لا ندري ان كان يحق لنا في هذا الزمن العربي الرديء الاحتفال «بيوبيل ذهبي» لهذه الثورة، ام ان «الذهب» كمعدن، في هذه الثورة قد دفن يوم غدروا بعبدالناصر واغتالوا مشروعه مشروع الفارس العربي الذي تكلم باسم المسحوقين وباسم الذين يعانون من يتم في الكرامة والعزة. خمسون سنة مرت على «ثورة يوليو 52»، وقد جاء الرد مؤلما ومبكيا على ذلك الانسان العربي الذي صاح في شقيقه: «أخي لقد جاوز الظالمون المدى»، حين اضحينا نسمع اليوم رجع صدى استغاثات لا تجد من يهب لنجدة اصحابها. بعد خمسين سنة من «ثورة يوليو 52»، أصبح الأعداء وفي تعالٍ يملون علينا شروطهم، ويرفضون مناقشتنا على حقوقنا، وهذه سنة القوي مع الضعيف أبدا.. اليوم ورغم كيد الحاقدين، ورغم اصوات المشككين في الثورة، «ثورة يوليو 52» نجدهم لا يقدرون على انكار لحظة عز حالفت العربي اينما حملته رجلاه.. فاليوم اصبح «الاسمر» ذلك الذي اسودت عيناه وحاجباه، مطاردا في مطارات العالم وممنوعا من صعود الطائرات.. سؤالان وجهناهما لاربع شخصيات عربية مرموقة عايشت ثورة يوليو ونتائجها وانكساراتها والانقلاب عليها وكان هذا التقرير. في البداية يقول الشاذلي القليبي الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية: «لما اندلعت الثورة في مصر كانت تونس مشغولة بثورتها ايضا ضد الاستعمار. ففي جانفي 1952 كانت ثورة تونس وتحديدا اندلعت يوم الثامن عشر من الشهر نفسه في حين ستة أشهر موالية كانت الثورة في مصر ضد الملكية. كان لي ولجيلي نظرة خاصة الى الانقلابات العسكرية. كنا ممتعضين من انقلاب حسني الزعيم «48» في سوريا وكنا نرى في الانقلابات المتوالية في أميركا اللاتينية مثالا سيئا جدا للأقطار الناشئة والساعية الى الانعتاق، وكنا نرى في ذلك سببا لعدم الاستقرار وتسابقا للحكم واهمالا للقضايا الاساسية، لكن بعد مدة بدأ يظهر وجه جديد في الثورة وهو الضابط «بكباشي عبدالناصر»، بدأت الوجوه الأخرى تتباعد وخاصة الرئيس نجيب وكل من حول نجيب. بدأت تتلألأ الشمعة. سمعة رجل قوي حازم ذو نظرة استراتيجية له شعور متناه بكرامة مصر ثم بعد ذلك بكرامة الامة العربية. لان في صعود الثورة لم تكن النظرة القومية ظاهرة او بائنة. وبدون «راديو» لا ادري هل كان عبدالناصر سيحرز السمعة الشعبية التي أحرزها بسرعة فائقة في كل البلاد العربية. لقد كان «صوت العرب» وسيلة العرب التي تمكنهم من ان يستمعوا الى خطب الرجل. كانت له خطب كثيرة ومثيرة وفي أغلب الاوقات، كان يقرأ خطبة ويكتبها ولا يرتجلها. كان القاؤه مثيرا وصوته ينفذ الى الضمائر. ثم جاءت الحملة الثلاثية عام 1956 ضد مصر. وقف فيها عبدالناصر وقفة بطولية واستطاع ان يصمد امام القوات المتحالفة «فرنسا، بريطانيا، اسرائيل» وكان الشعب في تونس والبلاد العربية يتابع لحظة بلحظة احداث هذه الهجمة الشرسة على مصر، ويستمع الى خطب عظيمة من ناصر. هذا رغم ان في تلك الفترة لم تكن العلاقات جيدة بين تونس ومصر بسبب الأحداث اليوسفية، فحرب السويس مكنت كل التونسيين من تجاوز هذه الهنات الجانبية وجعلت كل التونسيين يتعاطفون مع مصر وعبدالناصر حتى جاء الامر الاميركي والسوفييتي بخروج مصر والثورة الناصرية سالمة. سيبقى لعبد الناصر معالم مضيئة رغم النكسة التي منيت بها جهوده، او نقطة مضيئة انه كان الزعيم العربي الاوحد، في ذلك العصر الذي يتكلم عن كرامة عربية «للشعب والامة» اتسعت الثورة من كرامة مصر الى الكرامة العربية وكرامة الامة، لان فكرة الكرامة لم تكن رائجة في ذلك الوقت. اما كرامة الامة فهذا بعد اخر في الشعور الوطني والقومي، اذ لا يجب ان تقاوم الاستعمار فقط بل الطغيان وسبب الاضطهاد والظلم. ان الشعور بالكرامة هو بعد أساسي في الثورة الناصرية. عبدالناصر هو أول زعيم عربي نادى بترجمة هذه الكرامة في المستوى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي. وهنا فان اعتناق عبدالناصر للاشتراكية اتى من شعوره بإعطاء كل الفئات الشعبية الحد الأدنى بالكرامة، في العلاج «المجال الصحي» والكرامة في التعليم، هذا ايضا بعد، كان اول زعيم نادى به، ولفت النظر الى اهميته. النقطة المضيئة والمثيرة للجدل ايضا انه اول زعيم نادى بضرورة توحيد الجهود العربية بتوحيد العمل العربي لعله لم يوفق في اختيارات الكلمات. فكثير من الأقطار رأت وقتها النداء نوعا من الطموح للسيطرة على كل البلاد العربية. من الصدف انني حضرت مقابلة الرئيس بورقيبة ومبعوث من سوريا بعد فك الوحدة وسمعت كلاما كثيرا عن أوضاع هذه الوحدة والأساليب التي اتبعت في تنفيذها والتي لم يكن المجتمع السوري مرتاحا لها. عبدالناصر كانت له أفكار ومشاريع وطموحات، ترجمتها لم تكن طيبة دوما. ربما كان يتكل في ترجمة افكاره لمن لم يكن يتحملها بصورة كاملة. مثل حرب 1967، حين اتكل على المشير عبدالحكيم عامر في تنظيم شئون الجيش، لكن الهجوم الاسرائيلي اظهر ان الجيش المصري لم يكن مستعدا. نقطة الضعف في الثورة ـ ثورة يوليو 52 ـ هي التنفيذ. فالرجال الذين كانوا حول عبدالناصر لم يكونوا دوما في مستوى المسئولية العظيمة والعالية التي أعطاهم اياها. فقليل هم الذين فهموا عبدالناصر مثل حسنين هيكل. ـ نسأل الشاذلي القليبي.. في ضوء ظروف الامة التي تعرفها ما العمل الان؟ ــ قال مجيبا وقد فهم قصدي وكأنه كان ينتظر سؤالي: «ما زلت اصر على استعمال الامة العربية وان كانت اسما بلا مسمى واضح. الامة العربية متكونة من دول وضمائر ورأي عام. ما نلاحظه اليوم هو ان الشرخ لايزال يتسع بين الضمير وبين ما تقوم به الأجهزة الكلاسيكية. أجهزة الحكم والتشريع وهذا ناتج عن قلة التشاور في الشئون الجماعية بين أولي الامر. وهذا طبعاً يختلف من قطر الى اخر والنسب تختلف لكن الواضح ان المشاكل والقضايا لا يقع تناولها في أغلب اقطارنا بالوضوح وبصراحة وبنفاذ الرأي التي تحتاج اليها هذه القضايا، لذلك تختلف نظرتنا الى المصالح، هل هي مصالح آنية ام مصالح دائمة ومستقرة وثابتة. وهل هي مصالح الامة جمعاء ام مصالح قطر او أقطار. غياب الحوار بين اولي الامر والمجتمع هو نقطة الضعف عندنا بنسب مختلفة. تقعدنا عن الأمور الجوهرية ولها نتيجة اخرى ربما اخطر تجعل الاخرين «الغرب» ينظرون الينا باحتقار وعدم مبالاة. لابد اذن من تجديد الفكر السياسي في مجتمعاتنا، لا يمكن ان نرمي بالمسئولية على فئة من فئات المجتمع. لا المثقفين ولا السياسيين فقط عليهم المسئولية. لابد من اعطاء المجتمع العربي في كل قطر الحيوية والوعي والشعور بالمسئولية والحزم فهذه الخصال ضرورية ليكون المجتمع مجتمعا، وحتى لا يكون الافراد كثيرين وغير متماسكين مثلما كانوا يقولون عنا نحن العرب اننا «غبار من البشر» ولابد من اعطاء المجتمع العربي قوة وجود الاحساس بالكرامة والثقة بالمستقبل. نحن فشلنا في المعارك الماضية والحاضرة لكن يجب ان لا نفشل في المعارك التي تنتظرنا ولما يقال عن صراع الحضارات فهذا هو صراع الحضارات، ما يجعل حضارة بالداخل تتجاوز مآسيها ونقاط الضعف فيها. اولا عندما قامت ثورة يوليو 1952، كنت اعمل في المملكة العربية السعودية بالدمام بسكك حديد الحكومة السعودية وقد تلقينا هذا الخبر بسرور بالغ لانه كان يعبر عن اكبر ثورة عربية في ذلك التاريخ بعد هزيمة العرب في 1948 ولعل ثورة مصر 1952 قد تكون سببا في النهوض العربي. هذه هي المشاعر التي كنا نحس بها بعد قيام الثورة. بعد عام 1954 برزت المظاهر القومية للثورة المصرية بشكل واضح، عندما تصدت لفكرة الاحلاف الدولية وعارضت سياسة «دالاس» الذي كان ينادي بضرورة ملء الفراغ السياسي في منطقة الشرق الاوسط بعد تصفية الوجود البريطاني بالمنطقة العربية. مصر تزعمّت الحركة القومية في مقاومة الاحلاف. وخاصة «حلف بغداد» «حلف السنتو» فبدأت الجماهير العربية في الوطن العربي تقوم بمظاهرات ضد هذه الأحلاف مما أدى الى طرد «غلوب باشا» من الاردن وتحرر الجيش الاردني من الهيمنة البريطانية، كما ان الجماهير الاردنية ـ الفلسطينية افشلت رحلة تيم بارك الذي جاء ليدخل الاردن في هذه الاحلاف. ولا ننسى ان الثورة المصرية بقيادة المغفور له الرئيس عبدالناصر قد أسهمت في مؤتمر باندونغ عام 1955، حيث ولد هناك التضامن الاسيوي ـ الافريقي الذي قاد بعد فترة من الزمن الى ايجاد حركة عدم الانحياز. ولعب عبدالناصر ونهرو وتيتو وسوكارنو دورا اساسياً في تفعيل هذه الحركة واتساع عضويتها لكي تصبح حركة لشعوب العالم الثالث المستقلة وغير المنحازة لاحد المعسكرين إبان الحرب الباردة. لقد ساندت الثورة المصرية ثورة الجزائر وثورة العراق عام 1958 بزعامة عبدالكريم قاسم وفي ذلك العام تحققت الوحدة بين مصر وسوريا، ولعب حزب البعث العربي الاشتراكي دورا مهما في اقناع عبدالناصر لتحقيق هذه الوحدة، التي تآمرت عليها الرجعية العربية فانتكست عام 1961 ولا حاجة للقول ان هناك اسباباً اخرى لانتكاسة الوحدة. وبعد ذلك تحقق انتصار الثورة الجزائرية فارتفعت معنويات الجماهير العربية خاصة بعد انتكاسة الوحدة المصرية الثورية كتجربة اولى. ولابد لنا ان نذكر دعم الرئيس عبدالناصر للحركة القومية في اليمن الديمقراطية التي انتصرت في نهاية الامر. كما دعمت حركة الجيش اليمني بقيادة المشير عبدالله السلال، ومن بعد ذلك جاء دور مصر والرئيس عبدالناصر في خلق م.ت.ف بقرار من القضية العربية. حيث عقد المؤتمر الوطني الاول عام 1964 في القدس حين قرر اقامة منظمة التحرير الفلسطينية فووفق على ميثاقها الوطني. والحقيقة ان العلاقة بين الحركة الفلسطينية المسلحة التي قادتها فتح وثورة مصر بدأت بعد النكسة 1967 حيث كنت وقتها حلقة الاتصال مع القيادة المصرية في ذلك التاريخ وتمت مقابلتنا الاولى مع الرئيس عبدالناصر في نهاية ذلك العام. واستمرت هذه العلاقات بين الثورتين واستطاع الرئيس الراحل عبدالناصر ان يصل بنا الى اتفاق مع لبنان حيث وقع الاخ ابو عمار هذا الاتفاق بوصفه رئيسا للمنظمة عام 1969. ومنحت لنا قطعة ارض في الجنوب اللبناني كي تنطلق منها اسمها ارض فتح. وكم كان سرور الرئيس عبدالناصر عندما تصدت حركة فتح للعدوان الاسرائيلي في 21 مارس 1968 في «الكرامة» «معركة الكرامة 68» فما كان من عبدالناصر الا ان اصطحب الاخ ابو عمار قائد الثورة معه الى موسكو وقدمه الى القيادة السوفييتية كممثل للشعب الفلسطيني ينطق باسمه ـ جابهت ثورة مصر اوقاتا عصيبة بعد ان بنى الجيش الاسرائيلي خط بارليف واستمرت اسرائيل في قصف منطقة القنال، فدمرت المصابغ البتروكيمياوية والمؤسسات الاخرى وجعلتها ركاما. وبدأت بعد ذلك عدوانها على المناطق السكنية فقامت الثورة بترحيل السكان الى اعماق مصر، لتفادي الخسائر البشرية. وفي ذلك التاريخ بدأت حرب الاستنزاف المصرية فكانت انجازا مصريا ـ عربيا رائعا، خسرت فيها اسرائيل خسائر بشرية وآلية كبيرة. تمكنت مصر من الصمود في مناطق القنال بشجاعة بالرغم من الشخصيات البشرية التي قدمتها باستشهاد رئيس الاركان المصري «عبدالمنعم رياض» القائد البطل وفي هذه الاثناء قدمت الولايات المتحدة مبادرتها السياسية «مشروع روجرز» وقد قبل عبدالناصر هذه المبادرة السياسية وكان يعد جيشا حديثا لينازل به جيش اسرائيل الغازي. قبل عبدالناصر مشروع «روجرز» واختلفت م.ت.ف بغالبية اعضاء اللجنة التنفيذية مع الرئيس عبدالناصر الذي قبل مشروع «روجرز» ولكن فتح بشخص الاخ «ابو عمار» و«أبو لطف» رفضا هذا الموقف ضد عبدالناصر. وذهبت شخصيا برفقة المناضل حامد ابوستة عضو اللجنة التنفيذية لاستيضاح الموقف. وتقرر ان تذهب لجنة الى كل من مصر وسوريا والعراق، وبعد زيارات متعددة شاءت القيادة الفلسطينية ممثلة بالاخ ابو عمار وابو اياد وابراهيم بكر و«أبو لطف»، وقابلنا الرئيس عبدالناصر في الاسكندرية وحضر المقابلة الاخ ابو الهول ممثل الثورة الفلسطينية في القاهرة، فقال عبدالناصر لقد امضيت ساعتين وانا اتمشى ادرب نفسي حتى لا اكلمكم كلاما يسيء اليكم، «فالثورة الفلسطينية هي أنبل ظاهرة في التاريخ المعاصر للأمة العربية». واستمر قائلا: «انني سبق وان قلت لقيادة فتح والمنظمة انني اعد جيشا حديثا واحتاج الى ثلاث سنوات، من اجل ازالة اثار العدوان، ولم تمض المدة اللازمة لاعداد هذا الجيش، فاذا لم يكن خيارنا العسكري ناضجا، فكيف نخوض معركة قبل الاوان. ولذلك قبلنا المبادرة السياسية التي قدمتها الولايات المتحدة. ولكنني قد قلت ان الحل السياسي ونجاحه لا يزيد على نصف بالمئة، «فما اخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة». كان لثورة مصر آثار ايجابية على الواقع العربي، وبالرغم من نكسة 1967 التي كانت خدعة اميركية بعد ان استنفر جزء من الجيش المصري في سيناء طلب جونسون من الرئيس عبدالناصر ان يرسل مندوبا له «زكريا محيى الدين» لحل المشكلة مع اسرائيل من خلال العمل الدبلوماسي وكانت اسرائيل في ذلك التاريخ قد هددت سوريا وبدأت تحشد قواتها من اجل العدوان عليها. أرسل عبدالناصر في الصباح «زكريا محيي الدين» الى واشنطن بناء على طلب الرئيس الاميركي جونسون. وكان «فوناغرادوف» السفير السوفييتي بالقاهرة قد اتصل في الصباح بالرئيس عبدالناصر وتساءل: اصحيح ان الجيش المصري سيهاجم اسرائيل؟ لان الرئيس جونسون اتصل بالقيادة السوفييتية مستفسرا عن معلومات وصلته حول الجيش المصري وانه سيهاجم اسرائيل. ورد عبدالناصر بالقول: «ارسلنا زكريا محيي الدين عند الفجر، الى واشنطن بناء على طلب جونسون». وبعد ساعات من هذه المكالمة كانت الطائرات الاسرائيلية تضرب المطارات المصرية وتدمر الطائرات الحربية والمدارج فعاد «زكريا محيي الدين» الذي وصل إلى الدار البيضاء فقط، ولذلك فان عبدالناصر فقد الثقة في الموقف الاميركي وعرف ان اسرائيل تخادع فكان لابد من ان يقبل مشروع «روجرز» اي وقف اطلاق النار، لمدة ثلاثة اشهر لتسنح له الفرصة لبناء قواعد الصواريخ المضادة للطائرات في منطقة القنال للدفاع عن الاراضي المصرية. وكانت النتيجة ان كيسنجر طلب من السفير الاسرائيلي «اسحاق رابين يوم ذلك» ان يخبر غولدا مائير رئيسة الوزراء التي كانت تنوي زيارة نيويورك ان تهاجم مشروع روجرز بعد ان وافقت اسرائيل على هذا المشروع. ولما وصلت غولدا مائير، اخبرها اسحاق رابين ان كيسنجر ونيكسون طلبا منه ان تهاجم مشروع روجرز فقامت بذلك، وبعد فترة من الزمن قال محمود رياض وزير خارجية مصر: «لقد وضعنا مشروع روجرز على الرف». لقد انطبعت مباديء الثورة المصرية وانجازاتها في الذهن الجماهيري، والدليل على ذلك ان الجماهير العربية عندما سمعت باستقالة عبدالناصر في 9 يونيو 1967 انتفضت تطالبه مع الجماهير المصرية الغفيرة ان يعود الى الحكم فعاد ولبى الطلب، فحققت الجماهير العربية انجازا سياسياً بهذا الرجوع. وبعد وفاته واجهت الثورة الفلسطينية الكثير من المشاكل والصدامات التي لا مبرر لها، وكان بالامكان تجنبها لو كان ناصر حياً. اما نايف حواتمة امين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين فيقول: لم تشدنا ثورة 23 يوليو 1952 في البدايات الى عواملها الكبرى التي اخذت تشق دروبها، تبشر بولادة عالم جديد في دنيا مصر وكل العرب، لماذا؟ اولاً: درجة الوعي بما يجري في بدايات ثورة 23 يوليو متواضعة جدا في صفوفنا نحن الطلبة. ثانياً: ثورة 23 يوليو الحدث لم تلتقط مؤشراتها باكرا الحركة الوطنية على اختلاف طيفها «بعثيين، شيوعيين، قوميين، وطنيين، اشتراكيين، ضباط احرار». هذا الطيف الوطني لم يلتقط زلازل «اعلان الجمهورية، الاصلاح الزراعي وتصفية الاقطاع، تمصير الاقتصاد، اتفاقية الجلاء». الحركة الوطنية رأت الثورة الحدث حينذاك بعين الانقلابات العسكرية الفوقية المشبوهة التي تناسلت في العراق وسوريا قبل وبعد نكبة فلسطين 1948 «انقلاب جنرال بكر صدقي في العراق 1939 الانعزالي الاقليمي عن عروبة المشرق، الانقلابات في سوريا حسني الزعيم لصالح اميركا عام 1949، سامي الحناوي لصالح بريطانيا 1950، اديب الشيشكلي لصالح اميركا 1953. كما غابت عمليات الربط بين اعلان الجمهورية والاصلاح الزراعي منذ مطلع 23 يوليو وردودها المتواترة على نكبة فلسطين بالانتقال الى «نهضة مصر والتحولات الوطنية والطبقية الكبرى التي اخذت طريقها الى الحياة» «مقاومة الاحلاف والمعاهدات والقواعد العسكرية الاستعمارية، مساندة ثورات المغرب العربي، مساندة احرار اليمن». وعليه كانت مواقفها سلبية من 23 يوليو الثورة الحدث، وكثيرها مضاد عدائي تحت شعار «عودة الجيش الى ثكناته، عودة الأحزاب المصرية القديمة «اقطاع، كومبرادور»، الحريات السياسية. الى ان بدأت الرؤيا تنضج بعد اعلان الجمهورية، قانون الاصلاح الزراعي، محاولة اغتيال عبدالناصر، اتفاقية الجلاء، معركة عبدالناصر ضد الحلف الرباعي «باكستان، تركيا، ايران، العراق، حلف بغداد، تأميم قناة السويس، العدوان الثلاثي 1956». هذه التحولات القومية والطبقية العاصفة والكبرى قادت الى تطورنا المتسارع نحو ضفاف اليسار القومي، وأخذت رحلة «سفر التكوين الثوري الجديد» مسارها التاريخي الى أمام. ثورة الجزائر، استقلال تونس والمغرب، هزيمة العدوان الثلاثي، وحدة مصر وسوريا، ثورة 14 يوليو في العراق، الثورة اللبنانية ضد مشروع ايزنهاور، دفعت 23 يوليو نحو ابعاد عملاقة على مساحة مشرق ومغرب الوطن العربي وافريقيا السمراء وحركة التحرر الوطني في العالم الثالث وحركة عدم الانحياز، قوى اليمين في صف ثورة 23 يوليو في مصر، قوى اليمين والرجعية الداخلية في الجمهورية العربية المتحدة في الدولة والجيش المصري والسوري والاتحاد القومي، وحول مصر وسوريا في المحيط العربي تحالفت فيما بينها وبين اميركا، لضرب الثورة والوحدة والنهضة القومية التقدمية. فكان الانفصال وتدمير اول وحدة قومية تحررية حداثوية في تاريخ العرب المعاصر. ثورة 23 يوليو 1952، ثورة التحولات الوطنية، القومية، الطبقية، الثقافية والايديولوجية العاصفة الكبرى، شكلت قاعدة وقاطرة المشروع النهضوي المصري والعربي القومي الوحدوي الحديث على دروب النهضة العربية الحديثة الثانية. انجازات استراتيجية كبرى على كل المحاور الوطنية، القومية، الطبقية، التنمية، الحداثوية المستقلة، الاقتصادية والاجتماعية، التعليمية والعلمية، تحولات سنوات الغليان بعد الف عام من التدهور والانحطاط في الحياة العربية، والزمن الدائري العربي خارج التاريخ والفعل فيه، خارج مسار التقدم الى الامام، وسيادة الخطاب السلفي المتخلف في عوالم الظلام. ثورة 23 يوليو تقدمت الى الامام، بمسارات «تجريبية» ببرامج العمل المسقوفة بالتجربة والخطأ، وبخطاب الحاضر والمستقبل ومغادرة خطاب الماضي الذي مضى، الخطاب الفكري والايديولوجي السياسي والاجتماعي والسيكولوجي السلفي القديم الظلامي الذي استطال عشرة قرون كاملة، منذ كسر نهضة العقل وتقديم «النقل على العقل». الطبقات والقوى القديمة، الاقطاعية واليمينية والرجعية في مصر والأقطار العربية المشرقية، حشدت صفوفها، تحالفت مع الامبراطوريات الاستعمارية البريطانية والفرنسية والامبريالية الاميركية لتطويق ومحاصرة وضرب ثورة 23 يوليو الحدث الاستراتيجي والعملي، التاريخي الجديد الكبير، مشروع النهضة العربية الحديثة الثانية، مشروع النهوض الشامل في القرن العشرين. رحل عبدالناصر باكرا، شاباً «54 سنة» بطلا وطنيا، قوميا، تقدميا، شهيدا، عظيما، لم ينتظر سنوات لتحرير الارض بعد ان بنى جيش العبور وحلم الشعب «بالروح بالدم حنكمل المشوار»، لم ينتظر قلبه الذي انهكته معارك الانجازات والانكسارات والاشراقات من جديد، توقف عن الخفقان. تاركاً الأخطاء الاستراتيجية الكبرى التي اوردناها، فسرعان ما «انقلبت مصر الثورة على نفسها، ومن داخلها، وانقلاب اليمين كان جاهزاً»، وهذا ما كان في 15 مايو 1971. الان بعد ثلاثين عاما واكثر على الرحيل الحزين، خمسين عاما على ثورة 23 يوليو وانطلاق مشروع النهضة العربية الحديثة الثانية، تراجعنا الى الخلف بالتنمية رغم «لا» حروب للجيوش مع المحتل الاسرائيلي الصهيوني على مساحة ثلاثين عاما من حرب اكتوبر 1973 حتى يومنا. الان عادت مظاهرات شعب مصر ترفع صور عبدالناصر بعد ثلاثين عاما على الرحيل الحزين، وكل شعوب العرب تعيش «الحنين ـ النوستالجيا الى عبدالناصر التنمية، روح المبادرة الشجاعة، الكرامة، الدفاع عن الوطن ومشروع النهضة العربية والقومية الحديثة. الان علينا في فلسطين وبلادنا العربية من المحيط الى المحيط مراكمة القوى، تجميع قوى التحرر والديمقراطية والحداثة والعصرنة والتقدم الى الامام ان نضع المداميك الاولى، احجار الزاوية لمشروع النهضة العربية الحديثة الثالثة. وعي وطني يقول يحيى العرش وزير الوحدة اليمني الاسبق: كنت في احضان العاصمة صنعاء ولم ابلغ بعد السابعة من عمري انعم بطفولتي واسمع من الكبار اخبار كهذه تأتيهم من القاهرة عبر المذياع محدود السماع. وكانت اليمن قد سبقت مصر بثورتها الدستورية في عام 1948 والتي كان الفاعل فيها الجيش وشيوخ القبائل والمخطط وصاحب القرار هم العلماء ورجال الفكر والسياسة لكن تم القضاء عليها واعدام رؤوسها بسيف الامام الجديد. بينما ثورة يوليو 52 في مصر كانت من الجيش تخطيطا وتنفيذا وكتب لها النجاح، ولا شك ان ثورة يوليو كانت صرخة في وجه النظام الرجعي المستبد، وفتحت الشهية لبلدان عربية اخرى تبعتها بنفس الاسلوب وبنفس الاهداف وحتى بنفس الالوان لاعلامها الوطنية، ومنها اليمن بثورتها الثالثة، بعد ان كانت ثورتها الثانية في عام 55 هي الاخرى قد احبطت ايضا. ولاشك ان الاهداف الوطنية التي تفجرت على أساسها الثورات العربية في مواجهة الانظمة الرجعية الكهنوتية، ومن ثم مواجهة الاستعمار وتحقيق الاستقلال والتحرر، كانت غنية بالتعبير عن طموحات الشعوب. ولكن مع الاسف ربما بسبب ظروف التخلف وغياب الوسائل الواعية للتعبير فقد ضعفت النتائج وتراجعت خطوات النجاح لتحقيق طموحات الشعوب العربية التي كانت تتوخاها من نضالاتها وتضحياتها وبالتالي من ثوراتها.. فقد بقى الدور العسكري هو الفاعل وحده ولم يتيسر البناء المؤسسي للشعوب ومنها مصر وثورة يوليو، اذ بقيت الديمقراطية جوفاء خالية من مصداقيتها فتشتت عوامل القوة وضعف الدور الجماهيري بتنظيماته وتعدده السياسي. وهذا لا يعني انها لم تحقق انجازات هائلة لا يستهان بها في التطور والتنمية، وفي خلق وعي وطني وقومي تجاه الاستبداد والاستعمار والتحرر من اشكاله القديمة وتحريك الجماهير العربية داخل مصر وخارجها وفي هذا الاتجاه. وقفت الى جانب الثورات والحركات العربية ومنها ثورة اليمن عام 1962. وكان لصوت العرب من القاهرة دوره في الوعي القومي وفضح الاستعمار والانظمة الرجعية بزعامة جمال عبدالناصر. لكننا لا ننسى ما خسرته الشعوب العربية ومنها مصر العربية في معاركها ضد الاستبداد والتسلط ومعاركها ضد العدو الخارجي وابرزها المعارك المعروفة في قضيتنا القومية الفلسطينية، اذ بقي البيان رقم واحد هو الفكر، وهو السياسة، وهو الفاعل. ووصلت حالة الامة المصرية والعربية الى ما هي عليه على المستوى العالمي ومستوى علاقاتها الدولية باعتبار ان مصر هي صاحبة الدور الريادي سلباً وايجاباً.