ما هذا الذي يحدث للمواطن العربي، هل العالم كله ضده أم انه هو ضد العالم كله؟ تستدعي السؤال مشاهد تابعناها على شاشات التلفزيون وتصريحات تناقلتها وسائل الاعلام، وكانت أقرب إلى الخيال: (12) عنصراً من رجال الشرطة المغربية نزلوا في جزيرة ليلى في قوارب صغيرة، فإذا بأوروبا «صديقة» العرب وشريكة المغرب في حضارة المتوسط تعلن الحرب «دفاعاً عن أراضي الاتحاد» وتهدد بفرض عقوبات، وإذا اسبانيا فجأة تستعيد أمجادها البحرية، بعد ان طواها الزمن منذ عقود، وتطلق «الأرمادا» من موانئها: بوارج حربية وغواصات وأسراب من المروحيات الهجومية، تنقض على الجزيرة وتعلن تحريرها من أيدي الغزاة! والمغرب يكاد يكون البلد الديمقراطي الوحيد في العالم العربي حيث يتم فيه تداول السلطة بالانتخابات وليس بالانقلابات، ومع ذلك فإن هذه الديمقراطية لم تشفع له عندما أنزل دزينة من عناصر الشرطة في جزيرة لم تجرؤ اسبانيا حتى وهي في ذروة مجدها ان تزعم بأنها ليست مغربية، أو انها موضع نزاع. بروكسيل عاصمة الاتحاد الأوروبي، كانت خلال أحداث الأيام الأخيرة تطلق نسخة عصرية ومنقّحة من الملا عمر وأسامة بن لادن وأيمن الظواهري، فهؤلاء الخارجون من غياهب التاريخ ومغاور الاحقاد وجدوا في أوروبا أكثر من شريك. والسؤال الأول يستدعي سؤالاً ثانياً: كيف تقبل مدريد مبدأ المفاوضات مع بريطانيا وتستعيد عبر هذه المفاوضات جزءاً من سيادتها على جزيرة جبل طارق المحتلة منذ عشرات العقود، وترفض مبدأ المفاوضات مع المغرب الذي يريد استعادة ولو بعض حقوقه في سبتة ومليلة؟ نأخذ الأمور بظواهرها ونتائجها، ونكتشف مجدداً ان أوروبا ما زالت عنصرية، وان ليلى لم تعد جزيرة بل كل عاصمة عربية. .. ومعسكرات اعتقال عنصرية بالمناسبة فإن العنصرية لم تعد تهمة، كانت كذلك في أيام هتلر وموسوليني وقوات المحور، اليوم تكاد تدخل القاموس السياسي من أوسع بواباته، وهي البوابة الأميركية، وتستقر في أوسع قاعاته، وهي قاعة حقوق الانسان. فنقرأ معاً ما قاله يوم الأحد الماضي المسئول الأميركي بيتر كير ساناو، وقد عينه الرئيس جورج دبليو بوش في العام الماضي عضواً في هيئة حقوق الانسان الأميركية، يقول المسئول الأميركي: ان الأميركيين لن يكونوا عابئين بأية خروقات للحريات المدنية بقدر حقهم في حماية أرواحهم، وأنهم قد يدفعون باتجاه اقامة معسكرات اعتقال للأميركيين العرب. ويضيف المسئول الأميركي إذا هوجمت الولايات المتحدة مرة أخرى من قبل العرب، فإن كثيرين لن يذرفوا الدموع إذا حدثت اعتقالات وتوقيفات أكثر وانتشرت ظواهر التمييز العرقي (جريدة الشرق الأوسط 22 يوليو الجاري). وما يعلنه مسئول حقوق الانسان الأميركي يتجاوز أقصى طموحات المتطرفين الاصوليين وهو ان تعتبر الادارة الأميركية جميع العرب الأميركيين من اتباعهم وأن تسوقهم إلى معسكرات اعتقال جماعية. لماذا يكره العالم العرب؟ والسؤالان الأول والثاني يستدعيان سؤالاً ثالثاً: لماذا يكره العالم العرب تحديداً والمسلمين عموماً، ولا يأبه حتى بانقاذ المظاهر، فيبرر كراهيتهم لأسباب عنصرية؟ بل لعل من الانصاف ان نطرح السؤال نفسه ولكن بالطريقة التالية: لماذا يكره العرب خاصة والمسلمون عامة العالم كله؟ الجواب التقليدي والقناعة المسكوت عنها جهراً هي ان الغرب «صليبي» وان سقوط الخلافة العثمانية في مطلع القرن الماضي هو موقعة فحسب في حرب بدأت مع خروج القبائل العربية في فجر الاسلام من الجزيرة لتبلغ برسالتها أصقاع الصين، جواب تقليدي آخر، هو ان القومية العربية هي ما يخيف الغرب، وان منع نهوض هذه القومية وتجسيدها في الدولة العربية الواحدة كان أبرز هموم الغرب منذ انتهاء الحروب الدينية. ما صحة هاتين الاجابتين؟ نقرأ القائمة التالية بالحروب المعلقة في العالم اليوم، حرب في فلسطين ضد الدولة العبرية واليهودية الصهيونية، حرب في الشيشان ضد روسيا يؤيدها العرب والمسلمون، حرب في كشمير ضد الهند يؤيدها العرب والمسلمون، حرب غير معلنة للمسلمين في الصين بهدف اقامة دولة اسلامية يؤيدها العرب والمسلمون، حرب في الفلبين ضد الحكومة المركزية يتعاطف معها العرب والمسلمون، وفي البلقان ما زالت جمرات الحرب تشتعل تحت الرماد بين المسلمين والصرب، والموقف العربي والاسلامي منها معروف. ان العرب والمسلمين في هذه الحروب ضحايا، وهم يخوضون حروباً عادلة لاستعادة حقوقهم.. أليس كذلك؟ ربما، ولكن في هذه القرية الكونية الصغيرة، لم يعد هناك جبهات منفصلة، وعندما يختار العربي والمسلم ان يحارب الصين والهند وروسيا وان يضرب أميركا في عقر دارها دفاعاً عن فلسطين، فإن خللاً هائلاً يقع، تضيع فيه الأولويات، وتتساوى قضية فلسطين مع قضية الشيشان وكشمير، ولا تعود الحرب تقتصر على مواجهة بضعة ملايين مستوطن يهودي في فلسطين، بل مواجهة العالم كله.. و«ليلى» العربية التي استنفرت أوروبا نفسها لتحريرها .. آخر الشهود