اختلفت التعبيرات المؤيدة والمعارضة لاتفاقية ماشاكوس الاطارية داخل السودان وعلى المستوى الخارجي فقد اوضحت بعض التصريحات والتقارير والاتصالات أن موقف ليبيا من الاتفاق يتمايز ، بالاختلاف عن موقف مصر رغم اجتماع البلدين على المبادرة المشتركة التي تحمل اسميهما. ومن غير المشكوك فيه ان هذا التمايز أو درجة التحفظ تجاه الاتفاقية من قبل كل من دولتي المبادرة يعود الى ارتباط تقرير المصير لدى مصر بقضية مياه النيل القضية المحورية في مصر بينما يعود التحفظ الليبي الى الرعاية الاميركية للاتفاق علاوة على الدور الليبي الجديد الذي يبحث له عن مواقع تأثير عبر الاتحاد الافريقي، ويضاف الى ذلك الفتور الذي تسلل الى علاقات القيادة الليبية تجاه الحركة الشعبية قياساً الى علاقات وثيقة سابقة مع تقدم علاقة التطبيع شيئاً ما بين ليبيا والحكومة السودانية ومع ان مصر حتى الآن تبدو متحفظة في الاعلان عن موقف صريح معارض للاتفاقية وفق طبيعة الدبلوماسية المصرية فان وكالات الانباء قد نقلت عن العقيد الليبي معمر القذافي «وكالة الانباء الفرنسية» قوله في مؤتمر صحفي بالقاهرة ان الرئيس السوداني اتصل به وقال له انه مرتاح لهذا الاتفاق ونحن بدورنا لن نكون سودانيين اكثر من السودانيين انفسهم. اما السفير المصري في الخرطوم محمد عاصم ابراهيم فقد صرح لوكالة الانباء السودانية ان موقف بلاده من قضية السلام في السودان ينبني على ان حل المسألة السودانية لابد ان يتم من خلال وحدة السودان وان مصر حريصة على ان يأتي السلام للسودان «بشكل سليم» وان بلاده على استعداد لتكون احد الضامنين للسلام.. ومضى السفير ليقول ان المجتمع الدولي يعلم بأن جيران السودان في الشمال لا يمكن الاستغناء عنهم ولابد ان يكونوا جزءاً من منظومة السلام في السودان. ومع ذلك اشار السفير المصري في أول تعليق له على اتفاق ماشاكوس ان مصر ليست بعيدة عن مفاوضات الايغاد وان الولايات المتحدة وكينيا تضعان في الحسبان دور مصر حيث التقى الرئيس الكيني دانيال اراب موى بالرئيس حسني مبارك في شرم الشيخ وارسل مبعوثه الخاص الجنرال سيمبويه الى القاهرة في زيارتين لبحث الدور المصري في المسألة السودانية. واضاف السفير ان مصر تعترف بالتعدد العرقي واللغوي والديني في السودان وترى ان مطالب بعض اهل السودان مشروعة ولابد ان يصل الطرفان الى تفاهم معقول لقضايا الدين والدولة والسلطة والثروة ونظام الحكم والدستور، كما ان على الحكومة والمعارضة ان تقبلا بمناقشة القضايا بما يؤمن لكل الاطراف حقوقها المشروعة وان مصر على قناعة بعدم جدوى الحل العسكري كما ان الحكومة السودانية ـ على حد قول السفير المصري ـ على قناعة بذلك وتعلم حركة قرنق ان استمرار العمل المسلح لن يؤدي إلى تحقيق آمال مواطني جنوب السودان. وأشار السفير عاصم في هذا الصدد الى ما وصفه بتحسن العلاقات بين السودان ودول الجوار خلال العامين الماضيين بدرجة غير مسبوقة مما يساعد على تحقيق السلام في السودان. وقد صدرت اشارة مهمة على صعيد اخر من الإدارة الأميركية على لسان ريتشارد باوتشر المتحدث الرسمي باسم الخارجية الأميركية بتأييد الاتفاق وهذا وضع اكثر من طبيعي حيث يرى كثير من المراقبين ان اميركا هي العراب الحقيقي خلف اتفاقية ماشاكوس وان تأييدها للاتفاق هو اجراء دبلوماسي اكثر منه انفعالا وتأييدا سياسيا من طرف خارجي سمع كغيره بأنباء توقيع البروتوكول ولكن التصريح الأميركي على كل تقدير يشكل نوعاً من الضمانة المبكرة والعلنية لاتفاق تصفه بأنه «خطوة مهمة في التقدم نحو سلام عادل ودائم». ومن المقرر ان يكون مبعوث رئاسة الجمهورية السودانية «على مستوى عال» قد وصل إلى القاهرة لاطلاع الرئيس المصري والقيادة المصرية على تفاصيل ما تم توقيعه من اتفاق بنيروبي بعد ان كان البشير قد اجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس المصري في هذا الشأن لاطلاعه على آخر التطورات الخاصة بقضية السلام في السودان. وتحاول الرسائل الحكومية لمصر كما يرى بعض المراقبين ان تخفف من وطأة الاتفاق على تقرير المصير ومحاولة تخفيض درجته الى الشرط العقابي الموضوع في ذيل التوجه نحو وحدة السودان وتصويره في حكم الضمانة لجنوب السودان او الوديعة غير القابلة للاستخدام عندما تطمئن جميع الاطراف للمساواة والعدالة والمواطنة المتساوية.. وهذا الموقف من تقرير المصير لاتنفرد به الحكومة وانما تشارك فيه بعض القوى السياسية الكبيرة في السودان مع ان بعضها يقف موقفاً اكثر حدة من تقرير المصير وبعضها يرى فيه التزاماً تعاقدياً لابد من الوفاء به من أجل منع انهيار الثقة بين الشماليين والجنوبيين. عدا ذلك فإن الاتفاق ماشاكوس حسب المعطيات لن يجد له معارضين على صعيد المجموعة الأوروبية او الآسيوية وغيرها من دوائر العالم وكذلك على صعيد العالم العربي والدول الافريقية خارج حزام الجوار السوداني، اما في هذه فقد تكون هناك تحفظات ـ علاوة على مصر وليبيا ـ من اريتريا التي تريد تمييزها لموقفها اكبر من مجرد انها دولة من مجموعة ايغاد ولها خصوصية سياسية من واقع استضافتها للتجمع الوطني الذي له تحفظاته على اتفاقية ماشاكوس من حيث اغفاله لاتفاقية اسمرا 1995م والمواثيق السياسية الاخرى الخاصة بالمعارضة ومن حيث اهماله للمبادرة المشتركة!. ولكن الى أي مدى يمكن ان تصمد المبادرة المصرية الليبية المشتركة مع هذا الاتفاق الذي تم في ضاحية مشاكوس؟. والمبادرة المشتركة كما هو معلوم تخلو من قضية تقرير المصير الذي اعتمدته ماشاكوس والى أي مدى ستكون مواقف ليبيا تجاه هذه القضية في مجملها متطابقة مع المواقف المصرية؟ وهل يمكن القول بأن هذا الذي تم من حيث مضمون اتفاق ماشاكوس وترتيباته المقبلة ومن حيث تباين الحماسة لنقضه ومعارضته بين القاهرة وطرابلس يعني موتاً اكلينيكياً ونهاية محتومة للمبادرة المشتركة.. ام انه يمكن للترتيبات المقبلة ان تجد للمشتركة مكاناً في قطار التسوية السودانية بسبب أهمية الدور المصري الليبي في مجريات الشئون السياسية، وبسبب القبول الكبير الذي تجده المشتركة من التجمع الوطني والاتحادي الديمقراطي والأمة والأحزاب الشمالية الاخرى، حتى تصبح المشتركة في المرحلة المقبلة «وسادة وجدانية» في مقابل اطمئنان الجنوب للايغاد اذا حالت المستجدات دون فكرة دمجهما في منبر واحد!.