كيف كانت سياسة الثورة الوليدة نحو المسرح؟ كيف وقف المسرح مع الثورة في معاركها القومية وأهدافها في تحقيق العدالة الاجتماعية ونقدها من الداخل؟ ثم كيف كان موقف المسرح من هزيمة يونيو 1967 ومن حرب أكتوبر 1973 ومن سياسة الانفتاح؟ الاجابات مع ثلاثة مسرحيين.. أولهم د. أسامة أبوطالب رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية والثاني سعد أردش المخرج وصاحب الدور الريادي في مسرح الثورة والثالث د. حسن عطية الناقد والاستاذ بالمعهد العالي للفنون المسرحية. اختلفوا واتفقوا وخرجوا علينا بآرائهم الخاصة. في البداية يقول د. أسامة أبوطالب أن المسرح العربي قام منذ بداياته بدور مهم في التعبير عن هموم الإنسان والوطن. في سوريا قاوم مسرح أبوخليل القباني الاحتلال التركي في حين قام المسرح الشعبي المجهول في مصر على يد «خيال الظل» و«الأراجوز» بمحاربة حكم المماليك وتعريته وكسر حاجز الخوف منه هذه الفنون الشعبية العفوية التلقائية والحادة وقفت ضد المستعمر مما شجع على فعل المقاومة ونقفز الى عام 1920 حينما وقف المسرح المصري مع قضية فلسطين وقدم مسرحية «السلطان صلاح الدين» لفرح انطون وهو من طليعة الفنانين اللبنانين المهاجرين الى مصر، وأهدت السيدة روز شقيقته المسرحية الى زعيم الأمة سعد زغلول قائد ثورة 1919. ** بعد هذا تبنى المسرح قضية الوطن والعدالة بشكل مباشر أو غير مباشر عبر فرق عديدة مثل أولاد عكاشة ومنيرة المهدية وجورج أبيض ويوسف وهبي والريحاني.. بشكل مباشر كما في قضية فلسطين وبشكل غير مباشر وهو الأوسع رحابة عندما ينتقد التكوين الاجتماعي الطبقي، وقدم الموسيقار العبقري سيد درويش الذي مات صغيرا 37 سنة عددا كبيرا من الأوبريتات مكتشفا اشكالا درامية جديدة ومطورا للموسيقى.. فقدم «العشرة الطيبة» و«شهر زاد» و«الباروكة» ومعه بديع خيري وشاعر الشعب بيرم التونسي. ثم جاء رائد المسرح العربي توفيق الحكيم وله اشراقات في الشكل المسرحي والحلم بعالم الغد والوقوف على خارطة العالم.. مناقشا مبشرا بفكرة العدالة الاجتماعية كما في «السلطان الحائر» التي ناقشت شرعية وجود الحاكم. هذا الى جانب المسرح الاجتماعي النقدي الذي لعب في ساحته على الكسار والريحاني، ثم حركة نقل المسرح العالمي الذي تناول قضايا انسانية. ـ كيف تأثر المسرح المصري بثورة 23 يوليو؟ ــ ثورة يوليو 52 لو لم تقم على يد عبدالناصر ورفاقه، لقامت فيما بعد لانها كانت فعلا حتمية بعد كتابات أحمد لطفي السيد وسلامة موسى وتأسيس المسرح القومي الذي كتب له أحمد شوقي رائعته. مصرع كليوباترا، وهو عمل قومي، كليوباترا هنا ليست الغانية اللعوب كما عند شكسبير أو برنارد شو، انما هي ملكة ضحت بحبها من أجل انقاذ الوطن. مسرح الثورة تميز بأعمال مهمة مثل «ملك القطن» و«جمهورية فرحات» ليوسف ادريس اللذين يتناولان مشاكل الواقع، ويكتب سعد وهبة «السبنسة» و«كوبري الناموس» وكانا يمثلان أحساسا نابضا بواقع الوطن ومايجب ان يكون عليه في المستقبل، وفي وقفة تاريخية يكتب نعمان عاشور «الناس اللي تحت» تصور صراعا طبقيا بين عالم مضى وعالم سيأتي ثم ويكمل سعد وهبة بـ «سكة السلامة» عن مفترق الطرق، ويختم اعماله بـ «المحروسة» والتي جاءت كأنها نبوءة لما يحدث الان. ويحلم يوسف ادريس بمستقبل العالم في «الجنس الثالث»، ويحاول انقاذ الطليعة في مصر في مسرحية «المخططين» حتى على سالم الذي أعلن مروقه كان له دور في الاعمال الكوميدية ذات النقد الاجتماعي له، بالغ الأهمية في تاريخ الكوميديا العربية.. «أنت اللي قتلت الوحش» عن أسطورة أوديب اليونانية تنتقد الحاكم عبدالناصر وتضئ علاقة الحاكم بالمحكوم، ويكتب ألفريد فرج رائعته «سليمان الحلبي» كصيحة من أجل الاستقلال و«حلاق بغداد» استشراقا لفكرة العدالة الاجتماعية، ثم «الزير سالم» كأنما ينبيء بماحدث عندما قام العراق بغزو الكويت وانتزعه فرج من عمق المأثور الشعبي العربي عن حرب البسوس، ثم يكتب محمود دياب «الباب المفتوح» رؤية هائلة للتحرر العربي، ويدخل في مشكلة اعادة ترتيب البيت المصري في «الزوبعة وليالي الحصاد» ثم «الباب المفتوح»، وعبدالرحمن الشرقاوي يكتب درته الشعرية «الفتى مهران» ويناقش فكرة العدالة الاجتماعية وتنظيم البيت بتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ثم يكتب صلاح عبدالصبور أعظم مسرحية شعرية في تاريخ المسرح العربي «مأساة الحلاج» عن العدل والحرية استلهاما من التاريخ العربي و«مسافر ليل» عن علاقة الحاكم بالمحكوم وتاريخ الطغيان العالمي و«الأميرة تنتظر» حفاوة ببعث الأمة العربية الذي يجب أن يتم. ثورة الشارع وانتقل الحديث إلى المخرج سعد أردش صاحب التاريخ العريق في المسرح المصري والعربي، والذي شارك في رسم سياسة وخطة الثورة نحو المسرح.. وقدم أعمالا بارزة تؤرخ لمسيرتها وتناقش قضاياها بدأ سعد اردش حديثه قائلا: رأيي أن الثورة لم تكن صنيعة الضباط الأحرار بقدر ماكانت نابعة من الشارع المصري لأن الشارع المصري قد بدأ الثورة قبل 23 يوليو 52 على الأقل بأربع أو خمس سنوات. وكان الكفاح فوق الأرض وتحت الأرض متواصلا ضد الاستعمار الانجليزي وضد القصر الملكي والاقطاع ليس فقط في القاهرة بل في الاسكندرية والصعيد ايضا، اذن الثورة كانت تعبيرا صادقا عن نبض الشارع المصري وبناء عليه رأت الثورة ان الشعب المصري يستحق ان يعوض عن الكثير من الحقوق التي افتقدها على مدى عقود طويلة، ومن بين هذه الحقوق حق الثقافة والتنوير، ومن هنا فقد اعطت للمسرح والاعلام بالدرجة الأولى دعما كبيرا جدا.. فتحو المسرح من مجرد مسرح قومي أو فرقة مصرية للتمثيل بمسرح الازبكية الى مؤسسة كبيرة لفنون المسرح والموسيقى والفنون الشعبية برئاسة استاذنا على الراعي وعاونه الاستاذ أحمد حمروش وقبل تأسيس مؤسسة المسرح كان قد أوكل الى استاذنا الكبير يحيي حقي وضع مخطط للمؤسسة المسرحية النابعة من ثورة 23 يوليو وقد أعد يحيي حقي هذا المخطط بعد استقراء اراء جميع المسرحيين والنقاد والمثقفين. ويواصل أردش حديثه قائلا.. أما المؤسسة في ظل على الراعي فقد ضمت ثلاثة قطاعات قطاع للمسرح الدرامي وقطاع للمسرح الاستعراضي الغنائي وقطاع للفنون الشعبية وبعد ان كان قطاع المسرح الدرامي مسرحا واحدا في القاهرة انشئت في الاسكندرية فرقة كنموذج تقوم على أساسه فرق الاقاليم واصبح المسرح الدرامي يشمل المسرح القومي والمسرح الحديث ومسرح الحكيم. وقمت أنا بتأسيس مسرح الجيب أواخر 1981 كأول مسرح تجريبي في مصر والعالم العربي وهو الذي تحول الى مسرح الطليعة. وضم قطاع المسرح الاستعراضي والغنائي فرقة منوعات وفرقة انغام الشباب وفرقة الموسيقى العربية وهي من أهم ما أعطى لتراث الموسيقى العربية أهمية حتى الآن ويرجع الفضل فيها الى عبدالحليم نويرة. أما قطاع الفنون الشعبية فقد استقدم خبراء من روسيا لتأسيس الفرقة القومية للفنون الشعبية على أساس نموذج «ياليل ياعين» وبالفعل حولت هذه الفرقة الرقصات الشعبية المصرية الى ريبرتوار لايزال يتجدد حتى الآن وضم قطاع الموسيقى والأوبرا لأول مرة أوركسترا للموسيقى السيمفونية بالاضافة الى تأسيس فرقة للأوبرا ثم فرقة للباليه من خريجي معهد الباليه والذي كان أحد معاهد أكاديمية الفنون التي انشأتها الثورة مع معهد السينما ومعهد الموسيقى العربية ومعهد الكونسرفتوار.. ومازالت الأكاديمية في تطور دائم. لقد فتحت الثورة الساحة باتساع الأرض المصرية لاعطاء حق الثقافة للمواطن، ومن هنا كان انشاء قصور الثقافة في كل المدن ليس لعروض الفرجة بل لاشباع الهوايات وتشجيع المواهب. واذا ناقشنا قضية البرامج الثقافية الأولى نجد انها كانت تتحاور مع فكر الثورة، وتعطي للمواطن المصري مبررات وحوافز لمساندة الثورة ومشروعاتها العملاقة مثل الاصلاح الزراعي والاشتراكية.. وخرجت اعمال مسرحية في هذا الاتجاه واصبح هناك حوار وتلاحم بين الثورة ولجماهير الحقيقية المستحقة لهذه الثقافة، كما كانت للثورة أهدافها القومية في الوحدة العربية واستقلال كل الأقطار العربية، فقام الكتاب والمخرجون بتبني هذا الهدف القومي.. ولاتزال الاعمال التي تصدت للقضية الفلسطينية تطرح نفسها حتى الآن واذكر انه في عام 1970 قدمت «النار والزيتون» للكاتب الفريد فرج التي سجلت تاريخ الشعب الفلسطيني والظلم الذي وقع عليه منذ وعد بلفور وحتى اليوم. ـ ظاهرة ازدهار مسرح الستينيات كيف تفسرها؟ ــ لم يكن لازدهار مسرح الستينيات ان يتحقق لو لم يتلق هذا الدعم الكبير من ثورة يوليو 1952 سواء للقوى البشرية عن طريق البعثات أو دعم مالي لتأسيس هذا العدد الهائل من المسارح وقصور الثقافة أو استقدام الخبراء لتدريب القوى البشرية على الفنون الجديدة التي طرحت نفسها في هذا البناء الثقافي الشامخ. نتمنى ـ وطبعا من المستحيل اعادة عجلة الزمن ـ نتمنى ان نشرع من جديد في وضع خطة جديدة تتناسب مع المعطيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الحالية لنهضة مسرحية واسعة تحقق نفس النتائج التي حققها ازدهار مسرح الستينيات، ولكن بلغة القرن الحادي والعشرين. ـ كيف ترى اثر هزيمة 5 يونيو على المسرح؟ ــ لقد أحس المثقفون ببدايات الهزيمة قبل ان تتحقق الهزيمة، ولعل الأعمال التي كتبها نجيب سرور وعبدالرحمن الشرقاوي ومحمود دياب وصلاح عبدالصبور وسعد الدين وهبة وغيرهم من الكتاب كانت نوعا من النذير لأن الأمور كانت توحي بخلل ما، فلما حدثت الهزيمة كانت صدمة كبيرة جدا للمثقفين وللشارع المصري، كان واجب المثقفين في لحظة الهزيمة أن يعيدوا إلى الشعب لحظة الأمل ولا يتمادوا في ترسيخ لحظة الاحباط. وفي هذا القبيل أذكر على سبيل المثال مسرحية «المسامير» لسعد الدين وهبه التي قمت باخراجها، كانت نوعا من أنواع التشجيع على ان الشعب يقاوم من جديد، مع الاعتراف بالهزيمة وهو ماحدث حيث وقفت القوات المسلحة وشنت حرب الاستنزاف حتى تحقق انتصار 1973. ـ مامدى الحرية التي أتاحها النظام للمسرح؟ ــ أعترف بصدق أننا قلنا كل ماأردنا أن نقوله ونادرا جدا ماوقفت الرقابة أو أجهزة الأمن. ـ ولكن مسرحية «المخططين» ليوسف ادريس 1969 أوقفت في ليلة الافتتاح وكنت أنت مخرجها فكيف حدث هذا؟ ــ سبب ايقافها في ليلة الافتتاح انها قامت بتعرية ما سمي بعد موت عبدالناصر بمراكز القوى، وهي حتى اذا قرأناها اليوم ترى فيها مراكز القوى، وأنا كنت بنفسي في الصورة. هذا ما أفهمه وقد أدى وقفها الى أزمة كبيرة بيننا وبين الدكتور ثروت عكاشة ولكن لما أخرجت «سكة السلامة» ابلغت أجهزة الأمن الزعيم عبدالناصر أن سواق الأتوبيس هو الذي ضيع البلد ولكن الرجل كان أفقه واسعا وارسل زوجته السيدة فتحية لتشاهد العرض وأكدت له أن لا مساس به اطلاقا في المسرحية، ولكن أجهزة الأمن أصرت، وأمر الدكتور عبدالقادر حاتم بتصوير المسرحية على شرائط فيديو لكي يشاهدها عبدالناصر وقد صورت المسرحية في اليوم السابع عشر للعرض ويقول الراوي والعهدة على الراوي ان عبدالناصر بعد ان انتهى من مشاهدة الشريط نظر خلفه وقال من هو الحمار الذي يقول ان السواق هو عبدالناصر؟ أو لعل احساسه الداخلي بحرية التعبير للمثقف جعله يقول هذه العبارة لانه خشى لو أمر بالمنع ان تبدأ سلسلة أخرى من المنع. اعتقد اننا في الستينيات وبعد هزيمة 1967 قد مارسنا كل الحرية من أوسع أبوابها ولم يكن هناك مشاكل باستثناء مشكلة «المخططين». ـ حرب 1973 هل كان لها تأثيرها على المسرح المصري؟ ــ عندما بدأ أنور السادات يستعد لحرب 1973 يبدو أنه كان عنده خطة تحقق السرية الكاملة في الداخل وفي الخارج، ومن ضمن هذه الخطة حرصه الشديد على أن يبتعد المسرح المصري عن السياسة، وبالفعل استدعاني الدكتور عبدالقادر حاتم وكنت مديرا للمسرح القومي، ونصحني أن نقدم مسرح ترفيه وكنا نقدم مسرحيات «عفاريت مصر الجديدة» لعلى سالم وكنت أعد لمسرحية باب الفتوح لمحمود دياب، وكان كرم مطاوع يستعد لتقديم «الحسين ثائرا» لعبد الرحمن الشرقاوي.. وقد رفضت أوامر أو نصائح الدكتور حاتم مما أدى الى تهجيري.. كان من خطة السادات أن يسكت المنابر الزاعقة.. وبعد حرب 1973 حدثت تحولات جذرية من الاشتراكية الى الانفتاح الاقتصادي.. حتى لو كان هذا الانفتاح معروفا بما يسمى بالمنابر أو بديات الأحزاب، وهؤلاء الذين كتبوا عن حرب 1973 قدموا الناحيتين الانتصار العسكري المحدود من ناحية والتحول المريب من الاشتراكية الى الرأسمالية أو بمعنى اخر عودة الاقطاع الزراعي والصناعي، وفي هذا كتب نعمان عاشور مسرحية «برج المدابغ» صور فيها الأبيض والأسود.. انتصرنا ولكن الشعب هزم وأخذت تسحب منه كل الحقوق التي تضع توازنا في قضية العدل الاجتماعي وأظن أنه حتى اليوم مازال الشارع المصري يعاني من ندرة تطبيق العدل الاجتماعي. نريد أن نقول في النهاية أن المسرح المصري قام بدوره خير قيام؟ حركة طليعية الرأي الثالث للناقد المسرحي الدكتور حسن عطية الاستاذ بأكاديمية الفنون وان كان رأيه قد يختلف مع سابقيه ويقول: لم تكن حركة الجيش الثورية، التي قادها تنظيم الضباط الأحرار في فجر 23 يوليو 1952 مجرد حركة فئة تبحث عن مصالحها، ولا انقلاب مسلح تستهويه السلطة لذاتها ويسعى لتغيير الحاكم، دون تغيير لنظامه، وانما كانت، ودون غض النظر عن المصالح الفئوية والشكل المسلح لها، حركة طليعية اشمل، تحمل نبض الشارع، وطموحات هذا الشعب وأحلام مثقفيه، كانت حركة لتجسيد «الفكر» في «فعل» حقيقي، قادتها مجموعة شابة لا تحمل في البداية نظرة محددة، بقدر ماتحمل ايمانا وطنيا، ورغبة عامة في التجاوز، وفكراً رافضاً للواقع، ولقياداته المتصارعة المتهاوية، طارحا ذلك الفكر بعموميته في مبادئه الستة الشهيرة، مبلورا الملامح المتكاملة له عن مسيرته الفعلية على أرض الواقع. وتلقف الشعب المتعطش للثورة، هذا «الفعل المسلح» ليحوله الى «فعل ثوري» يستخدم السلاح فيه لطرد المستعمر الانجليزي، واسقاط الملكية، وضرب القوى الرجعية والمستغلة، ومحاولة اعادة البناء، ومن ثم فحكمنا على ثورة يوليو، وعلى أي ثورة، لا يعتمد فقط على الطليعة التي قادتها، وانما على ما أحدثته تلك الثورة من تأثير قوي على القوى الاساسية في المجتمع، وتحولاتها الجذرية في الأنظمة والمبادئ القائمة، تلك الأنظمة التي يتحتم قيام الثورة من أجل تغييرها، بعد أن ضاقت وعجزت عن تحقيق متطلبات المجتمع المتجددة دوما. واذا ما كانت الثورة قد جاءت في موعدها التاريخي، واحتضنها الشعب وسار بها، فقد فوجئ بها مسرحنا المصري، الذي هيمنت عليه عقليات الماضي، ولأن الواقع العلمي أسبق دائما في التحقيق من العقليات المتسيدة، فقد وقع المسرح كفكر وكفن في حيرة بين انتمائه الايديولوجي للفئات الاجتماعية التي كان يعبر عنها ويخاطبها بلغتها قبل قيام الثورة، وبين الاتجاه الجديد للمجتمع نحو طبقاته الوسطى والدنيا بفئاتها العاملة، والتي عجز المسرح كفكر وكفن عن أن يعبر عنها، أو يتنبأ بحركتها على أرض الواقع، ببحثه عن القوانين الموضوعية التي تحكم واقع بداية الخمسينيات، حتى قبل أن تتبلور هذه القوانين الموضوعية في الواقع، وتتفجر في فعل الثورة ومن ثم كان المسرح امام هذا الواقع الساخن الجديد أما أن يخفي رأسه في الرمال، متغاضيا عنه، مستمرا في التعبير عن قضايا وهموم يسعى الشعب بثورته لتجاوزها، أو أن يسعى لمواكبة القضايا والهموم الجديدة، ومواكبة فيها من الخداع والمماحكة أكثر مافيها عن الاصالة، مواكبة تعتقد انه من السهل في الفن صياغة الرسائل الجديدة بنفس الأساليب والعقليات القديمة. وعبر مسيرة الشعب الثورية، تعثر اتجاه «التغاضي» وان لم يختف تماما حتى اليوم، بينما تطور اتجاه «المواكبة» نحو «التوازي» فالتجاوز «التنبؤ» العلمي، ولعب الدور الصحيح للفن كوسيلة للتعبير عن أفكار ومصالح أصحابه، أصحاب البلاد الحقيقيين، وكغاية تسعى لاعادة الكشف عن عيوب الواقع، واعادة توازن ميزان المجتمع المختل، وتوعية جماهيره لانتزاع حقوقها المستلبة، وعيا بكون المسرح وسيط اتصالي جمعي مواجهي، يتوجه مباشرة الى الجماهير، ويحاورها، ويطرح عليها الفكرة ونقيضها، علها تصل معه، ويصل معها، عبر طرقه الفنية، الى تبني أحد طرفي التناقض والانتصار له، أو بالوصول بالتآلف بين الفكر والنقيض الى قضية جديدة خالصة. بدأت مرحلة تنوير المسرح المصري، عقب أحداث مارس 1954، حيث تحولت الثورة من «حركة ثورية» الى «نظام ثوري» سعيا لتحقيق دستور دائم للبلاد، يحقق مكاسب اجتماعية أكبر للشعب، وبداية لمسيرة التأكيد على الهوية القومية والانتماء العربي، بالتمصير والتصنيع الثقيل وبناء السد العالي، وطرح فكرة القومية العربية ومحاولات الوحدة العربية التي اجهضت، والخروج الى العالم والمشاركة في حركته، ودخل الشعب بثورته صراعا طويلا مع القوى الخارجية الاستعمارية، والقوى الداخلية الرجعية المستغلة، في محاولة لكسر المسيرة الثورية لهذا الشعب في عدوان 1956، واجهاض مسيرته العربية الوحدوية وحصاره اقتصاديا. ولأن الثورة لم تستطع أن تحسم موقفها من النظام القديم المعادي للشعب، واكتفت بضرب واقصاء وعزل أقطابه السياسيين، دونما اقصاء للفكر والثقافة الذين يمثلانه ويدشنان وجوده، ورغم الغيبة الظاهرية لأقطابه، ومن ثم نقل المسرح هذا التجاوز المتناحر بين الفكر القديم المسيطر اداريا وفنيا بوجوده السابق، والفكر الجديد الباحث لذاته عن وجود أرض مازالت تضطرب لعدم وضوح الرؤية النظرية، وغيبة التنظيم الثوري القوي، فظلت اعمال عزيز اباظة ويوسف وهبي وعلي باكثير وتوفيق الحكيم الذهنية مسيطرة على خشبة الفرقة القومية، بعد ان ضمت شعبتيها عام 1953 في فرقة واحدة باسم الفرقة المصرية الحديثة، واسند ادارتها ليوسف وهبي فسار بها في طريق الميلودرامات الزاعقة والهزليات الرخيصة، حتى يوليو 1956 حين تم تعيين يحيى حقي مديرا عاما لها في اعقاب العدوان الثلاثي، فتلازم وقوع حدث حاد مع تعيين عقلية وطنية مثقفة، فيتم ايقاف بروفات مسرحية الحكيم ذات الرداء الفرعوني «ايزيس» والتي كان يقوم باخراجها نبيل الألفي، ويتم تقديم ثلاث مسرحيات من ذات الفصل الواحد لمدة ثمانية أيام فقط، هي «صوت مصر» أول أعمال ألفريد فرج على المسرح المصري اخراج حمدي غيث و«عفاريت الجبانة» ثاني اعمال نعمان عاشور اخراج نبيل الألفي وقد سبق ان قدم له المسرح أول مسرحياته «المغناطيس» في أكتوبر 1955 من اخراج ابراهيم سكر.. ولازم ظهور نعمان والفريد وقتذاك.. يوسف أدريس بمسرحيتيه القصيرتين «جمهورية فرحات» اخراج فتوح نشاطي، و«ملك القطن» اخراج نبيل الألفي، من خلال الفرقة القومية في نفس موسم 1957/56 ثم توالى ظهور الفرسان: محمود السعدني بمسرحية «فيضان المنبع» اخراج أحمد سعيد فرقة المسرح الحر 1958 ولطفي الخولي «قهوة الملوك» اخراج نبيل الألفي المسرح القومي 1958 ورشاد رشدي «الفراشة» اخراج صلاح منصور المسرح الحر 1959. وبلور هؤلاء الكتاب الستة: نعمان، الفريد، ادريس، السعدني، الخولي، رشاد رشدي أبرز ملامح الجيل الجديد في مجال التأليف المسرحي، فقدموا في اعمالهم هموم وأفكار الزمن الجديد، متجاوزين مسرح الانعزال، ومسرح المواكبة، ليدخلوا الى مسرح المشاركة الذي يتعرض لايجابيات وسلبيات الواقع، ويطرح الصراعات الطبقية، حالما بمصر جديدة تمتلئ بالحرية والانعتاق والرخاء، متجاوزا اخطاء الماضي، وجبن الحاضر، ومؤمنا بان ملوك اليوم هم جماهير الشعب العاملة، الذي لابد من حمايتهم بالسلام المسلح، لا السلام المستسلم، كل ذلك في اطار من الواقعية النقدية التي بدأت تبرز وبقوة في روايات نجيب محفوظ وأفلام صلاح أبوسيف وغيرهما. لقد برزت على المسرح «تيمات» جديدة لم تكن مطروحة من قبل أو كانت تطرح بشكل مبتسر، بدأت تيمات الصراع الطبقي، بمفهومه العلمي تظهر واضحة، بدأ الانحياز واضحا للجديد الذي تحمل لواءه الطبقات الدنيا والمنتمين فكريا لها، ضد القيم التي تمثل الطبقات الاستغلالية والمتعلقين بأذيالها، وتضاءل دور الصراع الاخلاقي المسطح بين الخير والشر، بين الأبيض والأسود، ليصبح عن خلفية الصراعات الاجتماعية والاقتصادية، ولم يعد انتصار الخير قائما على قيم غيبية وانما بدأ البحث عن ضرورة تحقيق انتصارات له تعتمد على القيمة العلمية، والموضوعية، كما بدأ «المجموع» يأخذ دوره على خشبة المسرح كبطل قائد للحياة وصراعاتها، بدلا من دور الفرد القديم، كما بدأت الصياغة المسرحية تعتمد على الأساليب الواقعية في التناول والبناء الفني، واللهجة العامية الراقية التي تتجاوز الهبوط المسف للغة الريحاني والكسار وأمثالهما، كما أنها في ذات الوقت، لا تنعقد أو تتجمد كلغة عزيز أباظة وباكثير أمثالهما. انها لغة الشعب الطامح للجمال الراقي. ومن ثم بدأت تظهر على هذا المسرح أشكال من المأثورات الشعبية كالأمثال والأغاني والرقص الشعبي ارتباطا بهذا التوجه الجديد للشعب. وان كان أهم ملامح هذا المسرح، هو طرحه لموضوعات اجتماعية ذات وجود ساخن طرحا مجتزئا وموقوتا فكريا وفنيا الى حد ما، وقد نتج ذلك عن الاطار الفكري الخاص بالمسرح المصري، وعلاقة الثقافة بالثورة، فالنظام الثوري الجديد آثر منذ اللحظة الأولى لقيامه الارتكاز على الفكر الاعلامي، وبالتالي انشأ مع أول قيامه وزارة الارشاد القومي الاعلام فيما بعد كما سعى لانشاء الجرائد والمجلات، ودون تفكير في انشاء مسارح جديدة، على حين لم يفكر في انشاء وزارة للثقافة تدير حركة ونشاط الثقافة في مصر، الا بعد قيامه بست سنوات، أي في عام 1958، وتأرجحت هذه الوزارة الجديدة، بين المنظور الاستراتيجي للثقافة، والمنظور التكتيكي للاعلام، فضمت وزارة الثقافة حينا الاعلام، وفصلت حينا اخر، ظل الفكر الاعلامي الدعائي هو المسيطر على الحركة الثقافية بتأثيره على حركة الأحداث اليومية، والتي نظرت اليها الثورة نظرة تحتم ضرورة خوضها وتجنيد كل الأنشطة من أجلها.