الملف السياسي: تأتي الازمة المتصاعدة في تركيا، سياسياً واقتصادياً، في وقت بالغ الحرج والحساسية على المستويين الاقليمي والدولي، مما يعطي ابعاداً اضافية لتداعياتها وانعكاساتها، داخلياً بطبيعة الحال، ولكن ايضاً على دورها ومحيطها الاقليمي ومكانتها أو موقعها في الاستراتيجية الدولية، وعلى رأسها هيمنة أميركا ومخططاتها في المنطقة. ففي حين تضع أميركا اللمسات الأخيرة، على ما يبدو، لرغبتها التي اصبحت حالة مزمنة لضرب العراق، وربما تقسيمه، تأتي ازمة تركيا، الحليف القوي لواشنطن والجار الملاصق للعراق، لتضع عقبة جديدة امام الخطة الاميركية، ليس من المتوقع ان تلغيها ولكنها، على الارجح، ستؤجلها ولو إلى حين، خاصة اذا ما جاءت الانتخابات المبكرة في نوفمبر المقبل بلاعبين جدد على الساحة السياسية التركية، قد يكونون اكثر توجساً أو أقل انسجاماً مع الاهداف الاميركية في المنطقة عموماً، وتجاه العراق بشكل خاص. فإذا صدقت استطلاعات الرأي الأخيرة، فإن الانتخابات التركية قد تأتي بوجوه جديدة من التيار الاسلامي أو قريبين منه، مما يعيد مجدداً الى قلب الاحداث التركية مسألة ازمة الهوية الثقافية والحضارية التي تعاني منها تركيا منذ عقود عديدة، بين انتمائها الشرقي دينياً وتاريخياً، وحلمها العتيد بالانتماء للغرب والانضمام الى الاتحاد الاوروبي. اما اذا حدث السيناريو الاسوأ، أو الأكثر سوءاً في رأي البعض، فقد تدخل تركيا مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي قد تؤدي في النهاية الى الحكم العسكري المباشر، بعد ان ظلت المؤسسة العسكرية منذ الثمانينيات تحكم من وراء الستار. وفي هذه الحالة ستزداد الازمة الاقتصادية عمقاً واتساعاً وسيصبح حلم «الأوربة» مجرد سحابة صيف سرعان ما تتبخر كلياً أمام حرارة الجو السياسي القائظ. وأيا كانت الصورة التي ستنتهي عليها الازمة الحالية، فمن المؤكد أنها ستترك انعكاسات سلبية واضحة على المحيط الاقليمي لتركيا وخاصة على الدول العربية التي لا يبدو أنها تعير هذه الازمة وتداعياتها ما تستحقه من اهتمام ومتابعة. ففي الاوضاع الاقليمية والدولية الملتهبة، وفي ظل السوابق القريبة والبعيدة لنظام الحكم في تركيا، لن يكون مسموحاً لهذا البلد، لا في الداخل ولا من الخارج، ان يعيد رسم أولوياته الاستراتيجية بحيث تصبح تركيا جزءاً فاعلاً ومؤثراً ايجابياً لصالح القضايا الاسلامية والعربية، كما ان العقبات الكثيرة التي تعترض توجهاتها الغربية والاحباطات المتكررة في هذا الاتجاه، يبدو انها حبلى بالمزيد من المخاوف والتوجس، حتى لدى الأطراف التركية الأكثر قرباً ورغبة في الانتماء للغرب. لذلك فإن الاوضاع الراهنة واحتمالاتها في المدى القريب على الاقل، لا تدعو الى الكثير من التفاؤل حول انفراج الازمة، بل الازمات التركية، في اتجاه استقرار داخلي ينعكس ايجاباً على محيطها الاقليمي ودورها الايجابي المفترض والمطلوب عربياً واسلامياً. ومن هنا يبقى التساؤل قائماً: هل أدمنت تركيا فعلاً صفة «الرجل المريض» .. وإلى متى؟!