في جعبة شفيق الحوت عضو وفد فلسطيني الى الامم المتحدة وممثلي منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت حتى استقالته عام 1993 «احتجاجا على اتفاق اوسلو» الكثير من الذكريات مع الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، ويشارك في جزء منها الكاتب السياسي محمد حسنين ذلك. يروي الحوت بعض هذه القصص المعبرة عن انسانية عبدالناصر، ثم يحذر بمناسبة ذكرى 23 يوليو من نقطتين يصفهما بالساخنتين وهما: فلسطين في خطر».. «وضرب العراق ليس لعبة». ثم يبدأ راويا بعض ذكرياته فيقول: «التقيت بالرئيس عبدالناصر عدة مرات، رحمه الله، وكنت من الاعلاميين المعروفين لديه، وبتواضع اقول من المقربين اليه ـ كان يبدي لي اهتماما في لقاءاته معه، وانا شاب صغير، ولا استحق ذلك، وكان عبدالناصر هو من هو، لكن قيمة الانسان فيه جعلته يتحدث معي. اذكر على سبيل المثال انني تعرضت لحادث اغتيال في فبراير عام 1967 في مدينة بيروت عند مدخل منزلي في وطني المصيطبة ـ المزرعة «مازال يقيم فيه حاليا، وقد اجرينا هذا اللقاء معه فيه» واتهمت انذاك المخابرات الاردنية، بارتكاب هذا الحادث. فقد غمرني الرئيس عبدالناصر بمحبته وتقديره، وارسل سفير مصر في بيروت الى منزلي ليطمئن على صحتي. المهم ما حصل بعد ذلك بأشهر قليلة، وتحديدا في يونيو 1967 عندما صارت حرب 67، وكان ما كان، ثم في اواخر اغسطس كنت ممثلا لمنظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر لوزراء الخارجية العرب الذي عقد في الخرطوم مؤتمر القمة العربية انذاك. كنت في ردهة الفندق اقف الى جانب المصعد، فيفتح بابه، واذا بعبدالناصر يخرج منه، فاجأنا تقدمت وسلمت عليه، فسألني: ازاي «كيف» جرحك؟ وهو الجرح الذي اصابني في محاولة اغتيالي، لو حصلت الحادثة في غير هذا السياق لقيل ان المخابرات هي التي وضعته في الاجواء فقام بمبادرته الى سؤالي عن جرحي وتذكر لكن عبدالناصر لم يكن يتوقع ان يرى شفيق الحوت في الخرطوم، وهو خارج من المصعد ومشغول، بحكم الظروف الصعبة انذاك، ووقتذاك كان مقتولا عبدالحكيم عامر ومحروقة الدنيا فوق وتحت، ذلك الحس الانساني عند عبدالناصر لا حدود له. ـ ويروي الحوت: سألت عبدالناصر مرة، وهنا اقول للامانة انني قابلت عددا كبيرا من رؤساء وقادة العالم، لكني لم اكن اشعر بالاطمئنان، وانني قادر على طرح اي سؤال الا امام حضرة عبدالناصر، سألته: هناك تقرير عن الانتاج الزراعي في مصر، ويشير الى انه سيء رغم عمليات الاصلاح الزراعي فلماذ؟ فأجابني: يا شفيق انت فاكر انني قمت وعملت اصلاحا زراعيا ومتوقع النتائج في المردود الزراعي؟ لا، لم يكن هذا هدفي، كان الهدف كان رفع رأس الفلاح المصري. وقال لي عبدالناصر معقبا «بلهجته المصرية المحببة»: ده انا كنت اقدم الصك «بالارض» للفلاح يخاف يمسكو، ويقول لي: ازاي يا فندم العين ما تطلعش عن الحاجب، انا اعطيت الارض للفلاح المصري ليس لأحسن الانتاج، فهذا الامر يكفله مستقبل الايام، انما اعطيئه اياها لأعيد الكرامة للانسان في مصر». هذه العبارات لعبد الناصر لم ترن تماما في اداني في حينه، واقول هذا بصدق، شوها القصة: ارفع رأسك يا أخي، لكن الان بعد 30 سنة واكثر على رحيل عبدالناصر اشعر فعلا ما معنى: ارفع رأسك يا أخي، لانني اعيش في لحظة لا ارى فيها رأسا عربيا مرفوعا امام اسرائيل، والولايات المتحدة الاميركية هذه من حكايات عبدالناصر». ـ يتابع الحوت قائلا: كان عبدالناصر زعيما كبيرا لا اعرف قائدا عربيا واحدا مات ورصيده بحدود خمسة الاف جنيه مصري مثل عبدالناصر. هكذا هاجمت هيكل وبعد ان يشيد شفيق الحوت بصبر الرئيس عبدالناصر يروي القصة التالية: اول مرة هاجمت فيها محمد حسنين هيكل كانت امام عبدالناصر قلت له: سيادة الرئيس بدأنا نعرف قديش هيدا هيكل يمتلك؟ لم يكن هيكل حاضرا، ولم اكن اعرفه شخصيا حتى ذلك الوقت، نحن برأينا انه اميركاني، كنت شابا ومتهورا فطرحت هذا السؤال. فسألني عبدالناصر: تقول «نحن برأينا» يعني انتم مين؟ ثم اضاف: ما تكونوا شلة مطعم فيصل «مقابل الجامعة الاميركية في رأس بيروت» حيث كان يتجمع انذاك مفكرون ومثقفون ومستغيبو العرب». وتابع عبدالناصر: لاشك ان هيكل مستفيد من قربه مني وهو مطلع، ولكن ما يكتبه يمثله هو وليس انا، والدليل على ذلك سأقول لك حاجة «وهذا دليل على مدى اطلاعه على الصحف اللبنانية» قبل الانفصال مع سوريا كتب هيكل مقالا عنوانه: «نحن وحدنا في المعركة»، فأنا رددت عليه في مجلة «الحوادث» في بيروت بعنوان «لا لستم وحدكم في المعركة» شعرت ان هيكل في مقاله وكأنه انهزامي، وتذكر عبدالناصر ردي هذا فقال لي: دليلي على ان هيكل يعبر عن نفسه هو انك مرة رددت عليه، وانا قلت لهيكل: «شفيق معاه حق». ثم سألني الرئيس عبدالناصر: على فكرة انت بتعرف هيكل؟ فأجبته: لا، فقال: لماذا لا تتعارفوا، الحق عليه هو مقصر تجاهك لانك في مصر وضيفنا». وفعلا بعد يوم او يومين، يرن جرس الهاتف في غرفتي، ويكون الأخ هيكل على الخط، ثم تعارفنا الى بعضنا البعض، وبعد ذلك صارت لقاءاتي بالرئيس عبدالناصر تتم عبر محمد حسنين هيكل. ـ ذلك بعض ما يتذكره الحوت عن الرئيس عبد الناصر، مشيرا الى ان في جعبته الكثير من ذلك: لكن ليس كل ما يحصل يروى ولا كل ما يعرف يقال». اما عن رأيه في الظروف العربية التي تمر بها الذكرى الجديدة لثورة 23 يوليو، فيقول شفيق الحوت: اولا، لابد من القول ان ثورة 23 يوليو برئاسة الزعيم الخالد جمال عبدالناصر كانت الوحيدة التي قامت في اعقاب هزيمة 1948 وتركت اثرا ليس على مصر وحسب، وانما على الوطن العربي ككل. تمكنت الثورة بفضل قائد جاء كظاهرة غير متوقعة اسمه جمال عبدالناصر، من تحويل انقلاب عسكري محدود الاهداف في البداية الى ثورة في العمق، تركت اثارها الواضحة في المجتمع المصري. كما في المجتمع العربي، وقد تجلى هذا بسرعة في جميع ميادين الحياة، اي انها لا لم تكن مقتصرة على حجم عقائدي معين، بل متوجهة لتغيير البنية الفكرية والاجتماعية والثقافية والسياسية للوطن العربي. لاشك ان قيام ثورة يوليو في مصر بالذات قد اعطاها مكانة مميزة، لان اي تغيير في الواقع المصري يترك اثارا فورية وكبيرة على سائر الاقطار العربية. كانت مصر ولاتزال، هي القمة ان جاز التعبير في هذا الجرم السياسي في المنطقة؟ والاقطار العربية تدور حول هذا القطب الى حد كبير. لذلك نرى ان ثورة 23 يوليو كانت من اهم العوامل التي سارعت في تحرير ما كان مستعمرا من الاقطار العربية، وساهمت وبفضلها تحررت الجزائر، والقارة الافريقية، واخراج العالم من استقطاب المعسكرين في ذلك الحين «الحرب الباردة» بخلق ما يسمى «كتلة عدم الانحياز» و «الحياد الايجابي». اما في مصر فالانقلاب كان واضحا في مجتمعها لجهة تصفية النظام الملكي، والنظام الاقطاعي ومحاولة رد الاعتبار للجماهير المصرية الفقيرة من فلاحين وعمال. لكن من سوء حظ العرب ان حكم عبدالناصر لم يدم اكثر من 18 سنة، قام خلالها في حرب ضد بريطانيا وفرنسا واسرائيل، وصد مسلسل من التآمر الاميركي، وحرب السويس، وحرب 1967 ثم حرب الاستنزاف، ناهيك عن حرب اليمن وغيرها. ومع ذلك كان الوضع في مصر يحقق نهضة على جميع المستويات وصولا الى الفن والطرب والغناء والتمثيل والمسرح، ان مانشاهده حاليا من بقاء نهضة ثقافية وفنية الفضل فيه فعلا الى المرحلة الناصرية التي اسست للفن وللثقافة بنى تحتية مختلفة كانت ولاتزال تصون العمل الفني في مصر. مثل هذا الكلام مر عليه في الواقع قرابة 30 عاما، بعد رحيل عبدالناصر على الاقل، حيث بدأت عملية الارتداد، للأسف ان الخلف لم يمش على خط السلف، واعني بذلك عهد الرئيس انور السادات. والاهم بالنسبة لنا الان هو ان الخط الاستراتيجي العربي الذي كان قائما في عهد جمال عبدالناصر، ويتمثل بهذا التضامن العربي للدفاع عن القضايا القومية، قد مضى عليه «الرئيس» السادات عندما وقع اتفاق صلح منفردا مع اسرائيل، وخرج بمصر، من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي مما ترك اثاره حتى يومنا هذا، اي منذ 1978 ـ 1979 حتى الان. منذ ذلك الوقت لم يستطع العرب ان يستردوا عافيتهم او ان يستعيدوا تضامنهم، ان حصل العكس، اذا استمر مسلسل التفكك العربي، واتساع التوجه القطري على حساب التوجهات القومية. موضوعان اكثر سخونة ـ ويردف الحوت قائلا: يهمنا في هذه اللحظات بالذات موضوعان ساخنان، ويتساءل المرأ ماذا كان يمكن ان يكون عليه الموقف العربي حيالهما لو كان عبدالناصر في الحكم، او لوكان الخط القومي العربي المتجسد بثورة 23 يوليو مستمرا؟ القضية الاولى هي قضية فلسطين، فنحن نعرف ان عبدالناصر حاول ومات وهو يحاول تمكين الشعب الفلسطيني من النهوض بمسئولياته الوطنية، ودعم الثورة الفلسطينية التي حاول انقاذها في لبنان عام 1969 وفي الاردن عام 1970 ناهيك عما سبق ذلك من مواقف معروفة لعبدالناصر في حرب 1967 التي هي في النهاية بسبب تلك القضية. طبعا يأخذ البعض على عبدالناصر انه لم ينتصر، ولكن ليس هذا هو عار عبدالناصر، وليس خللا في مواقفه فالذين يأخذون على عبدالناصر هذه الهزائم هم الذين دعوا الى هذا النهج الجديد الساداتي، اذا جاز التعبير المستسلم لاسرائيل، والذين اثبت انه تسبب في خسارة العرب اكثر بكثير من الحروب التي خسروها ايام عبدالناصر. الان، نرى في فلسطين ان قيادتها في المعتقل، والدولة العربية تنظر الى الموضوع وكأنه امر غير ذي بال، ولا اهمية له، وقد حاول الشارع العربي ان يتحرك، فأعطى فرصة لذلك في البداية ثم قمع «بضم القاف» ومن المؤلم الان ان نرى ان بعض الدول تتعامل مع الاسرائيليين بمعزل عن الشعب الفلسطيني، الان نسمع احاديث عن حلول معينة في غياب الطرف الفلسطيني وشعبه بأسره، ولا اريد ان اسمي، لكن الدول العربية التي تتصرف على ذلك النحو باتت معروفة الان، وهي تتحرك خوفا على مصالحها ومن هذا «البعبع» الاميركي المتجسد في سياسة الرئيس جورج بوش. اذن فلسطين في خطر، واعتقد انه لو كان عبدالناصر موجودا، ولو كانت ثورة يوليو موجودة ومجسدة، لما كان الموقف العربي على ماهو عليه، لكان مختلفا على الاقل بما يحافظ على ماء الوجه، والكبرياء والكرامة العربيتين وهما اللتان تذلان وتهانان يوميا عبر التصريحات المختلفة سواء في اسرائيل، او في الولايات المتحدة الاميركية. اما النقطة الاخرى، فتتعلق بالعراق، ويقول الحوت عنها: قصة العراق، وبعيدا عن الخوض في تفاصيلها اصبحت مدخلا شبقا لاميركا لفرض هيمنتها المباشرة على دول الخليج العربية، لان معاقبة العراق على غزو الكويت، فقد حصلت، ودفع الثمن باهظا انما المضي في ذلك فهو للحيلولة دون قيام الدولة القوية بالنظر لما لديها من امكانيات مادية ونفط، ومجتمع متقدم علميا. اسرائيل لن تسمح بأن تكون لنا كعرب اية دولة قوية، وللأسف فقد ارتضت مصر خط المهادنة، لكن العراق مازال يحاول ان يقول «لا» لاميركا، بغض النظر عن تفاصيل هذه الـ «لا». وانني اعتقد انه لو كان عبدالناصر موجودا، ربما كانت كل ازمة الخليج التي نشاهدها الان ما كانت لتحدث اساسا، لان التاريخ يذكرنا انه سبق للعراق القيام ايام عبدالكريم قاسم بمحاولة مشابهة في غزو الكويت واعلنها قائمقامية في عهد الشيخ عبدالله السالم الصباح، ولكن تصريحا من عبدالناصر، وموقفا منه وتهديدا بارساله قوات مصرية مباشرة الى الكويت، وما شابه لجم عبدالكريم قاسم، وحال دون غزو الكويت، او ارجأ غزوها على الاقل لثلاثين سنة عما كان مقررا ايام عبدالكريم قاسم.