تعيش الحكومة التركية حالة سياسية صعبة تتسم بالحساسية، فساسة انقرة لديهم توجسات بسبب عدم اعلان المؤسسة العسكرية موقفاً واضحاً من الأزمة الراهنة الداخلية، التي تمر بها البلاد خاصة في ظل تصاعد احتمالات اقتراب موعد توجيه كل من اميركا وبريطانيا ضربات عسكرية للعراق، وما لذلك من توقعات لانعكاسات مزدوجة على الوضع السياسي للحكومة التركية، تتسم بالتناقض وتضارب المصالح. فبعض من رجالات السياسة يؤيد تقليم اظافر النظام العراقي الحالي والاطاحة برئيسه «صدام حسين» وان كان المناخ السياسي الاقليمي يمنعهم من اعلان هذا الموقف صراحة، وتوجد فئة اخرى تدعم فكرة توجيه ضربة محدودة للعراق لانهاء المشكلة الكردية في شمال العراق، وتطالب اميركا عبر القنوات الدبلوماسية «السرية» بضمانات لا تريد ادارة واشنطن السياسية منحها، كما ان مستشارة الأمن القومي «جونزالز» ترفض حتى مجرد الدخول في مباحثات حول هذا البند، وترفض استفادة تركيا بتحقيق اي نوع من المكاسب او التوسعات على حساب ما قد تسفر عنه نتائج الحرب الاميركية البريطانية ضد العراق. حول أزمات تركيا المتلاحقة وبعض من عناصر ابعادها التقى «الملف السياسي» في لاهاي بـ «رمضان جوزال» خبير شئون السياسة التركية في الحوار التالي: صمت مؤقت ـ كيف تنظر الى الأزمة الراهنة في تركيا؟ ـ رئيس الوزراء التركي «اجاويد» والذي ينوي اجراء انتخابات في نوفمبر المقبل، اضطر لاعلان موقف سياسي صريح ادان فيه التصرفات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وقد اغضب ذلك اميركا، الا انه اراد كسب الجبهة الداخلية في بلاده، خاصة التيارات الاسلامية، اضافة لحفاظه على علاقة بلاده بجارته العراق، وهو الامر الذي تمثل في تصريحاته العلنية، عقب زيارة مساعد وزير الخارجية الاميركية «بول وولفويتز» لانقرة حيث قال «اجاويد» بأنه ابلغه ارادة بلاده في اجراء حوار عميق مع اميركا، حال اتخاذ واشنطن قراراً نهائياً بضرب العراق، وطلب من اميركا توخي الحذر قدر المستطاع، لتجنيب تركيا الاضرار جراء الحرب، ولم ينكر «اجاويد» معرفته بأن الادارة السياسية في واشنطن تنوي التدخل عسكرياً في العراق، مشيراً الى ان المسألة بالنسبة لهم هي عنصر الوقت فقط. واضافة لمحور العراق جارة تركيا، وموقفها مؤخراً من سياسة اسرائيل في فلسطين المحتلة، هناك حالة اخرى تثير حيرة قادة تركيا، وهي التوفيق بين مصالحها والحفاظ على علاقاتها بالدول الاسلامية والعربية، والتي لا ترضى معظمها عن الارتباطات التركية باسرائيل، وعلى وجه الخصوص، الاتفاقيات العسكرية والامنية. فقد قبلت دول عربية واسلامية بارتباط تركيا بحلف شمال الاطلسي وعضويتها من قبل، وهو قبول خلفيته الرضا بالامر الواقع السياسي، الا ان تطور علاقة انقرة باسرائيل يشكل نوعاً من الغضب العربي والاسلامي، تتصاعد حدته كلما ارتفعت حرارة المشاكل الاقليمية، ومعاناتها من التهديد الغربي الاميركي، فليست العراق وحدها هي المهددة، فلا ننسى ان سوريا على قائمة الدول التي تدعم الارهاب، وفقاً لسياسة ورؤية واشنطن، كما ان ايران لا تزال موجودة على قائمة الدول المغضوب عليها من طرف اميركا. لذلك نجد ان النظام التركي حائر بين الوفاق مع الغرب ومصالحه مع جيرانه، وجنرالات الجيش آثروا الصمت والبعد عن السياسة مؤقتاً في الوقت الذي نصح فيه خبراء السياسة الدولية حكومة انقرة بمراجعة علاقاتها بأوروبا. ـ طالما اشرت لعلاقة تركيا بأوروبا.. ما هي أبعاد هذه العلاقة؟ ـ دعني اتحدث عن البعد الاسلامي.. فلقد اصبحت مقولة خطر الاسلام على اوروبا ورقة سياسية تحت الطلب، ازدادت هذه الورقة قوة بعد احداث سبتمبر التي اصابت اميركا في مقتل، وهي مخاوف وتناقضات تحكم انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي. وحقيقة فإن وهم خطر الاسلام على اوروبا هو اوراق سياسية من ضرب الخيال، تتحرك قصاصاتها وفقاً لمصالح وظروف المنظمات الاقتصادية الكبرى والدول ذات النفوذ والتأثير، ولقد اصبح الدين الاسلامي واحداً من هذه الاوراق تستخدمها اوروبا ضد الدول الاسلامية حينما تريد واينما ترغب في ذلك، وهو استخدام يسير ويدور حول محاور العرض والطلب في بورصة السياسة الدولية، وهذه اللعبة تتحرك منذ سنوات في دوائر اللجنة الاوروبية بالعاصمة البلجيكية «بروكسل»، واطراف اللعبة هم دول الاتحاد الاوروبي المتعصبة، التي تعمل على وضع العقبات في طريق انضمام تركيا المسلمة لعضوية الاتحاد، وتضيف لما تسميه بخطر الاسلام على اوروبا اوراقاً اخرى تتهم من خلالها تركيا بعدائها للأقليات المسيحية واهدارها لحقوق الاكراد. ولقد اتضح مؤخراً ان حكومة انقرة فهمت اصول اللعبة واخرجت من جعبتها اوراقاً متشابهة تديرها بذات الاسلوب الاوروبي، حيث تتهم تركيا اوروبا باستعداء المهاجرين الاتراك المقيمين على الاراضي الاوروبية على الدولة الأم بالداخل. من خلف الستار وحقيقة الامر تكمن في مفردات لغة المصالح، التي تحدد من هو الطرف الذي يستطيع تحقيق مكاسب اكبر من الآخر، ومن له القدرة على فرض نفوذه ويكون اكثر تأثيراً، وفي هذه الجولة ستكون الغلبة لصاحب الكفة الارجح، وهو في هذه الحالة الاتحاد الاوروبي الذي يضم خمس عشرة دولة تدين بالدين المسيحي في مقابل تركيا الاسلامية، التي تطالبها دول الاتحاد بتقديم تنازلات تدخل في اطار السيادة الاقليمية التركية مثل احداث مزيد من التغييرات في الدستور، وقيامها بمحاصرة الدين الاسلامي. وتقع عملية انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الاوروبي بين فكي المتناقضات السياسية من الجانبين، فلا أوروبا تخشى من اصابة الاقلية المسيحية في تركيا بالضرر، ولا يهمها كيف تتعامل مع ملف الاكراد، وكذلك تركيا لا تخاف من اتراك المهجر بالقدر الذي تعلنه، لكن المسألة هي رغبة اوروبا في احداث تغيير شامل في منطقة الشرق الاوسط يبدأ عبر البوابة التركية، تغيير يسمح لأوروبا ان تتحرك وتحقق مصالحها الاقتصادية، وهي ترى ان الاسلام يقف عقبة في طريقها لكونه يتمسك بالمبادئ ولا يرى فرقاً بين الدين والدولة، وهو الامر الذي ترفضه اوروبا التي تسعى لفصل الدين عن الدولة في كل البلاد الاسلامية، وابعاد سيطرة المؤسسات الدينية عن شتى مناحي الحياة وتدعم اميركا هذا الموقف بقوة. ـ وهل لذلك علاقة مباشرة بأزمة تركيا؟ ـ نعم.. فكانت حكومة انقرة قد قدمت في السنوات الماضية وعودا للجنة الاوروبية باجراء تغييرات اضافية في دستور بلادها بشأن علاقة الدين الاسلامي بالدولة وهذه التنازلات التركية والموافقة الاوروبية الرسمية التي اضعفت من موقف الاحزاب المسيحية الاوروبية المتعنت ضد تركيا لم تؤت بثمار سياسية في صالح تركيا، ويتضح ذلك من ان معظم اعضاء دول الاتحاد الاوروبي على غير قناعة سياسية حقيقية بقبول عضوية تركيا الاسلامية في الاتحاد، وهو الامر الذي يثير الآن خلافات من وراء الستار في القيادة التركية. ـ لم نسمع او نقرأ بروز موضوع انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي مؤخراً مثلما كان يحدث ذلك في الاعوام السابقة، كما ان تناول الغرب لموضوع الاسلام في تركيا هدأ نسبياً؟ ـ ربما يكون ذلك على مستوى وسائل الاعلام.. وليس كل ما يدور في أروقة السياسة والقنوات الدبلوماسية ينشر لقد كشف تقرير اوروبي «اطلعت عليه الاسبوع الماضي» عن الشكوك الاوروبية في مدى قدرة الدين الاسلامي على ان يساير ضروريات عملية العولمة، التي تتطور بسرعة في اوروبا، وكانت هذه الشكوك تقف وراء اجراء اللجنة الاوروبية لدراسات سياسية تبحث تأثير الاسلام بعد انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي، وذهبت لأبعد من ذلك بكثير باعلانها عما اسمته بخطر الاسلام على دول الاتحاد الاوروبي، وتساءلت عن مدى استعداد رجالات الدين لتجديد اسلام تركيا؟ وتنطلق المخاوف الاوروبية من زيادة تعداد السكان في تركيا بنسب تفوق تنامي تعداد السكان في اوروبا، فتعداد السكان الحالي في تركيا حوالي 65 مليون نسمة، ومن المتوقع ان تصبح اكبر الدول الاعضاء من حيث تعداد السكان خلال 20 سنة وهو الامر الذي يثير قلق مؤسسات الابحاث الاجتماعية الاوروبية، خشية حدوث خلل سكاني لصالح الشعب التركي. وحكومة انقرة على يقظة تامة وعلى علم بوجود تيارات سياسية اوروبية مسيحية تسعى لبث المخاوف في الحكومات الاوروبية من انضمام تركيا لعضوية الاتحاد، لكن لم يثنها ذلك عن نشاط سياستها الخارجية، انطلاقاً من مصلحتها الاقتصادية التي ستحقق من وراء انضمامها للاتحاد الاوروبي. صفعة لأوروبا ـ هل توجد خلافات في قيادات الجيش التركي؟ ـ ربما لا تكون خلافات بمعنى الكلمة.. تركيا تقف حجر عثرة امام مساعدة الناتو «حلف شمال الاطلسي» للجيش الاوروبي و«اجاويد» يشترط موافقة الحلف على تدخل الجيش الاوروبي في مناطق الصراع، ويهيمن العناد والتشدد التركي من وقت لآخر على مناقشات اجتماعات وزراء دفاع وخارجية حلف شمال الاطلسي ودول الاتحاد الاوروبي، وتعارض الخارجية التركية تقديم الحلف للمساعدات من المعدات العسكرية والجنود للقوات الاوروبية المشتركة للتدخل السريع، وقد بذل وزراء خارجية دول الاتحاد الاوروبي الاعضاء في حلف شمال الاطلسي كل الجهود للتوصل الى تفاهم مع تركيا لتجاوز الخلاف، دون جدوى. وقد غضبت اوروبا، الا ان هذا الغضب الاوروبي لا يمنع ان خطة الجيش الاوروبي الموحد، واستمداده المعونة في خطواته الاولى من الناتو معرضة للخطر الشديد ومهددة بأن تنسف من جذورها، مما يقتضي معه ضرورة الاتفاق مع تركيا، لضمان موافقتها ان تعمل تلك القوات تحت مظلة الدعم من حلف الناتو، اذ تسعى خطة الاتحاد الاوروبي الى انشاء جيشها الموحد رسمياً العام المقبل 2003 بقوة 60 ألف ضابط وجندي للتدخل السريع في الازمات ومناطق الصراع التي لا يرغب حلف شمال الاطلسي نفسه التدخل فيها، وذلك دون ان يكون الجيش الاوروبي مرتبطاً بموافقة او قرار من الحلف للسماح له بالتدخل بل يتم هذا من خلال التنسيق وسياسة الحوار دون الزام من الحلف. تركيا تشترط انه في حالة تقديم الحلف الدعم للجيش الاوروبي الموحد من عتاد وجنود، فعلى هذا الجيش الاوروبي ان يتدخل فقط في مناطق الصراع في حالة موافقة حلف شمال الاطلسي والسماح للجيش الاوروبي بذلك، ووزراء الاتحاد الاوروبي يرفضون ذلك المطلب التركي او حتى مجرد مناقشته، لأن هذا الشرط سيجعل القوات الاوروبية مرتبطة بالموافقة التركية عبر الحلف في كل حالة تدخل او تحرك للجيش الاوروبي لمناطق الصراع، وبذلك يتعلق مصير تحركات الجيش الموحد بالقاطرة التركية، ومدى رضاها او قبولها. وتقف الآن دول الاتحاد الاوروبي حائرة في مواجهة الموقف التركي المتشدد، فهي امام خيارين لا ثالث لهما، اما الاستجابة للمطلب التركي وبذلك تعلق مصير تحركات جيشها بالارادة او الموافقة التركية من عدمها، وبهذا ستسمح لتركيا بوضع قدمها على عتبة الاتحاد الاوروبي والسماح لها بالتحكم في السياسة الامنية الاوروبية، وهو الهدف الذي تسعى له تركيا منذ قرابة خمسة عقود، والذي من اجله ترد تركيا الآن الصفعة لاوروبا، بسبب عمليات التأجيل المتتالي لقبولها كعضو بالاتحاد، فتركيا تستغل تلك الفرصة السانحة لاملاء شروطها على اوروبا، ومن هنا توجد خلافات بين جنرالات تركيا والادارة السياسية في انقرة.