الأزمة السياسية التي تشهدها تركيا في الفترة الأخيرة متعددة الأبعاد والمصادر، لكن المراقب لايمكن أن يتجاهل العلاقة بين احتدام هذه الأزمة، خلال الأسابيع القليلة الماضية، وتصاعد الاستعدادات الأميركية لضرب العراق. وهي استعدادات تحتل تركيا ، مكانا محوريا فيها. وفي الوقت نفسه فإن أنقرة لا تبدي حماسا للتجاوب مع الخطط الأميركية لضرب العراق، وخصوصا مع سيناريو الغزو البري الذي يفترض أن تكون الأراضي التركية أحد أهم محاور انطلاقه. ويبدى العسكريون الأتراك،حلفاء أميركا التقليديون، اعتراضهم على غزو العراق انطلاقا من تركيا. كما يبدي نفس الاعتراض، وبوضوح أكبر أغلب الساسة الأتراك وفي مقدمتهم رئيس الوزراء بولنت أجاويد وشريكاه في الائتلاف الحاكم دولت بهجلي زعيم حزب «الحركة القومية» ومسعود يلماظ زعيم حزب «الوطن الأم». فضلا عن أهم أحزاب المعارضة، وبالطبع الرأي العام التركي. ويستند هذا الموقف التركي الى مخاوف عميقة من خطط أميركية معلنة لتقسيم العراق صراحة، أوضمنا عبر الحديث عن «الفيدرالية» التي يصعب أن تؤدي الى نتيجة غير التقسيم عمليا في ظل الإنقسام العرقي والمذهبي المعروف للعراق بين عرب وأكراد وتركمان (وشيعة وسنة) فضلا عن التشرذم الكبير لفصائل المعارضة الضعيفة والمتعادية الى حد الاقتتال بين بعضها، وعدم وجود قوة جدية قادرة على اقامة سلطة مركزية مستقرة في حالة الإطاحة بنظام الرئيس الحالي صدام حسين. وتنصب المخاوف التركية أساسا على امكانية اقامة دولة كردية في شمال العراق، يمكن أن تمثل سابقة ملهمة للآمال الإنفصالية لدى أكراد تركيا جنوب شرقي البلاد.أكثر من 12 مليون نسمة. ومن شأن ذلك أن يمثل تهديدا خطيرا لوحدة أراضي تركيا، فضلا عن انعاش آمال انفصالية لدى أقليات قوية أخرى فيها. . ومعروف أن تركيا درجت لعقود طويلة على انكار الهوية القومية لأكرادها.. وشنت حربا ضروسا على حزب العمال الكردي بزعامة عبد الله أوجلان حتى تمكنت من اعتقاله، الأمر الذي اصاب الحركة المسلحة الكردية بضربة قاسية، دون أن يعني ذلك القضاء عليها، وعلى امكانية اشتداد ساعدها مجددا.. ولو بعد حين. ولم تبد تركيا أدنى استعداد للتسليم (بهوية ثقافية) خاصة للأكراد الا نتيجة لهذا الكفاح المسلح، وإستجابة لضغوط شديدة من جانب الإتحاد الأوروبي، الذي وضع الاعتراف بالحد الأدنى من مطالب الأكراد (الاعتراف بهويتهم الثقافية دون القومية) كشرط حتمي لمناقشة امكانية أنضمام تركيا اليه. ولم يتم حتى الآن تصويت البرلمان التركي على منح الأكراد حقوقا أولية كحق البث الإذاعي والتليفزيوني بلغتهم وإنشاء مدارس للتعليم بهذه اللغة، والمقرر أن يتم التصويت على هذه القرارات بعد انتهاء العطلة البرلمانية الحالية، التي يبدو أنه سيتم قطعها وإستدعاء النواب لاتخاذ قرار بشأن اجراء انتخابات برلمانية مبكرة على أمل حل الأزمة السياسية الناشبة في البلاد، (والتي تعالج تفاصيلها مقالات أخرى في هذا الملف). وإذن فإن القضية الكردية تمثل نقطة الخلاف الأساسية بين تركيا والولايات المتحدة، فيما يتصل برغبة الأخيرة في اسقاط نظام صدام حسين من خلال غزو عسكري بري، تكون تركيا أحد أهم محاور انطلاقه. والواقع أن الولايات المتحدة لم تهتم جديا بتهدئة المخاوف التركية في هذا الصدد، الأمر الذي جعل تركيا تزداد تحفظا تجاه سيناريو الغزو البري بالذات.. علما بأن هذا السيناريو يبدو الخيار المفضل بقوة لإدارة بوش، وإن اختلفت التصورات بشأن مدى اتساعه. تحركات أميركية وخلال الأسابيع الأخيرة بدأت الإدارة الأميركية نشاطا محموما للإعداد لضرب العراق.وكان طبيعيا أن تزداد ضغوط واشنطن على تركيا وعدد من البلدان العربية المجاورة للعراق والمعنية بالأمر، لحملها على تغيير موقفها الرافض لغزو العراق، وبالنسبة لتركيا فقد أبدت حكومة بولنت أجاويد وقيادة القوات المسلحة التركية اصرارا على رفض الضغوط الأميركية. وبين الأنشطة الأميركية التي شهدتها الفترة الأخيرة كان عقد مؤتمر للضباط العراقيين في المنفى المعارضين لنظام الرئيس صدام حسين، تم عقده في لندن أواسط شهر يوليو الجاري، وأقر المؤتمر «ميثاق شرف» تضمنت أولى مواده النص على العمل من أجل اقامة «فيدرالية» في العراق، رغم المعارضة الشديدة من جانب «الجبهة التركمانية» الموالية لتركيا.. الأمر الذي أدى الى انسحاب ممثل هذه الجبهة العقيد عزيز قادر من المؤتمر، وإصدار الجبهة لبيان ندد بالمؤتمر ومنظميه. وفي الوقت نفسه قام وفد أميركي رفيع المستوى يضم مساعد وزير الدفاع بول وولفوفيتز ومساعد وزير الخارجية مارك جروسمان وقائد سلاح الطيران الجنرال جوزيف رالتسون بزيارة إلى كل من تركيا وأفغانستان. وناقش الوفد مع المسئولين الأتراك مسألة الاستعدادات الجارية لغزو العراق. وواضح أن المحادثات أكدت الخلاف في وجهات النظر التركية - الأميركية الأمر الذي لم يكن المراقبون يتوقعون سواه على أية حال.. فقد أكد الأتراك تفضيلهم لسيناريو توجيه لقوات المعارضة العراقية. كما أكدوا رفضهم لاستقبال قوات أميركية يمكن أن تشارك في غزو محتمل للعراق. وأبدى المسئولون العسكريون والسياسيون الأتراك استخفافهم بفكرة أميركية طرحها وولفوفيتز تقضي بتسليح قوى لأفراد الأقلية التركمانية في شمال العراق (بضع مئات من الألوف) لإقامة توازن مع قوة المقاتلين الأكراد (نحو مليونين ونصف مليون نسمة) .. فالواضح أن التفاوت العددي الكبير لن يسمح بإقامة أي توازن جدي بين الاكراد والتركمان في شمال العراق.. وبفرض حدوث هذا التوازن (جدلا) فإنه سيكون مشروعا لحرب أهلية في تلك المنطقة، لا يمكن أن ترحب بها تركيا.. وكان أقصى ما حصل عليه وولفوفيتز من المسئولين الاتراك هو وعد بمنح قاعدتي «إنجيرليك» و «دياربكر» لتنطلق منها الطائرات الأميركية لضرب العراق. وولفوفيتز من جانبه - ومعروف أنه ورئيسه رامسفيلد يمثلان أكثر الصقور تشددا في ادارة بوش - لجأ الى تهديد تركيا بعد أن فشلت سياسة الترغيب.. وأعلن بوضوح أن تركيا يمكن أن تكون لها كلمة في تقريرمستقبل العراق ما بعد صدام حسين، بقدر انخراطها في الجهود الأميركية لإسقاط نظامه. وبتعبير آخر فإن عدم مشاركه تركيا في السيناريو الأميركي المفضل (الغزو البري) يعني حرمانها من المشاركة في (غنائمه) ورسم صورة مستقبله. الألعاب الخشنة على أن المحادثات والبيانات لا تمثل الا الجانب البارز من اللعبة المعقدة الجارية بين الحليفين التركي والأميركي.. وهي لعبة خشنة يرتدي اللاعبون فيها أقنعة للتمويه. وتمتد الى حد محاولة الولايات المتحدة الإطاحة بحكومة أجاويد، وإحلال حكومة أكثر طاعة منها محلها.. وممارسة ضغوط عنيفة على الجيش التركي صاحب القوة الحقيقية في البلاد، لحمله على تغير موقفه من الحرب التي تزمع أميركا شنها على العراق،وربما على ايران أوسوريا ولبنان في وقت لاحق. الأزمة السياسية المحتدمة التي تشهدها تركيا مؤخرا دليل واضح على ما نذكره.. فالذين فجروا هذه الأزمة هم الوزراء المعروفون بأنهم رجال أميركا في حكومة أجاويد..وفي مقدمتهم وزير الخارجية المستقيل إسماعيل جيم، ونائب أجاويد في رئاسة الحكومة ورئاسة حزب «اليسار الديمقراطي» حسام أوزجان.. وبالطبع رجل أميركا وصندوق النقد الدولي في الحكومة، وزير الاقتصاد كمال درويش. ومعروف أن الثلاثة كانوا قد أعلنوا عن نيتهم لتشكيل حزب جديد بعد استقالتهم من الحكومة وحزب أجاويد. إلا أن كمال درويش عاد عن استقالته بعد أن اجتمع به رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزار ورئيس أركان القوات المسلحة الجنرال حسين كيفريك أوغلو.. فيما اعتبره المراقبون دعما من سيزار والجيش لحكومة بولنت أجاويد. اللافت للنظر أيضا - وهذه نقطة تستحق الانتباه بشكل خاص - أن مساعد وزير الدفاع الأميركي كان قد اجتمع «بوزير الاقتصاد» التركي درويش لمدة ثلاث ساعات كاملة قبل أن يجتمع بأي مسئول تركي آخر!! وتوقف وولفوفيتز في أنقرة خصيصا لهذا الغرض يوم الأحد (14) يوليو وهو في طريقه الى أفغانستان، قبل أن يعود مرة أخرى يوم الثلاثاء (16 يوليو) لإجراء محادثاته مع بقية المسئولين الأتراك.. وفي هذه الأثناء كان مسلسل استقالات الوزراء والنواب مستمرا!! الرسالة واضحة، ومتعددة الأغراض.. فدرويش هو نائب مدير صندوق النقد الدولي (سابقا). وكان تعيينه في منصب وزير الاقتصاد (في أبريل 2001) شرطا من جانب أميركا والصندوق لمنح تركيا قرضا سخيا مقداره ستة عشر (16) مليار دولار لمواجهة أزمتها الاقتصادية. واجتماع وولفوفيتز به قبل الجميع تلويح واضح بالعلاقة بين وصول بقية شرائح قرض الصندوق.. ومرونة الموقف التركي تجاه الخطط الأميركية لغزو العراق.. وهو أيضا رسالة الى أجاويد تتضمن تهديدا صريحا بالإطاحة بحكومته. وكان الأخير قد صرح بأنه سيقدم استقالة الحكومة اذا أصر درويش على استقالته. لا وقت للمشاكسة! غير أن السبب الرئيسي والمباشر للألعاب الخشنة الأميركية مع حكومة أجاويد يظل موضوع الخلاف بين الطرفين حول غزو العراق، والدور التركي المطلوب فيه، ومخاوف تركيا بشأن غموض الموقف الأميركي تجاه قضية بالغة الحساسية بالنسبة لأنقره. نعني امكانية قيام دولة كردية في شمال العراق.. وترى الولايات المتحدة أن المخاوف التركية في هذا الصدد مبالغ فيها.. وأن من الممكن بعد الإطاحة المفترضة بنظام صدام حسين السيطرة على الأوضاع من خلال مواصلة «الحرب على الإرهاب» في كردستان تركيا والعراق. ففي الأخيرة توجد تنظيمات أصولية متهمة بالإرهاب.. كما أن الجهود الأميركية والتركية قد أدت إلى وضع حزب العمال الكردستاني في قائمة التنظيمات المتهمة بالإرهاب.. وعلى أية حال فإن «الحرب على الإرهاب» مستمرة في هذه المنطقة حتى القضاء عليه. وبالتالي فإن المنطقة ستكون «تحت السيطرة». الرؤية الأميركية تبدو منسجمة من وجهة نظر واشنطن.. فالمصالح الأميركية الهائلة في المنطقة الممتدة من آسيا الوسطى وبحر قزوين حتى الخليج العربي (منطقة النفط الأساسية في العالم) تتطلب وجودا عسكريا أميركيا وحليفا مباشرا. و«الجائزة العراقية» شديدة الاغراء بالنسبة للولايات المتحدة (ثاني احتياطي نفطي بعد السعودية وإيران) تبدو في وضع بالغ الصعوبة بعد سيطرة أميركا على العراق..ألا يستحق هذا كله بعض المخاطر التي تراها أميركا «بسيطة» في كردستان ؟؟ وإذا كانت الإجابة الطبيعية من وجهة نظر أميركا، هي: نعم. أفلا ينبغي طرق الحديد وهو ساخن ؟؟ الرد أيضا بالإيجاب. قبل أن يفيق العالم والشعب الأميركي من غيبوبة 11 سبتمبر. ولذلك فإن بعض المحللين يتوقعون أن يكون ضرب العراق أسرع بكثير مما هو منتظر. فالشائع أن الضربة ستكون في نهاية العام الجاري أو بداية العام المقبل.. وهو ما يؤكده سياسيون ومراقبون أميركيون.. إلا أن المخابرات الفرنسية مثلا ـ فيما أشارت اليه التقارير الصحفية ـ تتوقع أن تكون الضربة أسرع من هذا ربما بعدة أشهر.. ربما في سبتمبر أو أكتوبر.. وإذن فإن الوقت ثمين بالنسبة لأميركا.. ولا يتسع «للمشاكسات» التركية.. ورأس الجسر التركي يوفر على أميركا جهودا ومشكلات كثيرة هي في غنى عنها.. وبالتالي فلابد من الضغوط بقوة على أجاويد لإسقاطه - ان أمكن - أو تطويعه اذا تعذر اسقاطه.. أما بالنسبة لتركيا فإن النار لا تحرق الا من يقبض عليها. والإفلات من دفع ضريبة التحالف بالمخاطرة بكردستان غير مستقرة، يظل أفضل الحلول بالنسبة لتركيا، لذلك رأينا المؤسسة العسكرية تدعم حكومة أجاويد، كما رأينا حزب السعادة الإسلامي المعارض (48 مقعدا) يعلن أنه لن يسمح بإسقاط الحكومة. وينبغي أن نشير هنا الى أن تركيا رغم تحالفها الوثيق مع أميركا، وعضويتها في «الناتو» ليست دائما تابعا مطواعا للولايات المتحدة. فقد أقدمت مثلا على غزو شمال قبرص حينما رأت أن مصالحها تقتضي ذلك (عام 1974). وهي تقيم علاقات اقتصادية مع ايران، بما في ذلك استيراد الغاز على نطاق واسع رغم معارضة أميركا. فأنقره تدرك أهميتها الاستراتيجية لأميركا وتحاول اللعب بها بمهارة لتحقيق مصالحها الخاصة. وبالرغم من كل ما ذكرناه فمن الضروري الإشارة إلى أنه لا تركيا كدولة.. ولا حكومة أجاويد تسعى الى مواجهة مع أميركا.. أو حتى تنساق إلى مثل هذه المواجهة.. وإذا وجدت تركيا أن الولايات المتحدة مصرة على سيناريو الغزو البري الواسع فالأرجح أن تنضم تركيا اليه بصورة من الصور!! وقد أعلنت حكومة أجاويد مثلا أنها يمكن أن تسمح بمرور قوات المعارضة العراقية عائدة الى بلادها عبر الأراضي التركية. وهذه الحكومة نفسها يمكن أن تراجع موقفها بدرجة أو بأخرى اذا تلقت ضمانات أميركية يمكن الإطمئنان اليها.. أو.. ثمنا مناسبا. ـ كاتب مصري