بعض السياسيين لا يعترفون ابدا بالخطأ، فالاعتراف بالخطأ عند هؤلاء ليس فضيلة على الاطلاق، ذلك انه قد يستدعي تحركاً للتصحيح، وقد يؤدي ذلك التحرك الى تغيير القيادة نفسها والاتيان بطاقم آخر، بأفكار مغايرة قد تصلح الاحوال بعض الشيء ولكن من قال ان اصلاح الاحوال هو هدف اولئك السياسيين أولاً؟ ان الوصول الى السلطة والعمل على البقاء فيها يستهلك معظم طاقات اولئك السياسيين، وهكذا قضى بولنت اجاويد اكثر من نصف قرن وهو يجهد للوصول الى السلطة والثبات فيها الى اقصى مدى ممكن، ثم الرجوع اليها باسرع مما كان في حال الاقصاء عنها. لكن فرص اجاويد (77 عاماً) تتناقص الى حد العدم للبقاء في السلطة في حالة ما اذا اجريت الانتخابات البرلمانية في نوفمبر المقبل ولذلك فإنه يريد اطالة امد سلطته اذا ما امكن الى العام بعد المقبل، ويخالف في رفضه لانتخابات نوفمبر كل الوان الطيف السياسي التركي. واذا كان اجاويد قد ذكر بأن كل احزاب التحالف الحاكم الآن موعودة بالفشل الذريع، فهو لم يكن يتحدث إلا عن حزبه او عن نفسه فقط، فحزبه عاش اسوأ الشقاق مؤخراً باستقالات نواب عنه وهو شخصيا يصعب تصور وصوله الى السلطة في ضوء تصدع حزبه، وانحدار صحته الجسدية التي لا تخوله خوض معركة انتخابية حامية، ولا كسب رهان الجمهور الذي جربه طوال الفترة الماضية. ولربما ينعم اجاويد بسعادة مؤقتة لفشل البرلمان في احراز النصاب اللازم 184 عضوا، لحضور الاجتماع الذي انقضى يوم الاثنين الماضي، دون ان يناقش مطلب احزاب المعارضة لتحديد الثالث من نوفمبر المقبل موعداً للانتخابات البرلمانية القومية، ولكنها ستكون سعادة اسبوع واحد لا غير، لان انفضاض البرلمان كان مجرد مكايدة سياسية قصد بها تجريد احزاب المعارضة من شرف اقتراح تحديد موعد الانتخابات القادمة. فإسباغ ذلك الشرف على بعض احزاب التحالف الحاكم وذلك حتى لا تواجه تلك الاحزاب بحملة انتخابية قومية من المعارضة تقول بأنها هي التي حلت الحكومة وحددت مصيرها وهي الآن بصدد تحديد ملامح البديل القادم في الحكم. ان تلك هي بعض صغائر الممارسة «الديمقراطية» التركية، وإلا فكيف يصرح ديفليت بيغالي زعيم اكبر تكتل في التحالف الحاكم حاليا وفي نفس يوم انفضاض البرلمان بأن حزبه سينسحب من الحكومة اذا لم يتحدد الثالث من نوفمبر موعداً للانتخابات القادمة وفي الوقت نفسه يرفض ان يقوم البرلمان باصدار ذلك القرار؟! بيغالي يريد ان يحوز لنفسه على ذلك الشرف، ولذلك فقد صرح للصحفيين بأن حزبه قد جمع قدراً كافياً من توقيعات النواب يكفل للاجتماع البرلماني القادم في 29 يوليو الحالي بأن يكمل النصاب القانوني اللازم اي ثلث الاعضاء! الاجندة الخارجية كان بإمكان اجاويد ان ينعم بسعادة باقية اذا ما قرر ان يختم حياته السياسية بشرف وذلك باعلان استقالته من رئاسة الحكومة وبالتالي من رئاسة حزبه والمشاركة في الدعوة لاجراء انتخابات برلمانية مبكرة، فيحفظ له التاريخ التركي تلك البادرة الحسنة التي ليس بامكانه ولم تكن بامكانه طوال تاريخه ان يسجل بادرة مثلها او افضل منها، ولكنه قرر ان يسبح عكس التيار العام، بل ان يصبح ضد تيار حزبه الذي انسحب منه نصف اعضائه واتجهوا لتكوين حزب جديد هو حزب «تركيا الجديدة» بقيادة وزير الخارجية السابق اسماعيل جيم. ففي لقائه الاخير ببقايا حزبه كرر اجاويد اصراره على البقاء في السلطة حتى ابريل 2004 مهما تكن شدة الضغوط عليه حتى ولو جاءت من طرف زملائه القدامى في الحزب ومهما تكن نذر الفشل التي قد يجرها عناده وتصميمه الدوغمائي على حزبه في انتخابات نوفمبر التي من المرجح ان تقر وتجرى فعلا في ذلك الموعد، ومنذ الآن بدأت النذر تتضح، اذ اشارت معظم استطلاعات الرأي العام الى ان فصيل اجاويد الذي كان اكبر الكتل البرلمانية الى ما قبل اسابيع قلائل، سيمنى بهزيمة فادحة، وربما اخفق حتى في احراز 10% من الاصوات وبالتالي يفقد اي تمثيل برلماني. ان فشل اجاويد سينعكس بلا ريب على الحزب الجديد الذي انشق عنه بقيادة اسماعيل جيم، وذلك لسبب بسيط هو ان شعارات الاثنين واهدافهما لا تختلف، وبالتالي فسيتوزعان الاصوات، وكل منهما سيضعف موقف الآخر، هذا مع ملاحظة ان الحزب الجديد رغم تمتعه حاليا بعضوية 64 نائبا برلمانيا، إلا انه بسبب جدة نشأته يفتقر الى كيان تنظيم قوي يمكنه من ادارة حملة انتخابية ناجحة وقد يدير حملته اعتماداً على تأييد بعض المؤسسات الاقتصادية القومية لسياساته الداعية الى الاسراع بتلبية مطالب السوق الاوروبية وتنفيذ مطالب قيادة حلف الاطلسي باستمرار تركيا في حلفها مع اميركا واوروبا واسرائيل. وهكذا تبدو سياسات الحزب الجديد بل سياسات معظم الاحزاب التركية مسوقة باجندة خارجية اكثر منها داخلية، وهي تقدم بذلك ربما في العالم اجمع افضل مثال لتجسيد نظرية التبعية في العلاقات الدولية. بين الممكن والمستحيل ان اكثر قادة الطيف السياسي التركي يراهنون على الهدف المستحيل، ويتناسون الهدف الممكن، الهدف المستحيل هو ادخال بلادهم ساحة المجموعة الاوروبية التي تنتحل في كل حين سبباً جديداً لتباعد نفسها عن تركيا. فبعيداً عن الاسباب الاصلية وهي اسباب الهوية والدين والجغرافيا يكثر قادة المجموعة الاوروبية الحديث عن انتهاك السلطات التركية لحقوق الانسان التركي، والكردي على الخصوص، وعن احتشاد السجون التركية بآلات التعذيب الرهيب، وعن اصدار القضاء التركي لاحكام الاعدام. وفي مقابل التشبث العبثي بالمجموعة الاوروبية تخلى القادة الاتراك عن الهدف الممكن وهو الهدف الاستراتيجي الذي كان يرمي الى انشاء نوع من الوحدة السياسية القومية مع شعوب آسيا الوسطى الناطقة بالتركية، وقد انبثقت فرصة نادرة لتركيا لتحقق ذلك الهدف بانهيار الاتحاد السوفييتي السابق، واستقلال الجمهوريات الاسلامية ذات الاصول التركية عنه، وهي شعوب ذات انتماء عميق للدولة العثمانية التاريخية وكان بامكان ذلك الهدف ان يخول تركيا وضع اقدامها على ارض تتفجر بالنفط والغاز الطبيعي وانواع الثروات الجيولوجية الاخرى، وذلك مما يضيف لوزن تركيا اضعافا مضاعفة على الصعيد الدولي، لكن معظم السياسيين مشغولون بملهاة الانتخابات الدورية، ولعبة توازن واختلال القوى والتحالفات الحزبية، عن ان يركزوا على اهداف عظمى مثل تلك، ولذلك فليس من المستغرب ان يجدد السياسيون المنسلخون عن حزب اجاويد الدعوة الى تلبية شروط المجموعة الاوروبية واعدين ناخبيهم بامكانية تلبية تلك الشروط وليس في ذلك سوى الخداع الذي لا ينطلي على احد، فهم قبل غيرهم ادرى باستحالة تحقيق تلك الشروط. شعارات الحملة القادمة وهكذا لا تجد آلة الدعاية الانتخابية التركية شيئاً تستهلكه سوى ذلك الحلم الجميل بالانتساب الى اوروبا، وذلك وحده يكفي للشهادة على بؤس المشهد السياسي التركي فأكثر ما يتعلل به القوميون الاتراك الممثلون في الحكومة الحالية، هو الحديث عن مرض زعيم اليسار ورئيس الحكومة اجاويد الذي لا يمكنه من تنفيذ الشروط الاقتصادية الواجب تنفيذها قبل دخول تركيا للمجموعة الاوروبية. وهكذا يتم اختزال الموانع والعقبات الضخام التي تحجز تركيا عن اوروبا في عارض صغير يمكن تلافيه وهو اضمحلال صحة اجاويد، ومن ثم تفادي ذلك العارض الطاريء بتبديل شخص رئيس الوزراء وانتخاب شخص تؤهله صحته القوية لانفاذ تلك الشروط. تلك هي رؤية القوميين الاتراك، اما قادة حزب الوطن الام الذين يمثلون الضلع الثالث في التحالف الحاكم، فإنهم مضطربون في آرائهم غاية الاضطراب اذ انهم متنازعون ما بين تأييد الدعوة الى الانتخابات المبكرة في نوفمبر المقبل وما بين التعلق بشعار مساندة الحكومة الحالية حتى تنجز بنود الاصلاح الاقتصادي المشترك لنيل عضوية المجموعة الاوروبية. ان تشبث قادة حزب الوطن الام بهذين المطلبين المتناقضين يبدو شاذا، وغير واقعي ولا عقلاني على الاطلاق ولكن هؤلاء القادة في استمرائهم لذلك الموقف المتناقض لا يتناغمون إلا مع لغة السياسة التركية الدالة على انهم يريدون الانتخابات في نوفمبر ويريدونها مع ذلك ان تأتي بعد انجاز الشروط المطلوبة وذلك حتى يتحسن موقفهم الانتخابي وينالون اغلبية مقاعد البرلمان القادم، ولعلهم جادون في ظنهم ان ما عجزوا عن انجازه في سنوات طوال يمكن ان ينجزوه خلال الاشهر الثلاثة المقبلة. وان ذلك الموقف الذي يتمثله اقصى اليمين «الوطن الأم» يتمثله ايضا حزب اليسار الوسط الجديد بقيادة اسماعيل جيم الذي سارع فور انتخابه زعيما للحزب بتأييد 64 نائبا، بإعلان ان المظلة الانتخابية لحزبه ستكون هي حزمة الاصلاحات الاقتصادية التي تشترطها المجموعها الاوروبية. بهذا الالتفاف الجماعي حول نفس الشعارات يصعب معرفة اوجه الخلاف بين تلك الاحزاب ويحار المراقب حول معرفة اسباب الازمة الناشبة حاليا بين مواقع تلك الاحزاب. ـ استاذ العلاقات الدولية بالولايات المتحدة