وجهت المعارضة السودانية المتحالفة في إطار «التجمع الوطني» انتقادات حادة لبروتوكول ماشاكوس الموقع عليه من الحكومة السودانية وحركة قرنق، وذلك في سياق ملاحظات قانونية أعدتها اللجنة الدستورية والقانونية في «التجمع». وشككت المذكرة التي أعدتها اللجنة وحصلت «البيان» على نصها في توافق تفاصيل الاتفاق مع اعلان مباديء (ايغاد). وركزت خصوصاً على «تقسيم البلاد الى قسمين على أساس الديانة» في تناقض مع بعض بنود الاتفاقية نفسها. وانتقدت المذكرة بشدة الترتيبات الواردة في البروتوكول والتي تقوم على شراكة مغلقة بين الحكومة والحركة واقصاء القوى الأخرى ما يستحيل معه وصف الأمر بالحل الشامل. واعتبرت المذكرة ان الحركة بتوقيعها على البروتوكول تخلت تماماً عن مقررات أسمرة، ما يعني انسلاخها من التجمع. وحملت المذكرة تفنيداً قانونياً للفقرات الخاصة بحرية العقيدة ونبذ التمييز وأبرزت ما أحاط بذلك من جوانب معيبة ومتناقضة. ولتعمم الفائدة وجرياً على عادة «البيان» في الحرص على توثيق أدبيات السياسة السودانية، ننشر فيما يلي نص المذكرة: ملاحظات قانونية على بروتوكول ماشاكوس الديباجة والمباديء المتفق عليها الجزء أ: أسست الاتفاقية، في البند الأخير من المقدمة، على «إعلان المباديء لمبادرة الايغاد» في حين ان تفاصيل الاتفاقية تتناقض مع هذا الاعلان للمباديء في النقاط التالية: أولاً: في علاقة الدين بالدولة يتحدث إعلان المباديء عن دولة واحدة (علمانية) تكون الحقوق والواجبات فيها مبنية على أسس ومباديء حقوق الإنسان العالمية والاقليمية، إلا انه وبالمخالفة لذلك قسمت الاتفاقية السودان الى قسمين: الأول هو الاقليم الجنوبي وله مصادر تشريع مؤسسة على مصادر عدة (ليس من بينها الشريعة الاسلامية أو مباديء حقوق الإنسان)، والثاني هو شمال السودان (كل السودان ناقصاً الاقليم الجنوبي) ليكون مصدر التشريع فيه فقط الشريعة الاسلامية، أي قسمت القطر الواحد ذو الديانات المتعددة الى قسمين، احدهما مصادر التشريع فيه قائمة على الشريعة الاسلامية، والآخر له مصادر تشريع أخرى وهذا التقسيم خطر على وحدة البلاد، هذا بالاضافة الى انه جعل الشريعة الاسلامية المصدر الوحيد للتشريع في شمال السودان، يسقط نضال الشعب السوداني لكل جماعاته السياسية والنقابية من أجل الحيلولة دون استغلال الدين في السياسة ويهمل اهمالاً تاماً تجربة أهل السودان تحت نظام الجبهة المسمى اسلامياً، ويسقط تماماً المرارات والآلام التي عانى منها شعب السودان تحت تجربة الجبهة الإسلامية. كما وان حتى تعريف الدين الوارد في الاتفاقية للحقوق الدينية هو توقف سطحي جداً وضيق وينحصر في الحق في العقيدة وممارسة العبادات وهذا لا صلة له بقضية الدين والدولة التي تطرحها الحركة السياسية السودانية منذ فترة طويلة. أيضاً هذه القسمة للسودان تتعارض مع المباديء المتفق عليها في الاتفاقية نفسها وخاصة ما ورد في المادة 1/6 منها والتي تقرر وجود انشاء نظام ديمقراطي للحكم يعطي اعتباراً للتعددية ولوجوب سيادة المساواة بين كل أفراد الشعب السوداني شماله وجنوبه مع عدم التفرقة بينهم بسبب الدين، وكذلك في مقدمة القرار حول علاقة الدين بالدولة حيث تنص المادة 6/2 على وجوب كفالة حرية العقيدة والعبادة والضمير لكل اتباع الأديان والمعتقدات والأعراف ولا يجوز التفرقة بينهم لأي سبب يبنى على الدين، بينما الاتفاقية فرقت بين الشمال الاسلامي والجنوب اللااسلامي بسبب الدين وجعلت مصادر التشريع في هذا تختلف عن مصادرها في ذاك. فإذا كان البعض في الشمال يتوجس من كلمة «علمانية» التي وردت في إعلان مباديء الايغاد، وهذا مفهوم، إلا ان ذلك لا يعني أن يكون البديل للعلمانية هي الدولة الثيوقراطية التي يؤسس لها البروتوكول ويعززها في شمال السودان في الوقت الذي نلحظ تراجعاً من قبل الحكومة في هذا الشأن. ثانياً: إن اعلان المباديء في مبادرة الايغاد يقوم أساسا على كفالة حقوق الإنسان والحريات الأساسية الواردة في المواثيق الدولية بينما الاتفاقية لا تذكر حقوق الانسان اطلاقاً بل وتجعل المصدر الوحيد للتشريع في السودان الشريعة الاسلامية. الجزء ب: أولاً: الترتيبات الواردة في هذا الجزء من البروتوكول تقوم على شراكة مغلقة بين طرفين هما الحكومة والحركة الشعبية ولا مكان فيها لطرف ثالث وبالتالي يستحيل تسميتها بحل شامل، لا بالنسبة للقوى السياسية المتنوعة في الشمال ولا بالنسبة للقوى السياسية والمدنية في الجنوب. كان من الممكن فهم قفل الاتفاق على الحركة الشعبية وحكومة الأمر الواقع في الخرطوم فقط اذا كان القصد من الاتفاق هو مجرد انهاء النزاع العسكري والاقتتال ووقف الحرب، ولكن بما ان الاتفاقية تتحدث عن انها تهدف الى تحقيق السلام الشامل وتأمين المستقبل الزاهر للسودان ومع العمل على ترجيح خيار الوحدة في استفتاء حق تقرير المصير، فإنها تكون بذلك قد تعرضت لقضايا خطيرة تهم كل الشعب السوداني بقطاعاته وقواه السياسية المتعددة وبالتالي لا يجوز حصر البروتوكول على حكومة الانقاذ والحركة الشعبية بل كان من اللازم اشراك كل القوى السياسية السودانية أطراف النزاع في الأزمة السودانية. ثانياً: بالنسبة للحركة الشعبية اذا كنا ننظر إليها باعتبارها عضواً في التجمع الوطني الديمقراطي وانها ملتزمة بمقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، فإنها تكون قد تخلت تماماً عن كل تلك القرارات باتفاقها هذا مع حكومة الانقاذ وخاصة فيما يتعلق بالفترة الانتقالية التي هي وفق مقررات أسمرا شيء مختلف عن هذا الذي تم الاتفاق حوله تماماً، بل تكون قد انسلخت عن التجمع بموافقتها بأن تنفرد حكومة الانقاذ بالشمال وتنفرد هي وحدها بالجنوب وهو أمر يتعارض حتى مع نص المادة (2 ـ 4ـ 2) من الاتفاقية التي تقرر بأن يكون السعي لخلق الأسس التي تجعل وحدة السودان مقبولة كخيار لشعب جنوب السودان. يواصل الطرفان انفرادهما دون بقية الحركة السياسية الشمالية والجنوبية والتي تمثل أكثر من 70% من شعب السودان، بما يؤكد ان الاتفاق هو اتفاق جزئي وليس اتفاقاً شاملاً، ففي الاتفاقية كل أجهزة ومؤسسات الفترة الانتقالية، وهي 6 سنوات، تكون قاصرة على الحكومة والحركة دون الاخرين، فلجنة وضع الاطار العام للدستور مكونة من الطرفين فقط، واجازة الدستور والتصديق عليه مقصورة على الطرفين فقط دون الرجوع للشعب أو الاستفتاء حوله، هذا أولاً وثانياً لجنة تقويم ومتابعة هذه الاتفاقية تتكون من ممثلين متساوين في العدد من الحكومة والحركة وآخرين من دول الايغاد والوسطاء ولا مكان في ذلك على الاطلاق لأي من القوى السياسية الأخرى، وفي المجمل فإن البروتوكول يؤكد على اقصاء القوى السياسية وحصر الحل على الطرفين فقط مما يجعل الاتفاق في حقيقته متصادماً مع كل مباديء وأسس الوفاق الوطني السوداني الواردة سواء في المبادرة المصرية الليبية المشتركة والتي وافق عليها الطرفان، الحكومة والحركة، ومبادرة الايغاد واعلان مبادئها. الجزء ج: أولاً: هنا نلاحظ تناقضاً بيّناً بين مفهوم الدستور القومي المشار اليه في المادة (3 ـ 1ـ 1) حين تقرر ان الدستور القومي يجب أن يكفل حرية العقيدة والعبادة وممارسة الشعائر الدينية بالكامل لكل المواطنين السودانيين وأن يكون الدستور القومي مهيمناً على كافة القوانين وانه لا يجوز لأي قانون أن يخالف أي نص في الدستور القومي، فكيف جاز لهم أن يوافقوا على أن تكون الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع في جزء من البلاد دون باقي أجزائه. ثانياً: الدين والدولة: الفقرات الأخيرة والثالثة والرابعة قبل الأخيرة من المادة (6 ـ 5) مع انها مأخوذة من الاعلان العالمي الخاص بالقضاء على كل أشكال عدم احتمال الآخر والتمييز المبني على الدين أو العقيدة إلا انها لم توضع في اطارها الذي وردت فيه في الاعلان العالمي المذكور حيث وردت في الاعلان باعتبارها تدعيماً لحرية العقيدة والدين ولمنع كل أشكال عدم تحمل الآخر والتمييز ضده بسبب الدين في الدول الأوروبية والمسيحية. وهي هنا تكون قد انتزعت انتزاعاً من سياقها العام الواردة فيه باعتبارها حقوقاً معززة للحق في حرية الاعتقاد والحق في التعبير عن ذلك، وحشرت في هذا القسم باعتبارها حقوقاً في وقت هي ليست حقوقاً من الضروري الأخذ بها في الفترة الانتقالية، ولكن لا تخفي مقاصد الجبهة الاسلامية ذات التاريخ المعروف في تأسيس وتنويع المؤسسات والجمعيات التي تعمل باسم الدين وفي حقيقتها هي آلات لخدمة جماعات الاسلام السياسي ومؤسساته المحلية والدولية وتمويلها واعداد كوادر مقتدرة لخدمتها وخدمة مشروعها الذي يعمل تحت لافتة الدين زوراً، ولا تخفي مرامي الجبهة من فرض هذه المواد لخلق حماية دستورية لتلك الجمعيات والمعسكرات والمؤسسات التي تفرخ قادة الهوس والتطرف الديني والتي هي جزء من حركة الارهاب الدينية، وفي تلقي هذه المؤسسات لأموال من مؤسسات شبيهة وهذا بالضبط انكشف بعد 11 سبتمبر من انها وسائل ومواعين وآليات الارهاب والارهابيين والمتطرفين في تغذية وممارسة الارهاب والتي يسعى المجتمع الدولي لتجفيف منابعها وتقطيع وسائل اتصال هذه المؤسسات بعضها ببعض بما يضعف حركتها ويشله. فاروق أبو عيسى مساعد رئيس التجمع للشئون الدستورية والقانونية