تعاني تركيا ومنذ الثامن من يوليو الجاري من أزمة وزارية حادة اثر الانقسامات داخل الحكومة برئاسة بولند أجاويد حول الاصلاحات الواجب اتخاذها للتمكن من الانضمام للاتحاد الأوروبي فضلا عن تدهور الحالة الصحية لأجاويد، لقد كان من تداعيات هذه الأزمة أن أعلن عدد من الوزراء في الحكومة استقالاتهم ومنهم وزير الخارجية اسماعيل جم الذي فضل الانسحاب وتشكيل حزب سياسي جديد يخوض به الانتخابات المقبلة، كما وصل عدد النواب المنسحبين من حزب رئيس الوزراء الى 60 نائبا لينخفض بذلك عدد النواب الداعمين للائتلاف الحكومي الى 274 فقط وهو أقل من الرقم المطلوب لتحقيق الأغلبية. هذه التطورات أدت بحكومة أجاويد لأن تكون في مهب الريح ولو حدث وتم الاتفاق بين الأحزاب السياسية على القيام بسحب الثقة منها لتحقق لها ما أرادت.. الأزمة الداخلية التركية أثارت العديد من التساؤلات بين المراقبين لتطورات الأوضاع في المنطقة حول أبعادها ودوافعها وانعكاساتها على علاقات تركيا الاقليمية والدولية، وامكانية أن يكون هناك دور أميركي في هذه الأزمة، وتأثير الوضع السياسي الحالي في تركيا على الاستعدادات الأميركية لضرب العراق والسر وراء احجام المؤسسة العسكرية عن التدخل بشكل مباشر في هذه الأزمة كما حدث مع أزمات أخرى سابقة®. «الملف» التقى الدكتور قدري سعيد مستشار مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والخبير الاستراتيجي أيمن السيد عبدالوهاب، لالقاء الضوء على حقيقة التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة التركية. تدخل غير مباشر بداية يقول د.محمد قدري سعيد مستشار مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: ان السبب الاساسي في عدم تدخل المؤسسة العسكرية التركية بشكل مباشر في هذه الازمة هو الحرص على عدم اغضاب الاوروبيين في هذه الفترة في ظل الرغبة الشديدة في الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، ومن هنا فالمؤسسة العسكرية لا تريد الظهور بانها تتدخل في كل صغيرة وكبيرة حتى لا تتهم تركيا بانها دولة غير ديمقراطية، ولذلك فضلت في هذه الازمة الا تظهر بشكل مباشر وتعتمد في تدخلها على رجالها داخل الحكومة أي انها تتدخل ولكن بشكل غير مباشر، وعموما فمعروف ان المؤسسة العسكرية لا تتدخل بشكل جدي في الازمات الداخلية الا اذا هددت الثوابت التركية مثل العلمانية على سبيل المثال، وهذا يفسر تدخلها ابان نجاح حزب الفضيلة ذي التوجه الاسلامي في الانتخابات. ويعتقد د.قدري ان الموقف الاقتصادي الصعب الذي تجد تركيا نفسها فيه في الوقت الحالي هو السبب الرئيسي في حدوث هذه الازمة فمعروف مدى التدهور الذي حدث في سعر الليرة التركية ولجوء الحكومة هناك الى الاقتراض، وقد ادى ذلك اضافة الى مرض رئيس الوزراء اجاويد وحالة الانقسام بالنسبة للشروط التي وضعتها أوروبا لكي تنضم تركيا الى الاتحاد الأوروبي، أدى الى تفاقم هذه الأزمة. ويشير د.قدري الى ان الرأي العام التركي قد وصل الى درجة عالية من النضج، ومن هنا فمثل هذه الازمات وغيرها لا يمكن ان تصل بالأمور هناك الى حالة عدم الاستقرار، وخاصة في ظل السياسات المتوازنة التي تنتهجها تركيا منذ فترة فيما يتعلق بالكثير من القضايا ومنها الصراع العربي الاسرائيلي وموضوع ضرب العراق. ويرى د.قدري ان الاهتمام الأميركي بتركيا على اساس اهميتها الاستراتيجية لا شك جعلها تبادر بارسال نائب وزير دفاعها الى تركيا وقد تردد انه تم خلال هذه الزيارة التلويح من جانب الأميركان بتقديم مساعدات اقتصادية كبيرة في مقابل ان تساعد تركيا في موضوع ضرب العراق، ورغم ان هذا الأمر يجد معارضة من البعض داخل الحكومة التركية الا ان هناك اخرين لن يمانعوا طالما ستكون هناك مساعدات اقتصادية. صراع داخلي ومن جانبه يرى أيمن السيد عبدالوهاب الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن الأزمة الراهنة في تركيا هي استمرار لحالة من الصراع الداخلي كان كامنا خلال الفترة الماضية، ولكن الذي أدى الى تصاعده بهذه الصورة هو مرض رئيس الوزراء «أجاويد» وشعور الكثير من السياسيين الأتراك بأهمية ظهور شخصية سياسية جديدة تدير شئون الحكم، ومن هنا كان التنافس بين أعضاء الحكومة لتولي مكان أجاويد والذي أدى بدوره الى التسريع بحدوث الأزمة ولجوء الكثيرين الى تقديم استقالاتهم خاصة وزير الخارجية اسماعيل جم. أيضا مما أدى الى تصاعد الأزمة التركية بهذا الشكل ذهاب بعض المؤشرات على الساحة السياسية الى وجود دور خارجي وخاصة للولايات المتحدة كان وراء هذه الأزمة، وخاصة ما تردد عن ترجيحات لكفة بعض الأشخاص ومحاولة الدفع بهم لتولي مقاليد الأمور، على أساس أن هؤلاء قد يكونون أكثر إفادة لها في حالة الاقدام على تنفيذ مخططها الرامي الى غزو العراق أو باقامته علاقات أكثر متانة مع اسرائيل، وقد كان هذا الدور أو التدخل الأميركي محل انتقاد كبير من الكثير من الساسة الأتراك، ومنهم رئيس الوزراء أجاويد والقوى الاسلامية لأنها ترى في هذا التدخل ترسيخ للسياسات الأميركية في المنطقة والتي ترتكز على ضرورة أن يكون لها يد طولى في تركيا. ويضيف أيمن عبدالوهاب أن الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا منذ فترة والتي وصلت ذروتها نهاية العام الماضي تعد من أهم الأسباب التي أدت الى تدهور الأوضاع الداخلية بهذه الصورة والتي تمثلت في هبوط سعر الليرة التركية وكذلك أسعار الأسهم، ومما زاد الأزمة قيام الحكومة بتعويم عملتها مما أدى الى انهيار سعرها ولم يعد التوازن الى الاقتصاد التركي سوى زيادة صندوق النقد الدولي من حجم اقراضه لتركيا، وقد كان من تداعيات هذه الأزمة على الأوضاع الداخلية التركية أنها أظهرت مدى تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، حيث قامت بتأييد حكومة أجاويد ودعمها والعمل على تهدئة الأوضاع، حتى أن رئيس أركان الجيش تدخل وعقد لقاءات مع مسئولين سياسيين أتراك للخروج من الأزمة. محيط اقليمي ويعتقد أيمن عبدالوهاب أن حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها تركيا في الوقت الحالي تصب في أكثر من اتجاه ولها العديد من التداعيات على محيطها الاقليمي، فمثلا فيما يتعلق بالملف العراقي هناك العديد من التلميحات التي تأتي من الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين تفيد أنه قد تم الاتفاق بالفعل على الدور التركي في العملية المنتظرة ضد العراق والتي من المتوقع أن تكون غزوا كاملا هذه المرة، فتركيا ينتظر منها أن تكون مدخلا للقوات المهاجمة وقاعدة انطلاق لها لموقعها الاستراتيجي بالنسبة للعراق، ولكن مع ذلك فالأتراك لديهم قدر من التحفظ على هذا السيناريو على أساس كم المشاكل التي قد تنجم عنه، وخصوصا ما يتعلق بالتوترات والاضطرابات التي قد تحدث بالداخل لديها من القوى الاسلامية أو الأكراد، ومن امكانية ظهور دولة كردية تؤدي الى حالة من عدم الاستقرار للدولة التركية أو حتى من المصاعب الاقتصادية المتوقعة من هذه العملية. فكل هذه الاعتبارات تأخذها السياسة الخارجية التركية مأخذ الجد في تعاملها مع الملف العراقي، ولكنها في النهاية على الأقل لن تمانع في استخدام قواعدها العسكرية ووفقا لاتفاقيات سابقة مع الولايات المتحدة، كقواعد انطلاق للطيران الأميركي والبريطاني، كما أن الموقف التركي من موضوع الهجوم على العراق يتأثر كذلك بمدى نجاح الولايات المتحدة في اقناع بعض الأطراف العربية بأهمية العمليات ضد العراق، وحتى يحدث ذلك ستظل لتركيا حساباتها واعتباراتها بالنسبة للملف العراقي. ويشير أيمن عبدالوهاب الى أن الأزمة الداخلية التركية لاشك سيكون لها انعكاساتها بالنسبة لموضوع الانضمام للاتحاد الأوروبي، وخاصة أنه من الملفات الشائكة لأي حكومة تركية سواء الحالية برئاسة أجاويد أو الحكومات السابقة أو حتى اللاحقة، فهذا الأمر يمثل حلما كبيرا لتركيا وطموحا تسعى له بشتى الطرق وقد تردد مؤخرا أن أجاويد سوف يسعى لعمل استفتاء على مجموعة المطالب والشروط التي يريدها الاتحاد الأوروبي حتى يقبل بعضوية تركيا فيه، ومن هنا فهذا الملف سيكون مطروحا بشدة على الساحة الداخلية التركية وسيكون له تأثيره وخصوصا في ظل حالة التباين في الرأي بين العديد من القوى السياسية بالنسبة لدرجة الاستجابة لهذه الشروط والمطالب والاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يريدها الاتحاد الأوروبي لكي تحصل تركيا على العضوية الكاملة والدائمة به. أما بالنسبة لتأثير هذه الأزمة على صعيد العلاقات التركية الأميركية فيرى أيمن السيد عبدالوهاب أن هناك اتفاقيات وعلاقة قوية تربط الطرفين وغالبا لن تكون لهذه الأزمة تأثيرات سلبية واضحة على هذه العلاقات وخصوصا في ظل وجود قواعد عسكرية أميركية في بعض المناطق التركية وكذلك في ظل الالتزامات المطلوبة من تركيا في ضوء وجودها في إطار حلف الناتو