لم تفعل ثورة يوليو المصرية ما فعلته ثورات أخرى بشأن السينما تأميما وسيطرة كاملة كما حدث في ثورة أكتوبر الشيوعية 1917 او النازية 1933 باعتبار السينما من أهم وسائل التوجيه والدعوة، ففي حالة يوليو لم تتدخل الدولة في الانتاج «عن طريق تأسيس القطاع العام» الا بعد عشرة أعوام. فالسينما المصرية بشرت بالثورة عبر افلام تناولت مشاكل اجتماعية عن الفقر والتفرقة الاجتماعية بين الطبقات مع اختلاف الرؤية، وكمثال فان القضية الاجتماعية في فيلم العزيمة لكمال سليم 1949 غير القضية الاجتماعية في فيلم «السوق السوداء» لكامل التلمساني عام 1945 الحارة في «العزيمة» حارة فولكلورية والشخصيات تمثل أنماطا مليودرامية ينتصر الفيلم من خلالها للمصالحة الطبقية في حين أن التلمساني المتأثر بالأفكار الماركسية طرح فكرة تغيير المجتمع ومحاربة الفساد بالعنف الشعبي وعبر تحرك جماهير الحارة ضد تجار السوق السوداء واستغلالهم، كان التلمساني كما يقول الناقد الشاب وليد الخشاب يؤمن بقول لينين أن السينما فن الجماهير ولها قدرة على تحريك الجمود ولكن نسي المخرج ان الجماهير التي خاطبها بفيلمه لا تملك ثمن تذكرة السينما كما ان النهاية لم تكن سعيده لذلك فشل الفيلم جماهيريا. ويقترب المخرج الألماني فرتيز كرامب من منطقة حساسة في فيلم «لاشين» عن ثورة الشعب الجائع ضد السلطان الطاغي اللاهي بمطاردة النساء . وقيل أن الفيلم تأجيل عرضه وتغيرت نهايته ، وأن وراء هذا ما كان يربط النظام الملكي المصري والنظام الشاهنشاهي الايراني من روابط وغادر المخرج الألماني مصر في يوليو 39 وكان نفس المخرج قد أخرج فيلم «وداد» لأم كلثوم 1938 انتاج ستوديو مصر. الرقابة كانت ايضا قد رفضت في ذلك الوقت عرض فيلم فرنسي عن ماري أنطوانيت ملكة فرنسا التي وضعت الثورة الفرنسية رقبتها الجملية على المفصلة. حتى صلاح أبو سيف الذي يقول أنه كان يعتنق فلسفة الاشتراكية فانه في فيلمه «الاسطى حسن» 1952 أحد أم «أفلام الواقعية يعترف في حواراته مع هاشم النحاس بأن الفيلم الذي ناقش لأول مرة في السينما المصرية الفوارق بين الطبقات في المجتمع تحايل على الرقابة بتصوير مشاهد جنسية أكثر من اللازم . وبعد اسبوع من عرض الفيلم تنبه الرقباء لما يقوله الفيلم من التناقض الحاد بين الفقراء والأغنياء ، فاستدعوه واتهموه بالتحريض على الصراع الطبقي وأجبروه على أن ينهي الفيلم بعبارة القناعة كنز لا يفنى. ويدافع عن نفسه مبررا أن الفيلم أنتج في عهد الملكية وهو يدعو للاشتراكية ! كما يدافع عن استخدامه لست أغاني في الفيلم لهدى سلطان ومحود شكوكو حتى يضمن نجاح الفيلم تجاريا ووصوله للناس ، فأي فيلم بدون أغاني ورقص في الأربعينيات والخمسينيات كان لا يمكن ان ينجح. وهناك من حاول تحميل أفلام معينة قبل الثورة ارهاصات ثورية. قامت الثورة في 23 يوليو 1952 تنازل الملك عن العرش وطرد من مصر في 26 يوليو - صدر قانون الاصلاح الزراعي في 9 سبتمبر وأعلن قيام الجمهورية 18 يونيو 1953 . ثم حدث جلاء القوات البريطانية 1956 وتم تأميم قناة السويس واعقبها العدوان العسكري الثلاثي على مصر 1956 وتصدى الشعب له ثم الوحدة مع سوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة .. ثم الانفصال. أين كانت السينما المصرية من كل هذه الأحداث .. هل استجابت لمتطلبات الثورة ؟ أم هل استمرت في مسيرتها السابقة .. بيع الأحلام وتغييب الوعي. لابد أن نضع في الاعتبار النظام الانتاجي القطاع الخاص المرتبط بالتوزيع في أسواق البلاد العربية فمع اختلاف المواقف من الثورة لم يكن من السهل أن تغير السينما المصرية التجارية جلدها وأن يضحي التجار بمكاسبهم لهذا استمرت السينما في أفلام الترفيه والميلودراما خلال الخمسينيات مثل حياتي أنت ليوسف معلوف، «يا حلاوة الحب» و«جنة ونار» و«عفريت ام عبده» لحسين فوزي ، حظك هذا الأسبوع لحلمي رفله و«لسانك حصانك» لعباس كامل ، «بيني وبينك» لحسن رضا «ابن ذوات» لحسن الصيفي «حرام عليك» لعبسي كرامة «وما ليش حد» لابراهيم عمارة في مجال الفيلم الاجتماعي اهتمت السينما المصرية بالواقعية السطحية التي تحمل طابع الايهام بالحقيقة ، ولم يظهر سوى اهتمام ضئيل بالحقيقة الفكرية ، ومن ثم كان على مشاهدي السينما المصرية أن يقنعوا بافلام الميلودراما العاطفية ولقد كان المفروض على السينما المصرية أن تصبح من العناصر الفعالة لتجسيد الصراع الحضاري الذي يعيشه الانسان المصري الا أنها لم تستطع التخلص من القيود التي خلقها الاستعمار وأدت الى ظهور رقابة صارمة وتسلط آراء وأفكار وقيم اجتماعية تشدها دائما الى الوراء وتدفعها الى الاعتماد على الأفكار والموضوعات الجاهزة. ممالأة مالأت بعض الافلام السلطة الجديدة ورفعت شعار الاتحاد والنظام والعمل . ومع ذلك بدأت تعرض أفلاما جادة مثل «مصطفى كامل» اخراج أحمد بدرخان عن قصة لفتحي رضوان سيناريو يوسف جوهر وقد تم عرضه في 14نوفمبر 1952 باختفاء كبير ولكنه لا ينسب للثورة فقد كتب وصور قبل قيامها وفي مايو 1954 عرض أول فيلم عن الاصلاح الزراعي «الأرض الطيبة» لمحمود ذو الفقار، عن قصة احسان عبد القدوس انتاج ستوديو مصر ورغم ما كتب من أنه أول فيلم يعالج موضوع الثورة علاجا مباشرا الا أن يركز على زواية واحدة هي الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين، وحماية الملك للفساد وضلوعه هو والحاشية وضرورة التغيير ويضم مشاهد شبه تسجيلية لخروج الملك فاروق الى ايطاليا على ظهر يخت المحروسة . وقد صورت مشاهده في أماكن حقيقية مثل قصر عابدين والمنتزة . وفي عام 1958 وفي أوج نضال الشعب الجزائري للتحرر من الاستعمار الفرنسي والذي كانت تقف الثورة المصرية معه بكل الوسائل يخرج فيلم شاهين فيلم «جميلة» من انتاج ماجدة سيناريو عبد الرحمن الشرقاوي وعلى الزرقاني بمساهمة من يوسف السباعي .. وكانت مساندة ثورة يوليو لحرب التحرير الجزائرية من اسباب مشاركة فرنسا في العدوان الثلاثي على بورسعيد 1956 ويأتي الفيلم تأكيدا للكفاح المشترك بين الشعوب العربية ضد كل أشكال الاستعمار . وهذا يفجر تساؤلا: هل كانت للثورة سياسة ما واضحة نحو السينما ؟ لم تلجأ الثورة الى حلول ثورية باثرة منذ بدايتها كما فعلت ثورات أخرى فقد ادارت علاقتها مع السينما عن طريق الضابط وجيه أباظه وادارة التوجيه المعنوي وكان هناك اهتمام رسمي بالسينما التسجيلية دون الروائية فأنشئت ادارة خاصة بها 1958 وكان للفيلم التسجيلي دور بارز في اعلام العالم عن العدوان الثلاثي حيث عرض فيلم «فليشهد العالم» لسعد نديم على الرأي العام العالمي في أثناء العدوان. وفي عام 1957 انشئت مؤسسة دعم السينما التي تحولت 1958 الى المؤسسة المصرية العامة للسينما واستهدفت رفع المستوى الفني والمهني للسينما وتشجيع عرض الأفلام العربية داخل البلاد وايفاد مبعوثين رسميين لدراسة أسواق الفيلم العربي . وعلى المستوى الثقافي كان انشاء مصلحة الفنون 1955 برئاسة الأديب الكبير يحيي حقي، وبداية نشاط ندوة الفيلم المختار 1956 التي ساهمت في تكوين جيل جديد من مثقفي السينما والنقاد وفي عام 1967 تمت خطوة أساسية عندما أنشأت وزارة الثقافة المركز القومي للأفلام التسجيلية والقصيرة وأشرف عليه الفنان الصحافي حسن فؤاد وكانت مهمته انتاج أفلام تسجيلية من مختلف الأنواع، وقدم المركز مجلتين سينمائيتين «الثقافة والحياة» عن الثقافة المعاصرة، و«النيل» الخاصة بأهل الريف، وأعطيت الفرصة لمواهب شابه، ثم جاء انشاء مركز الفيلم التجريبي باشراف الفنان شادي عبد السلام، وقدم كل من المركزين أفلاما هامة تناولت مشروعات الثورة وتطور مناحي الحياة والفنون وكان للمخرجين التسجيليين الراحلين سعد نديم وصلاح التهامي دور هام في تطوير رسالة الفيلم التسجيلي وخروجه الى المهرجانات العربية والدولية، وسار على دربها مخرجون شبان كان لهم اسهاماتهم الايجابية في دفع حركة الفيلم التسجيلي لولا المشاكل المادية التي تعرض المركزان لها فيما بعد. من أهم انجازات الثورة انشاء أكاديمية الفنون : معهد السينما ومعهد الموسيقى ومعهد الباليه ومعهد الفنون المسرحية عام 1959 في اطار رؤية ثقافية لوزير الثقافة دكتور ثروت عكاشة تقوم على استراتيجية كاملة لبناء المستقبل، تؤمن بأن الثقافة لا تكون رفعية بمضمونها الفكري وحده وانما بوسائلها في التعبير. القطاع العام حتى عام 1967 لم يكن هناك أي تفكير في تأميم السينما وأن تتولى الدولة الانتاج السينمائي كما يكتب د. ثروت عكاشة نفسه في مذكراته . ولكن قرارات فرض الحراسة على عديد من الأشخاص، والتي طالت منشآت سينمائية خاصة بعد مأساة الانفصال وانكسار مشروع الوحدة مع سوريا، كان من دواعي قيام تجربة القطاع العام في السينما التي استمرت بين 1963 و1972 ويعترض الناقد على أبو شادي على ما ذهبت اليه الدكتورة درية شرف الدين في كتابها السياسة والسينما في مصر 1967 - 1987 حيث ركزت على سلبيات التجربة وقالت انها تسببت في توقف الفنانين السينمائيين ذوي الحس الراقي والقدرة الحقيقية على العطاء الفني، والذين كانوا جزءا من حركة المثقفين وانه تم عزلهم من المشاركة أو اختاروا تلك العزلة بأنفسهم تلافيا لعواقب الأمور ويقول ابوشادي أنه في فترة القطاع العام لم يتوقف مخرج واحد عن العمل، عازلا نفسه أو معزولا بل أن القطاع العام أتاح فرصة العمل لستين مخرجا من بين واحد وثمانين مخرجا أخرجوا 430 فيلما وقد قدم القطاع العام 30% من انتاج السينما المصرية خلال تلك الفترة وأتاح فرصة الاخراج الأولى لستة وعشرين مخرجا قدموا أعمالهم لأول مرة. ورغم ما تضمنه قائمة أفلام مخرجي القطاع العام في تلك الفترة من أفلام هزيلة الا أن هذه الفترة شهدت أفلاما هامة لمخرجين مرموقين من بينهم صلاح أبو سيف في «القاهرة 30» وعاطف سالم في «ثورة اليمن» و«خان الخليجي» وأحمد بدرخان بفيلم «سيد درويش» وبركات «الحرام» وقدمت مخرجين جددا مثل حسين كمال في «المستحيل» وعبد الرحمن الخميسي «الجزاء» وفاروق عجرمه «العنب المر» وفي الفترة الأخيرة للقطاع العام اعتبارا من 1968 انتج افلاما تقترب من التعبير عن الواقع اعتمد أكثرها على أعمال كبار الأدباء من بينها «البوسطجي» وشئ من الخوف» لحسين كمال، و«المتمردون» و«يوميات نائب في الأرياف» و«السيد البلطي» لتوفيق صالح، و«الأرض» و«الاختيار» و«الناس والنيل» ليوسف شاهين و«الرجل الذي فقد ظله» و«ميرامار» و«غروب وشروق» لكمال الشيخ، و«جفت الأمطار» لسيد عيسي و«القضية 68» و«فجر الاسلام» لصلاح أبو سيف و«حكاية من بلدنا» لحلمي حليم و«زوجتي والكلب» لسعيد مرزوق. ورغم محاولات تخريب القطاع العام من قبل كبار منتجي القطاع الخاص فقد أسهم القطاع العام مساهمة حثيثة في تطور الفيلم المصري وترسيخ بعض الاتجاهات واتاحة الفرصة للتجارب الطليعية لبعض السينمائيين الشبان، واستحدث نظام المشاركة مع الذي تم مع جماعة السينما الجديدة في فيلمي «أغنية على الممر» الفيلم الأول لعلي عبد الخالق و«ظلال على الجانب الآخر» للمخرج الفلسطيني غالب شعث، ولابد من أن نشير الى مساهمة مؤسسة السينما مع المنتجة آسيا في فيلم «الناصر صلاح الدين» ليوسف شاهين 1963 والذي جاء في وقت تحاول فيه الأمة العربية جمع شتاتها بعد الانفصال، لذلك يركز الفيلم على رسالة الوحدة العربية ورمز «القدس» التي حررها صلاح الدين من الاحتلال وموقفه المتسامح وقيامه بمنع أي اعتداء قد يصيب المسيحيين واعادة الكرامة والارض والارادة العربية الى مكانها في الضمير العربي والعالمي . نقد الثورة نقد الثورة. أو مراجعتها بدأ خلال عهد زعيمها عبد الناصر. بعد هزيمة 5 يونيو 1967، فقد بدأت ملامح انفراجة ديمقراطية وخاصة بعد تخلص القيادة السياسية من بعض الشخصيات التي ساهمت في الفساد بسوء استخدامها للسلطة وخلال الأعوام الثلاثة التي انتهت بوفاة عبد الناصر 1968 - 69-70 وأنتج خلالها أكثر من مائة فيلم ايهما للمنع ومنها «شيء من الخوف» لحسين كمال عن قصة ثروت أباظة وهو يتحدث عن الطاغية وهيمنته على الناس بالجبروت والبطش وأن الحل هو ترك السلبية الى قهر الخوف والتصدي . وجاء سماح عبد الناصر بعرض الفيلم ردا على تهمة الصاق صفة الطاغية أو زعيم العصابة به أما «ميرامار» لكمال الشيخ فتشير الأصابع الى كاتب السيناريو ممدوح الليثي المتهم بتشويه شخصية الشاب المناضل الاشتراكي، وتحسين صورة الاقطاعي الذي أدى دور يوسف وهبي الى درجة اعجاب الجمهور به ويأتي سماح النظام بعرض هذه الأفلام ليس مجرد تفريغ شحنة الغضب وتجميل وجه النظام بل لرغبة حقيقية لدى عبد الناصر نفسه في اقتلاع جذور الخوف من نفوس الجماهير، وتقديم نموذج عملي للتطبيق الديمقراطي عبر أكثر وسائل الاعلام جماهيرية وهي السينما . من ناحية أخرى جاء فيلم «الأرض» لشاهين كرد على الهزيمة وهو مأخوذ عن عمل أدبي واقعي للكاتب عبد الرحمن الشرقاوي ويظل المشهد الأخير في الفيلم من أخلد المشاهد في السينما المصرية .. الفلاح أبو سويلم وهو ينشب أظافرة في التراب ولم يكن هدف الفيلم ادانة الاقطاع بقدر ما كان يهدف الى شحن النفوس للدفاع عن الأرض كقيمة سياسية في اشارة واضحة الى التمسك بالأرض الضائعة المحتلة في 5يونيو 67. يبقى فيلم «المتمردون» لتوفيق صالح والذي عطلته الرقابة سنة ونصف، وأجبر المخرج على ادخال نهاية جديدة له تشير الى أن الثورة هي الأمل الوحيد في اصلاح الأمور بعد أن كانت النهاية الأصلية تدين القائد الذي لايملك سوى الاحلام . يأتي فيلم «العصفور» لشاهين 1973، والذي منعت الرقابة عرضه حتى 1975 تأكيدا لارادة الناس الشجاعة في مواصلة المعركة رغم الهزيمة وأن عبد الناصر كان هو الوحيد الذي سيكمل المعركة وحاجة الناس للقائد حتى اذا كان مهزوما ينتهي بخروج الجماهير وعلى رأسهم محسنة توفيق تهتف «هنحارب». أفلام مراكز القوى بعد رحيل عبد الناصر المفاجئ 1970 ومجيء السادات الى الحكم أعطت حركة 15 مايو 1971 الضوء الأخضر لتناول الحقبة الناصرية وممارسات الستينيات بالنقد والهجوم ومما أدى الى خروج مجموعة من الأفلام قد تندرج تحت سينما مراكز القوى يصفها البعض بأفلام الردة التي نبشت القبور ولطخت بالأوحال سير الرجال وحاولت اهالة التراب على كل الانجازات التي شهدتها مصر في ظل عبد الناصر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتلصق بالعهد الناصري هزيمة 67. في محاولة لنظرة موضوعية على هذه الموجه من الأفلام نجد في بعضها مراجعة للذات وللماضي بروح نقدية تقف مع حق الفرد والمجموع - الشعب - في الحرية والكرامة والعيش الكريم وتدعو الى المشاركة والديمقراطية وتدين كل أصناف الاستغلال ماضيه أو حتى حاضره اشارة الى أن ما مضى يمكن أن يتكرر وأنه لابد من التغيير. ويأتي فيلم «زائر الفجر» نموذجا طيبا أنجزه المخرج الشاب ممدوح شكري في أوائل 1973 ولم يعرض الا بعد وفاته على سرير بمستشفى درجة ثالثة في مارس 1975 بعد أن حذفت الرقابة بعض مشاهده. يتناول الفيلم معاناة الانسان الباحث عن الحق والصدق وسط أهوال الهزيمة وتداعياتها في التفكك الأخلاقي والاداري واستخدام بسلاح القهر البوليسي وانتشار الانتهازية والوصولية والفساد والتجسس وكبت الحريات كما يدين الفيلم الأوضاع السياسية والاجتماعية بعد النكسة . لكن الفيلم الأشهر هو «الكرنك» لعلي بدرخان 1976 لدرجة دفعت الى اطلاق عنوان «الكرنكة» على كل أفلام هذا التيار وهو عن قصة نجيب محفوظ سيناريو ممدوح الليثي صاحب المواقف المعلنة ضد الثورة والاشتراكية. الفيلم أكثر وضوحا في تصوير ممارسات مراكز القوى في التعذيب والاغتصاب ويدين الفيلم الانفراد بالسلطة وتنحية العناصر الوطنية وغير ممدوح الليثي من نهاية رواية محفوظ بقيام ثورة التصحيح ثم أكتوبر في اشارة واضحة الى ان الارهاب كان نتيجة العهد الناصري والنكسة وان ما حدث في 15 مايو كان مقدمة لأكتوبر! وتأتي أفلام أقل اقناعا على المستوى الفكري مثل «اه ياليل يازمن» للمخرج علي رضا عن قصة احسان عبدالقدوس والذي تحدث عن انقاذ ضحايا الثورة وتناول قضية فرض الحراسات. وهناك امثلة عديدة لافلام أراد مؤلفوها الانتقام من عصر عبدالناصر مثل فيلم «ملف سامية شعراوي» عن قصة وجيه أبوذكرى «امرأة من الزمن الردئ» بطولة نادية الجندي. ويقدم اشرف فهمي في فيلم «اعدام قاضي» ملف عن التعذيب والنساء، مع توجيه التحية في نهايته الى عهد السادات عهد الحرية والديمقراطية والأمان! مع حرب أكتوبر 73 وسياسة الانفتاح وظهور طبقة جديدة طفيلية تأتي بعض أفلام متميزة تناقش مسألة من دفع ثمن الانتصار.؟ من صانعوه الحقيقيون..؟ ومنها «زمن حاتم زهران» لمحمد النجار الذي يقدم صورة للمتغيرات التي اصابت بنية المجتمع اقتصاديا واجتماعيا ويحيى ذكرى الشهداء. الذين حققوا الانتصار وتبددت أحلامهم في زمن الانتهازيين.. والخونة.. وفيلم «المواطن مصري» لصلاح أبوسيف عن رواية يوسف القعيد الذي ينتصر لشهداء أكتوبر وهناك أفلام حاولت ان ترد اعتبار عهد عبدالناصر وانجازاته.. وشبابه الذي ضحى بحياته.، وتشير بأصبع الاتهام الى انفتاح السبعينيات ومكاسب الانتهازيين.