هناك حقيقة يغلب على ظني انها أصبحت ناصعة في وضوحها وهي ان الوحدة العربية التي كانت أحد أبرز شعارات وأهداف الناصرية من الممنوعات الدولية، ولا أحد في العالم يرى في قيام دولة كبرى، في المنطقة ما يمكن أن يخدم مصالحه الاستراتيجية. وحين قامت الوحدة السورية المصرية عام 1958 وهي أول وحدة في التاريخ العربي الحديث، فإن القوى العظمى وجدت في دولة الوحدة هذه مصدر خطر على مصالحها باعتبارها الجمهورية القادرة على أن تكون مركز الجذب والاستقطاب للغالبية العظمى من الجماهير العربية على امتداد الوطن العربي. ولعل ذاكرتنا تستعيد الآن ما قاله ابن غوريون رئيس وزراء اسرائيل آنذاك بالحرف الواحد «لقد وقعت اسرائيل بين فكي كماشة». ومنذ الأيام الأولى لقيام الوحدة بين سوريا ومصر بدأ التآمر عليها من الداخل ومن الخارج حتى لا تنمو أو يتسع تأثيرها، ولعل هذا ما يفسر ما حدث بعد ثورة 14 يوليو عام 1958 في العراق، حين تمكن مناهضو الوحدة العربية عن احداث الوقيعة بين الجمهورية العربية المتحدة والعراق ورفع البعض شعاراتهم المضللة التي أذكر منها «ماكو زعيم إلا كريم» وحدث ذلك الصدام بين القوى القومية في العراق وبين القوى التي حاولت ابعاد العراق عن محيطه العربي. وأنا واحد من الذين يعتقدون اعتقاداً يقينياً بأن الانفصال عام 1961 كان مؤامرة دولية شاركت فيها قوى عربية، ولن نقلل من الشأن الذاتي للوحدة والأخطاء التي ارتكبت أثناء سنوات الوحدة في التجربة العظيمة وبالرغم من وجود أخطاء إلا انها لم تكن بالحجم الذي صوره أعداء الوحدة. ومن هنا يمكن القول بأن العامل الخارجي استطاع أن يدفع بالعامل الداخلي كأن من شأنه كما يبدو للبعض انه العامل الأكثر أهمية في سقوط دولة الوحدة وحدوث الانفصال بين سوريا ومصر. وحقيقة الأمر ان العامل الخارجي كان العامل الحاسم في ذلك السقوط مدعوماً من اسرائيل والقوى المؤيدة لها وكان لها فعلها في مؤامرة الانفصال، ولكن مع كل ما حدث يمكن القول ان الوحدة العربية آتية لا ريب فيها، ولابد من الاشارة هنا الى انني لا أتحدث عن الوحدة كحتمية تاريخية وانما عن ارادتنا الحرة الطليقة التي تستطيع أن تتغلب على كل العوامل الموضوعية التي تقف في وجه قيام الوحدة العربية وفي مقدمة العوامل اختلاف مراحل التطور بين الأقطار العربية. أنا من الذين يؤمنون بأن الدبابات التي نزلت الى شوارع دمشق صبيحة 28 سبتمبر 1961 هي التي مهدت الطريق للدبابات التي احتلت الجولان عام 1967 ولولا الانفصال لما كان بمقدور اسرائيل أن تفعل ما فعلته في عدوان يونيو 1967. لقد سقطت تجربة الوحدة، لكن الفكرة كهدف لم تسقط ومازال هدف الوحدة هو العامل الأكثر أهمية في تحريك الشارع العربي. صحيح انه ترتب على الانفصال اخفاقات وانهيارات عربية كبرى لكن الصحيح أيضاً هو ان الانفصال لم يتمكن من أن ينتزع من العقل العربي الايمان بالوحدة لانها هي الخلاص مما نحن عليه الآن.