تشهد الساحة السياسية في تركيا تطورات مثيرة بسبب الأزمة التي فجرها وزير الخارجية التركية اسماعيل جم باستقالته من الحكومة، ومن بعده وزير الاقتصاد كمال درويش قبل ان يتراجع عنها بضغط من رئيس الجمهورية، أحمد نجدت سيزر، وما تلا ذلك من استقالات نواب حزب اليسار الديمقراطي الذي يتزعمه رئيس الوزراء بولنت أجاويد، حتى أفقد الحكومة ثقة البرلمان وادى الى الاعلان عن انتخابات مبكرة. ويزداد يقين المراقبين أن هذه الأزمة ليست فقط وليدة مرض رئيس الوزراء أجاويد، وعدم قدرته على ادارة دفة الحكم، أو الصراع السياسي الدائم بين الاحزاب الرئيسية المشكلة للائتلاف الحاكم، ولكن وليدة تدخلات قوى اجنبية ذات نفوذ قوي على عدد من رؤساء ورجالات الاحزاب في تركيا، وتريد هذه القوى الاجنبية ان تفرض رؤيتها السياسية والاستراتيجية على تركيا لصالح استراتيجية تتعلق بأهداف هذه القوى في منطقة الشرق الأوسط، ولا تستطيع تحقيقها في ظل الفوضى السياسية التي تسود تركيا حاليا، وعدم قدرتها على اتخاذ القرار السياسي الذي يتناسب والدور المطلوب من تركيا في ظل المرحلة المقبلة. ومن ثم يصبح التغيير ضروريا وبسرعة لخدمة المخططات المستقبلية لهذه القوى الأجنبية في المنطقة، وأبرزها بالقطع المخطط الأميركي ـ الإسرائيلي المشترك لتغيير نظام الحكم في العراق بالقوة اذا لزم الأمر. فليس سرا ان وزير الخارجية المستقيل اسماعيل جم وصديقه وزير الاقتصاد كمال درويش ذوي أصول يهودية، وينتميان الى جماعة مايعرف ب(يهود الدونمة) وهي جماعة لها أصول قديمة تمتد الى القرن التاسع عشر، تظهر انتماءها للإسلام في حين تعتنق اليهودية في واقعها، ولها نفوذ سياسي واقتصادي واعلامي واسع في تركيا، لا سيما في قيادات الاحزاب السياسية والجيش والبنوك وكبرى الصحف التركية مثل (حريات)، لذلك لم يكن غريبا ان يحظى كلاهما بدعم الولايات المتحدة واسرائيل والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، حتى أن هذا الصندوق لا يأتمن أحداً في تركيا على قروضه التي يمنحها لها سوى درويش، وكان قد هدد بانه في حالة خروج درويش من الوزارة سيجمد اتفاق القرض الضخم المتفق عليه والذي تبلغ قيمته 16 مليار دولار. اعتبارات داخلية وليس مصادفة أن يتزامن نشوب هذه الأزمة مع أحداث داخلية وخارجية مطلوب من تركيا اتخاذ قرارات حاسمة بشأنها. أبرزها على الصعيد الداخلي تنفيذ الاصلاحات السياسية بدعوة البرلمان التركي الى التصديق على مشروعات القوانين الخاصة بها.. وهي قوانين تتصل بحقوق الإنسان، يحتاجها الشعب التركي ويشترطها الاتحاد الأوروبي لقبول تركيا عضوا فيه، منها اعتماد اللغات المحلية واستخدامها في التعليم بمختلف مراحله وفي وسائل الاتصال الجماهيري (صحافة، اذاعة، وتلفزيون)، خاصة مايتعلق بالاقلية الكردية وحقها في الاحتفاظ بخصوصيتها الثقافية. خاصة وانه توجد في تركيا 33 لغة مستعملة في قطاعات من الشعب تبعا لاصولها العرقية أبرزها: العربية، والكردية، واليونانية، والألبانية، والجركسية، والارمينية، والشيشانية.. وغيرها. وهذه الاصلاحات السياسية يدافع عنها حزب الوطن الأم بزعامة مسعود يلماظ ـ الشريك الثالث في الائتلاف الحاكم، والذي يكرس جهوده لقبول تركيا في الاتحاد الأوروبي، في حين يعارضها حزب العمل الكردي بزعامة دولت بهجلي بدعوى انها تعمق الانشطة الانفصالية للأكراد، وتحيى المواجهات التي سقط فيها أكثر من 30 ألف قتيل خلال 15 عاما من القتال بين الجيش والجماعات الكردية الانفصالية وعلى رأسها حزب العمل الكردستاني، حيث يطالب بهجلي بضرورة تنفيذ حكم الاعدام المؤجل في رئيس الحزب عبدالله أوجلان لذلك يعتزم هذا الحزب ان يصوت في البرلمان ضد شروط الاصلاح الأوروبية. أما على الصعيد الاقتصادي، فإن المطلوب من تركيا اجراء عمليات جراحية صعبة للغاية، تتمثل أساسا في تخفيض قيمة الليرة التركية مرة اخرى بعد ان تم تخفيضها بنسبة 50% مقابل الدولار، وتقليص الدعم الحكومي لكثير من المشروعات الاجتماعية، وخفض الانفاق الحكومي بعد الازمة التي هزت البلاد في فبراير 2001. لذلك تعلق الآمال على كمال درويش ـ الذي لا ينتمي الى حزب سياسي ـ لتحقيق الاصلاح الاقتصادي، ويعتبر في تركيا رجل صندوق النقد الدولي حيث كان يشغل من قبل وظيفة نائب رئيس البنك الدولي، وهو الذي تفاوض على البرنامج الذي يرعاه صندوق النقد الدولي وقيمته 16 مليار دولار، ويحظى بتأييد رجال الاعمال والشركات الكبرى، الا ان الازمة السياسية الاخيرة هددت بتأجيل تنفيذ هذا البرنامج وبالتالي تعطيل خطة الانعاش الاقتصادي، لاسيما مع طول فترة عدم التيقن قبل الانتخابات المبكرة، خلال الفترة الزمنية المحددة الباقية حتى اجراء هذه الانتخابات في نوفمبر المقبل ـ ثلاثة أشهر فقط ـ حيث لا توجد فرصة لمناقشة هذه المشروعات، الأمر الذي سيجعلها مجال نقاش جماهيري واسع، ستتحدد في ضوئه مواقف الشعب التركي من الأحزاب سواء القائمة (42 حزبا) أو الجديدة المحتمل اقامتها، وعلى رأسها الحركة الجديدة التي يرأسها اسماعيل جم، وتضم حسام أوزكان، وكمال درويش (في المستقبل)، وهذه الحركة تحظى برضى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واسرائيل، الا انها لا تحظى بتأييد شعبي كاف بالنظر لميولها الغربية والعلمانية، وكذلك حزب اخر يبزغ الآن بعد طول رقاد، وهو الحزب التركي الديمقراطي الذي يرأسه قسمت سازجان، ولكن لأن الرجل تجاوز الخامسة والسبعين من العمر، فقد ترك موقعه لعضو جديد انضم أخيرا للحزب هو محمد علي بايار (42 سنة) وكان سفيرا في واشنطن قبل عودته ليستقيل من عمله ويرأس الحزب ويجدد شبابه.أ ما حزب (العدالة والتنمية) الاسلامي بزعامة رجب طيب أردوغان، فقد أعرب عن رفضه اجراء الانتخابات التشريعية في 3 نوفمبر القادم، وأوضح ان هذا الموعد يستهدف منح المحكمة الدستورية الوقت اللازم للحكم بحظر حزبه من ممارسة العمل السياسي، وهو الحكم المقرر صدوره في 30 أكتوبر المقبل، ودعا أردوغان الى اجراء الانتخابات في مطلع أكتوبر لقطع الطريق امام حظر حزبه، مؤكدا ان خطوة من ذلك النوع تؤدي الى زيادة التوتر في البلاد. الاعتبارات الخارجية ليس سرا أن الأزمة التي تفجرت باستقالة وزير الخارجية اسماعيل جم ورفاقه، تتزامن مع رفض الحكومة التركية الخطط الاميركية لضرب العراق، ورغبة واشنطن في ان يكون لانقرة دور فيها حيث أعربت حكومة أجاويد عن خشيتها من أن تتسبب الضربة الأميركية المتوقعة للعراق، والتي تستهدف في الأساس الاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين، في حدوث اضطرابات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة في المنطقة، لن تقتصر فقط على الخشية من رد انتقامي من جانب العراق يستخدم فيه كل مالديه من أسلحة تقليدية وفوق تقليدية ضد الدول المحيطة به ومنها تركيا، بسبب استخدام تسهيلاتها الجوية والبحرية بواسطة القوات الأميركية في الضربة المتوقعة، بل من المتوقع أيضا أن يتعرض العراق لانقسامات عرقية حادة تؤثر على استقرار باقي دول المنطقة، وذلك في ضوء مايتردد حول مخطط أميركي لاقامة فيدرالية في العراق تقسمه الى ثلاث دويلات كردية في الشمال، وسنية في الوسط، وشيعية في الجنوب، مما ينعكس سلباً على تركيا التي توجد فيها عدة جماعات ذات نزعات انفصالية. ومن الواضح ان زيارات المسئولين الأميركيين خاصة مساعد وزير الدفاع الأميركي لتركيا تستهدف ازالة مخاوفها في هذا الصدد، والاتفاق على ابعاد الدور الأميركي في عملية العراق، وهو مايعني توريط تركيا داخليا وخارجيا واقتصاديا، خاصة وانها تحصل على 400 مليون دولار سنويا من خط أنبوب النفط العراقي المار بأراضيها، وهو عائد مالي مهدد بالتوقف في حالة ضرب العراق، كما أن العقوبات الاقتصادية على العراق كلفت تركيا خسائر مادية تقدر بـ 40 مليار دولار خلال الاثنى عشر عاما الماضية، وتسعى تركيا الى تقوية علاقاتها التجارية مع العراق لا أن تنضم الى الحرب ضده. كما تأتي هذه الازمة في وقت أبدت فيه تركيا رفضها للممارسات الاسرائيلية في الاراضي المحتلة، بعد أن استبد الغضب بالرأى العام التركي، وجعل اتحادات العمال والنقابات وحتى المسئولين في الحكومة يعبرون علنا عن وقوفهم الى جانب الفلسطينيين. كما تحسنت أيضا العلاقات مع سوريا بدرجة كبيرة، خاصة بعد زيارة رئيس الأركان السوري اللواء حسن تركماني الى تركيا في يونيو الماضي. وفي المقابل أبدت انقرة رغبة في تخفيف علاقاتها الاستراتيجية مع اسرائيل. ويتزامن بروز هذه الأزمة أيضا مع اقتراب حسم الملف القبرصي، حيث رفضت حكومة أجاويد الحل الأوروبي للقضية القبرصية، وماقد يتجدد من خلافات بين تركيا وجارتها اليونان بسبب موقف الحكومة والقوميين من هذه القضية، وهو موقف يسانده غالبية الشعب التركي طبقا لاستطلاعات الرأى التي تشير إلى أن غالبية الاتراك لا يثقون في حيادية سياسة أوروبا تجاه قبرص. صمت المؤسسة العسكرية من الملاحظ أن المؤسسة العسكرية التركية ـ والتي تعتبر أقوى مؤسسة مؤثرة ونافذة وقادرة على فرض إرادتها على الجميع هناك ـ لم تتدخل في هذه الأزمة، ولم تدل بدلوها في التطورات السياسية الأخيرة والمتلاحقة.ورغم أنها تؤيد بشدة إنضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي، وما يتطلبه ذلك من إصلاحات سياسية واقتصادية ضرورية لا تمانع فيها المؤسسة العسكرية، إلا أنها تخشى أن يؤدي تدخلها بشكل علني إلى زيادة حالة الاحتقان السياسي في البلاد، وتفجر الموقف على نحو يتسبب في نتائج عكسية وسلبية على البلاد، لاسيما وأن المؤسسة العسكرية في تركيا رغم قوة نفوذها لا تحظى بقبول شعبي بسبب موقفها المعادي للتيار الإسلامي في البلاد.كما تضع المؤسسة العسكرية في اعتبارها أنه من الأفضل والأسلم أن تبقى بعيدا عن الساحة لكي تظهر تركيا بمظهر الديمقراطية الحقيقية، وهو مظهر مطلوب بشدة أوروبيا وأميركيا. إلا أن هذا الموقف من جانب المؤسسة العسكرية ليس سلبيا على الإطلاق تجاه الأزمة السياسية الناشبة، فهي لا ترضى عن حكومة يرأسها درويش، المتهم منذ مجيئه إلى تركيا بالعمل على بيع مؤسسات تركيا الحيوية إلى أميركا وبالتقسيط المريح، ولا تزال حادثة تدخل المؤسسة العسكرية في ملف تخصيص مؤسسة الإتصالات العامة لمنع تحكم الشركات الأجنبية وتنصتها على مكالمات الجيش حاضرا في الأذهان، فيما تنصب غالبية إتهامات الفساد على الشريك الثالث في الإئتلاف الوزاري حسام أوزكان المعروف بصداقته مع مسعود يلماظ الذي تحوم حوله الشبهات بسبب صفقات يحصل عليها أخوه من الحكومة. لذلك من المتوقع أن تتجه المؤسسة العسكرية نحو تعزيز القوميين في السلطة من خلال دعم الحكومة الحالية وتكليف زعيم الحركة القومية دولت بهجلي الشريك فيها برئاسة الحكومة المقبلة.كما لن تقف المؤسسة العسكرية ساكنة إذا ما تبين لها إحتمالات فوز حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي في الإنتخابات القادمة، وسيتدخلون كما فعلوا في ظروف مماثلة في الماضي لحماية الوضعية العلمانية للدولة، وسيكون من خلال حكم المحكمة الدستورية بحظر النشاط السياسي لهذا الحزب، حيث لا يرغب كبار رجال الأعمال، ولا الأكاديميون والصحفيون وغيرهم من الصفوة التركية في رؤية تدخل عسكري سافر في الإنتخابات، بنفس المستوى من الرغبة في عدم رؤية حزب إسلامي يسيطر على الحكم في تركيا. ولأن المؤسسة العسكرية تحرص على ألا تشكل الحركة الجديدة التي أنشأها إسماعيل جم مركز قوة سياسي جديد يستمد نفوذه من قوى خارجية تتمثل أساسا في الولايات المتحدة وإسرائيل، لذلك من المتوقع أن تحاربها المؤسسة العسكرية، ولا تحظى بدعمها في الإنتخابات القادمة، وستفضل في المقابل دعم القوميين . ـ كاتب مصري