالناصر هو من صعيد مصر من قبيلة بني مر وينتمي الى قحطان وهذا مشهور ايضا لذلك كانت عروبته تجري في دمائه وكان يعبر عنها في كل مناسبة وفي كل ظرف لذلك انقلبت مصر من مرحلة الاقليمي الى مرحلة العروبة والقومية العربية وهذا موقف كبير ايضا، والشيء الاخر المهم ان مصر كانت الطريق الأساسي والاستراتيجي لبريطانيا الى الهند وكانت لا تسمح لأية قوة لان تسيطر على مصر ذلك لانها كانت تملك قناة السويس وكانت تؤمن مصالحها الاقتصادية حتى ان نابليون كانت خطته ان يحتل مصر لكي يقطع طريق الهند والعملية نفسها قام بها هتلر عن طريق رومل جاء عبدالناصر وانهى الوجود البريطاني في مصر والصحيح انه كان بمعاهدة ولكن بمعاهدة من طرف قوي استطاع ان يفرض ارادته بهذه المناسبة ولأول مرة في التاريخ تجرؤ حاكم على ان يتحدى كل الاستعمار بأنواعه بعملية تأميم قناة السويس التي كانت عملاً سياسياً كبيراً انهى نفوذ الدول الغربية في المنطقة نفوذهم كان سياسياً وعسكرياً واقتصادياً انهى نفوذهم واعاد السيادة لمصر وما كانت تملك السيادة في الماضي اصلا فهذا عمل كبير جدا هز كل الأوساط الاستعمارية في العالم. وايضا حقق عبدالناصر كسر عملية احتكار السلاح كان السلاح كله يأتي من الغرب قام بهذه العملية كانت سوريا معه بهذه العملية ايضا وانصرفوا الى الاتحاد السوفييتي والدول الشرقية مثل تشيكوسلوفاكيا وبقية الدول العربية وهذا هز ايضا الاوساط الاستعمارية ولانها كانت تعتبر توريد السلاح الى المنطقة ثروة كبيرة بالنسبة لها هذا عمل كان كبيراً وحين قامت عملية العدوان الثلاثي ردا على هذه المواقف ورداً على موقف كبير كان يسلكه وهو دعمه لثورة الجزائر وللثورات العربية في كل مكان وللثورات التحررية في كل مكان ايضا هنا ارى انه من واجبي ان اقف امام وجه يافع كان في مصر وهو من مدينة اللاذقية وأعني جول جمال ذاك الشاب اليافع الذي اقتاد طراده داخل البحر وهو مملوء بالقنابل وضر اكبر باخرة فرنسية كانت تضرب السواحل المصرية في المعركة ودمرها تدميراً ودخل في سجل الخالدين واكد النجيع العربي السوري المصري في هذه المعركة طبعا كلنا يذكر ان سوريا كانت تغلي حين كان العدوان الثلاثي على مصر هذه مواقف كثيرة قامت من خلال قيام القائد فهذا القائد كان متميزا عن سواه طبعاً لا استطيع ان اعدد ما قام به من منجزات كبرى على مستوى الدولة وانا اعتبر عملية السد العالي كانت من المنجزات الدولية وذلك لا لان السد العالي كان من ابرز سدود العالم في حينه لانه كان قد كسر انف النفوذ الاميركي في تلك المرحلة حين ابت اميركا ان تقدم له الفروض فلجأ الى الاتحاد السوفييتي والى شعبه الذي تعاون معه في هذه العملية وأقام السد العالي ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة في العصر الحديث تهان ولكم قامت دراسات تلوم الولايات المتحدة على هذا الموقف بعد ان ربحت سمعتها في ايام العدوان الثلاثي الذي اتخذته مع روسيا هنا يعني ولايزال الاميركيون ينتقدون هذا الموقف الاميركي المتسرع من جمال عبدالناصر وتغذية السد العالي. اذن لا ثورة دون ثائر فالثائر هو كلمة السر في نجاح الثورات وحين لا يكون ثمة ثائر لا تقوم ثورة الثائر هو الذي يشرح الثورة هو الذي يمثل الثورة بمواقفه هو الذي يحميها هو الذي يطورها ويستمر معها ولذلك تقوم الثورة لوجوده طبعاً ومع الأنصار ومع القيادات التي يختارها لكي تكمل المسيرة معه هذا من جهة الثورة التي استمرت ثمانية عشر عاماً كلها عطاء كلها بناء يعني انا لا ارى مانعاً من ان ادخل في الموضوع الثاني ان ثورة 23 يوليو هي مجموعة ثورات وليست ثورة واحدة لقد كانت ثورة وطنية وكانت مع الشعب كانت مع مصر رفعت شأن مصر وامتلأت مصر بالمعامل والمصانع والسدود بالوقت نفسه يعني اصبح لمصر دورها الكبير وقيمتها في كل مستوى وهي ثورة شعبية اتجهت الى الجماهير واعتبرت الجماهير هي مادة الثورة واعتمد عليها وحقق رفع مستوى الجماهير بعمليتين كبيرتين جدا العملية الاولى: هي عملية الاصلاح الزراعي فلقد حرر الفلاح المصري من القنانة وسلمه مقاليد اموره ووزع الاراضي واستصلحها وطبعا كلنا يعلم بأن الفلاحين كانوا ثلاثة ارباع المواطنين المصريين فتصوروا ان كل هذا الجيش الذي كان تابعاً للاقطاع واصبح الان يملك مقاليد اموره ويعمل في كل ميدان. اما العملية الثانية فقد امم المصانع والمعامل وبهذا التأميم بعدما كان ارباب العمل لا يمثلون للعمال سوى العذاب اصبح العمال هم مجالس الادارة وهم المالكيون للمعامل وسارت الامور بشكل جيد، هاتان العمليتان كانت كلمة السر في نجاح الثورة لانه اذا لم يتحرر الشعب لا يمكن لهذا الشعب ان يقوم بعمليات تحرير اخرى على ميادين اخرى فالشعب القائد هو الشعب السيد والمالك للكرامة والقوة والقدرة هو الذي كان موجوداً في عهد عبدالناصر. لذلك سرت في مصر روح جديدة دم جديد فقرات جديدة كان يرددها الشعب وكلها كانت من كلمات القائد الخالد جمال عبدالناصر. اذن ثقافة الشعب تغيرت وهذه الثقافة طبعا انا اقول هذه الثقافة القومية اما ميدان الثقافة ان الدراسة كانت مجانية في الجامعات واستقطب كل الطلاب العرب لكي يدرسوا في هذه الجامعات مجاناً هذا الشيء كبير جدا لذلك اقول ان مصر انتقلت من حال الى حال وربما كان هذا الحال نقيض الماضي كلياً مع انه بقي مؤمنا بتقاليد الماضي بتقاليد الامة وطور هذه التقاليد الى الأمام ذلك لاننا لا نعتبر التراث هو كل ما يأتي من الماضي وانما أقول التراث في التراث والثمين هو الذي يمثلنا وهذا هو الذي نطالب به ونحرص عليه وندافع عنه ونتمناه اما التراث الأحدث الذي كان يقوم به الحكام او كان يقوم به البعض او ان بعض الكتاب كتبوا في الماضي هذا لا يمكن اعتباره تراثاً هذا نسميه موروثاً نسميه متوارثاً اما التراث الذي نرفع به رأسنا عالياً نعود الى القول ان الرئيس جمال عبدالناصر كان مؤمناً وما كان ملحداً كان مؤمنا بالملامح المشرفة في الماضي وكان يدعو لها ويتبناها لذلك ما فرق بين دين ودين ومن هنا تأتي قوته ومن هنا تأتي منعته ومن هنا يأتي حب الشعب له وتفانيه من أجله. نعود الى القول ان مرحلة الثورة بزمن قائدها كانت ثورة حقيقية ذكرت سابقاً انها كانت ثورة وطنية، اجتماعية، وهي ثورة قومية وهنا اسمح لنفسي في الدخول بتعريف معنى القومية لا قائد لا رجل في التاريخ العربي يمكن ان يأخذ صفة القيادة الا اذا حمل مسئوليات الامة العربية وناضل من اجلها وقدم مواقف من اجل الامة العربية طريقا الى الوحدة، وما سوى هؤلاء يعتبرون حكاماً ومسئولين عن تصريف شئون الدولة اما القائد هو المسئول عن الأمة ومستقبلها دفاعاً عن الحاضر والمستقبل. تمر القرون ولا تستطيع الامة ان تصل الى قائد لان القائد يأتي بظروف صعبة جدا وبمراحل ليست سهلة لذلك جمال عبدالناصر كان قائداً التزم بالأمة العربية من اول يوم في بيانه الذي اعلنه حتى وصل الى مرحلة الوحدة مع سوريا فأصبح رمزاً للوحدة وتطلعت اغلب الدول العربية لكي تلتقي معه للقيام بعمل وحدوي معه. وكان يؤخذ لعبد الناصر حساب في اي بلد ممكن ان يحدث به اي طاريء كانوا يتساءلون ما هو موقف عبدالناصر لقد وصل الامر الى ان يحسب حساب عبدالناصر اذا قامت اي دولة عربية بأي عمل حتى في أقصى الدول الافريقية ما هو موقف عبدالناصر؟ لقد أثبت عبدالناصر والخط الناصري وثورة 23 يوليو انها الأنجح في كل المواقف ونحن ماضون بهذا النهج القومي. الطرف الاول من ناحية نظرية الثوابت لا خلاف فيها لكن الطريق الى الثوابت الطريق اليها تم الخلاف فيه ذلك ان المرحلة الماضية ما كانت اسرائيل كما هي الان وما كانت دول الغرب واميركا، كنا نعيش مرحلة توازن اصبحنا نعيش امام قطب واحد لا يهدد العرب فحسب لذلك الامور تغيرت المشروع الذي قام كان صحيحا يمكن تبنيه والدفاع عنه اما الان فالامر عسير ذلك لان الارضية العربية تغيرت والدولية ايضا فالمناخ اصبح جديداً كنا بالماضي نضع خططنا لأنه كانت هناك قوتان متضاربتان ولذلك اقول ان الامة ما دامت موجودة ومادامت ظلالها لاتزال في الساحة تستطيع هذه الامة ان تضع مشروعها من جديد ولا تتناقض مع الخط الناصري بل سوف تضيف اليه الكثير واتخذت منه الكثير لكي يكون مؤهلا للنجاح. الشيء المهم هو بناء الانسان هذا المشروع يحمل مسئولية ويوضع موضع التطبيق، كل ما اراه من محاولات هو دراسة المفكرين وليس دراسات المناضلين الرئيس جمال عبدالناصر وضح افكاره في الخطب وفي لقاءاته مع الجماهير اضعاف ما كتبه هو لذلك كان مدرسة قومية عملية انه في كل خطاب يلقيه يشد الجماهير اليه ويربطها معه ويحملها المسئوليات معه ايضا. ان المشروع النهضوي لا يقوم بالفكر وحده يقوم بالنضال والمناضلين وانا اتطلع الى مرحلة يأخذ فيها المناضلون طريقهم الى وضع هذا المشروع وحمل مسئولياته لان الامة احوج ما تحتاج اليه. سؤال يطرح نفسه ماذا بعد الخط الناصري في مصر هرم كبير بني في مرحلة عبدالناصر تدعمت اركانه ليس في مصر وحدها ولكن في الوطن العربي كله المرحلة الجديدة لا يمكن لها ان تحمل مسئولياته ولاسيما وانها قبلت بالصلح طريقا مع ان شعار عبدالناصر «سنقاتل، سنحرر» لذلك انصرف الاقليميون في مصر والدخلاء على الثورة وكان للاستعمار يد طولي في هذا الخط ليحد من المسيرة السابقة مازال اذكر عندما زرت القاهرة بعد عامين من وفاة عبدالناصر وكانت الصحف تحمل على قيام السد العالي في مصر وتعتبره جريمة كبيرة معني بها المواطن المصري وكانوا يتبارون في نقد المرحلة السابقة سياسيا عمرانيا شعبيا. رغم ان هذا الخط ما توقف بدليل ان الكتاب العملاء الاقليميين لايزالوا مستمرين في هجومهم على التجربة الناصرية وطبيعي الغاء التجربة الناصرية كان نتيجة تدخل العملاء الاقليميين. ومنجزات الثورة لا يمكن ازالتها لانها قائمة فهي مصانع ومعامل وجامعات ومؤسسات في مختلف الميادين وجسور وسدود وري الصحراء وكسبته مصر. ثمة من لايزال يحمل الهم القومي ويدافع عنه ومحال ان تموت العروبة في مصر ومحال ان تكون مصر اقليمية فلا قوة لمصر الا بالعرب وبالنضال الوحدوي ونحن حريصون على ان تبقى كنانة عبدالناصر كنانة العرب ومحال ان يتغير رأينا بهذا القطر الشقيق الذي طالما كان معنا وكنا معه. وقبل مئات السنين حين هاجم المغول المشرق من ايران الى الدول العربية وابادوا ودمروا وكادوا يكملون المسيرة نحو الشمال الافريقي تصدى لهم جيشا سوريا ومصر في عين جالوت دمروهم وحين حاول الصليبيون ان يغزوا بلاد العرب كان ثمة موجات جاءت الى مصر وسوريا والاناضول بحجة السيطرة على بيت المقدس واقاموا المجازر في بلادنا تصدت لهم سوريا ومصر في معركة حطين. وحين كان اليأس يعم الوطن العربي في جو الاقليمية العربية والتبعية العربية للغرب والتخلف العربي جاءت الوحدة بين سوريا ومصر لكي تغير الصورة كلها الأفضل والأحسن. ونحن مؤمنون بان التاريخ لن يكون الا معنا لأننا نملك الحق الساطع والشعب الواسع ولسوف تنتصر امتنا ولا نصر لها الا بالتحرر والحرية والوحدة. أما رجاء الناصر ـ مفكر سوري ناصري فيقول: الحديث عن ثورة يوليو ليس هو حديث مناسبة ولا يستهدف استحضار الماضي وتضمينه فرغم الاستحضار الشعبي لشعارات ورموز ثورة يوليو العفوي حينا والمقصود في مواجهة احداث الحاضر الا اننا ومن موقفنا المعروف ندرك ان الماضي لا يعود وندرك ايضا ان الماضي لا يلغى فما حدث قد حدث وهو بعدم الغائه يبقى عنصراً من عناصر جدل ثنائية الماضي، المستقبل التي تفرض نفسها عبر لحظة الواقع فالمستقبل لا يأتي من فراغ ولا هو منقطع عن سيرورة حركة الزمن. لم تكن ثورة يوليو الا حركة الثورة العربية في حركتها الجدلية المتصاعدة حملت وجسدت اهداف النضال العربي التي تمت صياغتها مع نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية حركة استقلال الامة وتحررها من الاستعمار وهي حركة تحرر وطني بالأساس ربطت التحرر الوطني او الثورة الوطنية بالثورة الاجتماعية في عملية مزاوجة فرضتها ظروف التطور الخاصة بالامة العربية التي عانت من التجزئة والاستعمار ومن الاستغلال. ان هذا التداخل في المهام لم يكن عملا انتقائيا ارادياً بل جاء بسبب تخلف القوى الاجتماعية السائدة وتحديدا الرأسمالية المحلية عن القيام بواجباتها الاجتماعية ويعود هذا التخلف الى ان تلك الطبقة ما جاءت نتيجة تطور طبيعي وانما عبر محرضات خارجية ساهمت في تكوين طبيعتها السلطة الاحتلالية. كان مشروع ثورة يوليو حركة نهوض واستنهاض للامة حركة ثورة وتحرر وطني وقومي وحركة تنوير لشعوب الامة ومجتمعاتها فتقدمت بها اشواطا على طريق التحرر الوطني والاستقلال وعلى طريق التنمية ومغالبة التخلف ودفعاً على طريق وحدتها القومية والوقوف بها في وجه قوى الهيمنة الاجنبية والاستعمار والصهيونية. لقد حقق مشروع ثورة يوليو نهوضاً وثورة قومية عربية شاملة لها بعدها الانساني وانجازات كبرى لا على صعيد مصر وحدها بل على صعيد الامة كلها والمنطقة وعلى صعيد العالم الثالث فأعطى للامة مكانة ودوراً في الساحة العالمية والعلاقات الدولية وهو وحده المشروع الذي ثبت في الساحة وتواصل رغم كل الصعاب التي واجهته والمآسي والنكسات واثبت قدرته على المراجعة والتجدد وتجاوز النكسات الى ان كانت الردة وتطالب كل القوى المعادية للامة ضد ذلك المشروع لتدمير مرتكزاته وجميع مرتكزات مقاومة الامة لتصل بها الى هذا الضياع. لكن مشروع ثورة يوليو في سيرورته ما كان قبل انتكاسه خطاً بيانياً على طول الخط فقد تعرض خطها المتصاعد لنكسات وتراجعات ووقعت قيادتها في أخطاء فلكل ظاهرة انسانية جوانبها السلبية والايجابية وتقاس الثورات الكبرى والأحداث العظمى لا يخلوها من السلبيات ولكن بتوجيهها العام وبمحصلة انجازاتها. ولا يغير من ذلك ما يمكن ان يصيبها من هزائم عسكرية او من ردة وارتداد اذ ان ذلك كله لا ينقص من اسهامها التاريخي فالثورة الفرنسية الكبرى ادت احداثها الى تنصيب نابليون بونابرت امبراطورا على فرنسا عام 1804 بعد مرور خمسة عشر عاما على قيامها على غير ما دعت اليه بل وعادت الاسرة المالكة الى الحكم مرة اخرى عام 1815 لكن أفكار الثورة استأنفت مسيرتها فيما بعد وخلدت على مر الزمن مباديء الحرية والاخاء والمساواة. وفي قراءتنا لتجربة الثورة فاننا ندعو الى التمييز بين مضمون المشروع القومي لثورة يوليو وفلسفته وتوجهاته من جهة وسياساته وقراراته من جهة اخرى وهو تمييز لا يقصد الفصل بين المضمون والأهداف وبين مسائل تحقيقها فصلا تعسفياً وانما يقصد وضع تلك السياسات والقرارات في بعدها الزمني حيث ان ما اتسم به المشروع القومي للثورة هو هدفه الذي يتخلص بشعارات الحرية والاشتراكية والوحدة اي بالدعوة لتقليص الاستغلال وتعظيم الاستقلال اما السياسات والقرارات والاليات فقد املتها اعتبارات موضوعية داخلية وضغوط خارجية واجتهادات ذاتية لقيادة الثورة واجهزتها السلطوية والشعبية. عن جوهر الثورة ليس كونها مجرد حركة تحرر وطني استطاعت اجلاء المستعمر البريطاني وساهمت في القضاء على النظام الاستعماري التقليدي في الوطن العربي وفي أنحاء واسعة من العالم ولا في السعي لبناء اقتصاد وطني مستقل وعدالة اجتماعية حررت قوى اجتماعية مهمة ودفعتها الى اخذ مكانتها في المجتمع بعد ان كانت مهمشة ولا في الوعد الديمقراطي الذي انتج اكثر نظام شعبيته في الوطن العربي خلال العصر الممتد لأكثر من قرن على الأقل ولا في ارهاصات ثورة ثقافية رفعت من قيم العمل لتكون في المقام الاول في سلم القيمة الاجتماعية وحررت الانسانية من العبودية وسادت بين المرأة والرجل امام القانون كمدخل لكسر عادات وقيم وتقاليد متخلفة وانما في ذلك كله كمكونات نسق متكامل. ان من المهم التوقف عند البعد الثقافي في مشروع ثورة يوليو وزهو يتجاوز الزامية التعليم ومجانيته والعمل على محو الأمية التعليمية والسياسية والاجتماعية ونشر الثقافة وتشجيع الابداع خصوصا في مجال التحديث فقد قادت ثورة يوليو ثورة ثقافية عبر تطوير الازهر وتحويله من مؤسسة تعليمية دينية تقليدية تفرز مولدات فكر تراثي جامد الى مؤسسة ثقافة تنويرية من خلال فرض تعليم المواد العلمية الى جانب مواد الفكر الديني وخلق مؤسسات بحوث ودفع العناصر الاكثر جرأة على الاجتهاد الى مواقع المسئولية من اجل خلق ثورة ثقافية تعيد للفكر الديني مهمته الثورية في محاربة الظلم وقيادة عملية العمران. ومن الملاحظ ان قوى الغرب الاستعماري وقادة العدو كانوا اول من استشعر بعمق هذا المشروع فوقفوا بعنف يقاومونه ويتصدون للثورة كما وقفوا بمواجهة المحاولة للنهوض بالمشروع الحضاري العربي ايام محمد علي. اننا لا نجادل ان عبدالناصر ورفاقه عندما قاموا بالثورة لم يكونوا يملكون نظرية ثورية متكاملة للتغيير لكنهم امسكوا بتلك المباديء الستة التي اعلنوها في بيان الثورة وبذلك الانتماء الى مصالح الاغلبية الشعبية التي قامت الثورة من اجلها والى منظمة ثقافية تتمثل بثنائية القيم التراثية وبما قدمته حركة التنوير من افكار وقيم تحديثية. كما لا نجادل بان الوعد الديمقراطي لم يستكمل في تجربة الثورة رغم كل ما انجزته ديمقراطية التأييد والموافقة ومن ديمقراطية قاعدة الهرم وما كان حالة متقدمة على طريق تحقيق الديمقراطية في عصرها فقد غابت ديمقراطية المشاركة وبقيت مجرد وعد تم تأجيله ولا يغير من ذلك نضج المفهوم الديمقراطي وما أنتجه من وعد باستعادة مفهوم الديمقراطية التعددية بعد اسقاط دولة المخابرات. ولا نجادل في الهزيمة العسكرية القاسية التي تعرضت لها مصر يوم الخامس من يونيو وما نجم عن تلك الهزيمة من نتائج الا اننا نضع ذلك كله في سياق القراءة النقدية المتكاملة وفي سياق اولوية الأهداف والمضامين حيث تبدو أهداف المشروع النهضوي وتوجهاته صالحة وبل تمثل ضرورة ملحة ينبغي السعي لتجسيدها. لقد اصطدمت مطالب النضال العربي بالديمقراطية والوحدة العربية والتنمية المستقلة وتحقيق العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والتجدد الحضاري بواقع المتغيرات الدولية والداخلية الأمر الذي يفرض اعادة مناقشة وصياغة مطالب النضال العربي وهي تتمثل في تحقيق الديمقراطية بشقيها السياسي والاجتماعي عبر العودة إلى نظام التعددية الحزبية واعطاء فرص متساوية للمعارضة والمولاة لطرح برامجها على الجمهور بالاضافة إلى تحييد المؤسستين العسكرية والامنية لكن هذا المشروع الذي اعلنه عبدالناصر لاقى معارضة شديدة من اغلبية القيادة فتقرر تأجيل المشروع حتى ازالة آثار العدوان التي كان مقررا ان تتم في عام 1971 وهو المشروع الذي جرى اجهاضه فيما بعد على يد السادات. وبعد ما اصاب مشروع ثورة يوليو من ردة على يد السادات وبعد ما حدث في العالم من متغيرات اقليمية ودولية عصفت بكل مرحلة النهوض العربي وبكل مقوماتها الاستراتيجية ومنجزاتها الشعبية، وامسكت بما شابها من قصور وسلبيات لتدفع بها إلى اقصى الحدود فان السؤال يبقى هل لايزال المشروع النهضوي لثورة يوليو صالحا للتطبيق. وللاجابة على هذا السؤال في ظل ما حدث من تطورات ومتغيرات محلية واقليمية لابد من اعادة ومناقشة وصياغة مطالب النضال العربي المتمثلة في تحقيق مطلب الديمقراطية إذ تبين بالممارسة ان تأجيل الوعد الديمقراطي أو استبعاده تحت دعاوى مختلفة واختراع مفاهيم جديدة للديمقراطية «الخاصة» والديمقراطية الشعبية ادى إلى خلق انسدادات كبيرة امام تبلور المشروع النهضوي العربي في جميع ابعاده وكان الرئيس عبدالناصر أول من اشار إلى هذا الانسداد عندما تحدث عن سقوط دولة المخابرات ورأي ان دولة التأييد «لم تمنع من ظهور تلك الحركة بكل سيئاتها وآثارها السلبية ولم تستطع الوقوف في وجه بيروقراطية الادارة» ما ابطل الفعالية الثورية لحركة التغيير والتجديد. اما على صعيد مطلب الوحدة العربية فان العمل من اجل تحقيق الوحدة لايزال يلقى نفس التحديات التي واجهها في مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وهي تحديات خارجية بالدرجة الاولى ممثلة بالصهيونية والاستعمار الامر الذي يجعل الوحدة العربية تظل جزءا من ادارة الصراع ضد الصهيونية وضد الهيمنة الاميركية ومرتبطة بها. لقد اثبتت خبرات النضال القومي الوحدوي ان الطريق إلى الوحدة العربية لم يعد من الممكن ان يتم في عصرنا الراهن من غير تبني الخيار الديمقراطي وهو ما يؤكد على الترابط بين النضال الديمقراطي في داخل الدولة القطرية وبين هدف الوحدة ذاته. ان النضال الوحدوي الديمقراطي يستوجب اعادة العمل الوحدوي الشعبي وتعزيز مؤسساته على امتداد الوطن العربي إلى جانب النضال من اجل اعادة بناء النظام القطري على قواعد الديمقراطية ذاتها وإلى اعادة الاعتبار إلى القضايا القومية المركزية كالقضية الفلسطينية أو قضية الامن العربي القومي ورفض محاولة تحويلها إلى قضايا قطرية أو انسانية مجردة. وإذا كانت مناهضة الاستعمار شرطا بديهيا للنهضة في فكرنا السياسي السابق فان مناهضة الهيمنة الاميركية واستمرار الاحتلال الاستيطاني الصهيوني في المشروع المعاصر يجب ان يكون اكثر بداهة ولكن هل من الممكن تحقيق الاستقلال الوطني في ظل هذا الاستهداف الكثيف لامتنا من قبل التحالف الأميركي - الصهيوني المعلن والصريح والكامل. ان تحقيق الاستقلال الوطني في ظل الظروف الراهنة يتطلب أول ما يتطلب ادارة قومية للصراع تستحضر جميع ابعاد المشروع الحضاري العربي الثقافية والشعبية والقومية واستخدام القوة المتاحة بطريقة متناغمة باتجاه تحقيق الهدف المعلن. اما فيما يخص مطلب التنمية المستقلة فان عملية التنمية هذه لا تعني قطع علاقات التبادل الاقتصادي مع الدول الاخرى ولا السعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي في جميع فروع الانتاج فقد بات اليوم مستحيلا. ان عملية التنمية المستقلة تعني السعي إلى اعادة تشكيل هياكل الاقتصاد الوطني وفقاً لحاجيات الشعب ومتطلباته طبقا لسياساته الوطنية المستقلة كما ان التنمية في حدود بلد واحد هي امر بالغ الصعوبة ولذلك فتسيير عملية التنمية المستقلة يقتضي المستوى الخارجي نوعين من الجهود الأول هو تنمية الاعتماد الجماعي على الذات وعلى الدول المتجاورة والثاني النضال المشترك من اجل تغيير نمط العلاقات الاقتصادية الدولية. ولذلك لابد من تعزيز القدرة العلمية والتكنولوجية وعدم الاكتفاء باستخدامها بصورة جزئية والمحافظة كذلك على معدلات نمو اقتصادي مقبولة ووضع خطة ارشادية لتوجيه الاقتصاد وفق حاجات السوق المحلية. ان المشرف النهضوي العربي يتطابق مع مشروع ثورة يوليو لايزال هو مشروع مستقبل النهوض العربي الذي يرتبط بدور الانسان وفعاليته وقدرته على الاستفادة من الظروف والمعطيات وهذا يتطلب البحث عن الرافعة الانسانية لمشروع نهضة الامة. الصور: