وصفت نفسها بأنها ترمومتر للحركة السياسية في مصر ترتفع درجة حرارتها الفنية في حالات التوهج وتنخفض تماما في حالات الإنهيار، ولهذا لم يكن غريبا على فنانة في حجم سهير المرشدي ابنة ثورة يوليو، أن تختفي فترات طويلة عندما يختلف الواقع السياسي مع قناعاتها، وهي التي توهجت وازدهرت موهبتها في أيام المد الثوري، ولم يكن غريبا عليها أن ترفض وبشدة مبادرة السلام وتبحث عن مكان آخر يتواءم مع افكارها ومبادئها، الآن وبعد مرور خمسين عاما على ثورة يوليو تتذكر سهير المرشدي طفولتها وشبابها فتقول : إنني رضعت معنى القومية العربية والعدالة الاجتماعية من حنجرة وفكر الزعيم جمال عبد الناصر ومازلت حتى الآن أحيا بهذا الفكر الاشتراكي، وتضيف تعلمت على يديه معنى الوطن في فترة كانت تجيش فيها مشاعر الأمة كلها بحب الوطن، حتى موهبتي في التمثيل التي احتضنها المجتمع لم تكن لتظهر لولا أن مناخ الثورة قد هيأ الفرصة لظهور وجوه جديدة في شتى المجالات، الثورة أعطت كل انسان الثقة لكي يختار مستقبله وأنا اخترت التمثيل واحاطتني الدولة بالرعاية فأصبحت سهير المرشدي، والثورة هي التي حققت حلم الشعب بأن يحكم مصر واحد من ابنائها ويخلصها من استبداد المستعمر، وهي التي أعادت له كرامته وآدميته، الثورة هي التي اهتمت ببناء الإنسان المصري ووفرت التعليم المجاني لكل ابناء الشعب، وهي التي اعادت للفلاح حقه بقانون الاصلاح الزراعي واعطت للعامل مكانته وأمنت مستقبله وهي التي اهتمت بالثقافة والفكر القومي فكانت النتيجة توهجاً وحماساً وفكراً وابداعاً، كان هناك تركيز خاص على تنمية الوجدان والحس الوطني وأنا كواحدة من جيل الثورة تربيت في المدرسة على الأغاني الوطنية بداية من «مصر التي في خاطري» وحتى «الله أكبر فوق كيد المعتدي»، كان الاعلام المصري أيضا مواكبا لفكر الثورة ومعبرا عن توجهاتها وعلى سبيل المثال كانت الزراعة في مقدمة اهتمامات الثورة فسمعنا في الإذاعة الصورة الغنائية الشهيرة «عواد باع أرضه» التي رسخت في وجدان الشعب قيمة الأرض وفي المسرح كانت هناك أعمال ترصد التغيرات الاجتماعية الجديدة مثل «الناس اللي فوق» و«الناس اللي تحت» لنعمان عاشور و«ملك القطن» ليوسف إدريس و«السبنسة» و«كوبري الناموس» لسعد الدين وهبة وقد أعطت الثورة اهتماما خاصا للمسرح المدرسي فخرجت منه مواهب كثيرة كنت أنا واحدة منها، الثورة خلقت مناخا متكاملا ونهضة لم تشهدها مصر من قبل. ـ كيف أثرت الثورة في الوجدان الشعبي من وجهة نظرك؟ ـ الثورة استطاعت أن تسيطر على وجدان الأغلبية الكاسحة من الشعب المصري بمبادئها وانحيازها للفقراء وأهدافها النبيلة وعلى سبيل المثال والدي كان وفديا لكنه عند قيام الثورة اقتنع تماما بمبادئها وخاصة أنه كان على قدر عال من الثقافة والوعي ومن جذور ريفية فشعر أن عليه دوراً لابد أن يؤديه تجاه الثورة ومصر، وهذا ما جعله يوجه أولاده الثلاثة للالتحاق بالجيش كضباط، وتقبل فكرة اتجاهي للتمثيل رغم اعتراضه في البداية، ورحب باتجاه شقيقتي للصحافة وكان يردد دائما أن أبناءه لابد أن يكونوا أصابع مضيئة للثورة. ـ متى التقيت بالزعيم؟ ـ كانت المرة الوحيدة التي التقيت فيها بالزعيم عندما كنت تلميذة بالمدرسة عمرها 8 سنوات وكنا نشارك في عروض تسمى «بالفتوة» فكانت كل مدرسة تنظم عرضا ليمر أمام الزعيم، وعندما جاء دورنا لنمر من أمامه تصورت أنه ينظر إليّ فتركت الطابور وتوجهت إليه لأعانقه ولكن الحرس منعني فأشار إليهم أن يتركوني فذهبت إليه وقبلته وهذه لحظة لا أنساها أبدا فقد أحسست وقتها بقيمتي وأهميتي وكان هذا إحساس كل طفل على أرض مصر وهذه هي عظمة الثورة وعظمة القائد، أن تشعر بقيمتك في وطنك. ـ هل عبرت سهير المرشدي ابنة الثورة عن الفكر الذي اعتنقته في أعمالها؟ ـ بالتأكيد لأن مناخ الثورة هو الذي أفرز سهير المرشدي الفنانة فكان لابد أن أؤدي الدور المطلوب مني تجاه المجتمع وخاصة أنني بدأت حياتي الفنية وسط رموز مسرح الستينيات مع سميحة أيوب وسناء جميل وسعد الدين وهبة والفريد فرج وكرم مطاوع وحمدي غيث وانصهرت داخل هذه البوتقة الثقافية التي كانت تمثل في مجملها تيارا ثقافيا صنعته الثورة فقدمت أعمالا عكست اتجاهاتي وقناعاتي الفكرية والثقافية فعلى خشبة المسرح قمت ببطولة «ثورة الزنج» و«النسر الأحمر» و«مس جوليا» من الأدب العالمي و«معروف الاسكافي» و«جواز على ورق طلاق» و«زقاق المدق» وفي السينما قدمت «بنات في الجامعة» و«يارب توبة» و«جريمة في الحي الهادي» و«حكمتك يا رب» و البوسطجي» و«بنت غير كل البنات»، معظم هذه الأعمال كانت تقدم رسالة للمجتمع وتؤكد على قيمه، كما أن كل الشخصيات التي جسدتها كانت مختلفة تماما وتعبر عن حالة داخل المجتمع الذي أفرزته الثورة. ـ موقفك من كامب ديفيد هل كان نتاج الفكر الثوري؟ ـ طبعا فقد كان من المستحيل وأنا إنسانة وفنانة أفرزتها ثورة يوليو واستشهد شقيقها في معركة الكرامة عام 1973 أن تتقبل فكرة التصالح مع العدو وتتنازل عن حلم العروبة الذي تربينا عليه، أحسست بزلزال يهدم كل شيء الفكر والوجدان والعقيدة وفكرة الوطن الأكبر، كان لابد أن أرفض هذا الموقف الجديد علينا فكان الرد على هذا الموقف هو الحصار الذي وصل إلى حد الاختناق فلم يكن أمامنا أنا وزوجي كرم مطاوع إلا أن نبحث عن مكان آخر يتلاءم مع فكرنا وقناعاتنا فذهبنا للكويت ثم العراق وصورنا هناك الفيلم العظيم «أم الشهيد» الذي فجر الأزمة وأحدث حالة صدام مع السلطة في مصر وكان سببا في اعتقالنا على أيدي زوار الفجر. ـ هل كان الفيلم اعتراضاً صريحاً على المبادرة؟ ـ طبعا ويكفي أن بعض جمل الحوار كانت تقول «ما تصالحش الخونه يا ريس، ما تحطش إيدك في ايد اللي قتل ابني يا ريس»، ولم ننكر في التحقيقات موقفنا المعارض وعندما تم الافراج عنا سافرنا للعراق واستكملنا تصويره ولم نعد إلا بعد أن تغيرت الظروف السياسية وبدأت الأزمة تنفرج والحصار يزول عنا. ـ قلت انك تلقيت العزاء في سوريا عند وفاة الزعيم جمال عبد الناصر نيابة عن شعب مصر؟ ـ نعم فقد شاءت الظروف أن أكون في سوريا وقت وفاة الزعيم ولم أستطع العودة في تلك الفترة فظللت هناك أتابع الأحداث عبر التلفزيون والإذاعة وكان الحزن قد غطى على كل شيء في سوريا وتوقف كل شيء كان حزن الأشقاء في سوريا شديدا، أما أنا فقد كان حزني مضاعفا لأنني بعيدة عن الوطن ولم أتمكن من المشاركة في تشييع جنازته وهناك كنت أتلقى العزاء كمصرية وناصرية من آلاف السوريين الذين تعاطفوا معي وشاركوني الحزن في وفاة زعيم الأمة.