كلما كان الواقع مجدبا كلما احتاج المرء الى الاحتفال بذكرياته.. فالحياة الباردة تحتاج الى دفء ولو كان مصدره الماضي الذي انقلبنا عليه وهدمناه بأيدينا ثم أمسكنا بقيثارتنا وأخذنا نغني بنفس طريقة نيرون!! ربما تفسر الكلمات السابقة هذا الشغف العام في الاحتفال بمرور نصف قرن على الثورة المصرية.. شغف يتعدى الشعوب الى الحكومات ويتعدى تأمل تجارب الماضي بانتصاراته وكبواته الى النظر بعين للمستقبل.. تخشى عليه وتتشكك في وجوده اصلا، مادام الحاضر مسبيا الى هذا الحد. نحن نظلم الزعماء العرب الذين عايشناهم بعد ناصر حين نقارنهم به فعبدالناصر كان يمكن ان يكون اسطورة حقيقية لو لم يخطيء في انتقاء عدد قليل من رجاله وتكليفهم بمهام لا يصلحون لها.. ولنا ان نتصور التجربة الناصرية دون وجود ثلاثة رجال عبدالحكيم عامر وانور السادات وشمس بدران. الاول كان سببا حقيقيا ومباشرا في انكسار 67، ضيع عبدالحكيم عامر البلد فعلا وأطاح بكل طموحات الامة حينما اوهم القيادة السياسية ان الجيش قادر على خوض معركة ضد اسرائيل في وقت كان فيه مهلهلا.. بعض ألويته لاتزال في اليمن.. وبعضها الاخر يعاني من وطأة اختيار القيادات بمنطق الشللية. ليست المسألة رغبة في تحميل عامر مسئولية الهزيمة وحده وتبرئة ناصر منها او تبرئة قوى خارجية تآمرت وخططت واختارت التوقيت ومارست الخداع فكلنا مسئول عما حدث.. لا براءة لاحد ولا تعليق للهزيمة على شماعة احد. مشكلتنا مع حرب يونيو انها لم تكن مجرد معركة عسكرية خسرناها.. بل كانت ضربة قاضية عرت التجربة الناصرية من كل سقف يحمي طموحاتها وافكارها وانجازاتها. خلقت يونيو مشكلة نفسية فالجنود والضباط المصريون لم يحاربوا بالفعل حتى ينهزموا.. لم يخوضوا معركة كبيرة ضد العدو. كانت هناك معارك صغيرة خاضها البعض بدافع الحمية وكسرا للتقاليد العسكرية التي تبنى على مبدأ اطاعة الاوامر واثبتوا بها ان كسر الجيش المصري كان صعباً الى درجة المحال لو دارت معارك حقيقية. اما الثاني شمس بدران فقد كانت ممارساته وصلاح نصر تشويهاً للوجه الملائكي لنظام يوليو.. حقيقة تم تضخيم هذه الممارسات والتغني بها وكأن يوليو لم تشهد غيرها.. لكن اولئك الذين ضخموها عندهم حق. فليس منطقيا ان تطالب الناس برفع رؤوسهم واستعادة كرامتهم وتجعلهم يحسون بذواتهم ثم تقوم بتعذيبهم في سجون نفس الدولة دون سبب. لا يمكن بالطبع مقارنة سجون يوليو بالسجون التي فتحت افواهها بعد ذلك في مصر او بسجون اخرى مخيفة على امتداد الوطن العربي. فاجمالي الذين تم اعتقالهم في عهد عبدالناصر بأكمله بلغ 14 الف معتقل فيما اعتقلت الدولة المصرية ضعف هذا العدد في ثلاث سنوات فقط اثناء المواجهة مع تيارات العنف اوائل التسعينيات.. وعلى امتداد هذا الوطن المسبى في كل عاصمة سجن وفي كل شارع دمعة والمستور كثير. اوقع شمس بدران المصريين في فخ لم يكن متوقعا لان الجميع كانوا ينظرون الى الثورة نظرة ملائكية والملائكة ليس من حقهم ان يتصرفوا كبشر. حتى هذه الهوة ما بين جبل الواقع «بهزيمته وقمعه» وجبل التمني كانت لدى عبدالناصر القدرة على قفزها.. او لنقل قفزها بالفعل خلال السنوات الثلاث التي اعقبت هزيمة يونيو المرة.. في شهور قليلة تم التخلص من كل الرجال الذين اثبتت التجربة انهم سبب المصائب. بل بدأ تغيير افكار كثيرة وبوادر اتجاه نحو التعددية والشفافية وبناء الجيش المصري على أسس علمية راسخة وتحديث عتاده بشكل لا يتكرر معه ذلك الانكسار الذي حدث. رجل واحد.. وجوده جعل التجربة تحمل بذور فنائها غفل عنه عبدالناصر هذا الرجل هو «البكباشي صح» زملاؤه اطلقوا عليه ذلك لانه لم يكن يفعل شيئا يذكر غير تكرار عبارة صح ياريس عشرات المرات كلما تكلم عبدالناصر. السادات الان في ذمة الله.. وهو رجل عظيم لاشك.. لكنه ليس ابنا وفيا لتجربة يوليو.. هو اتجاه اخر ونمط اخر عادي من الزعماء الذين يغرقون في الواقعية فلا يحلمون ولا يحققون حلما.. وليس لديهم صبر على العمل الدؤوب لذلك فانهم ينتهجون سياسة قصيرة النفس تؤتي نتائج سريعة. كان السادات يمكن ان يسير على نفس نهج الثورة لو أمهل القدر عبدالناصر حتى يخوض بنفسه معركة التحرير وينهي اثار الهزيمة.. فهذا التحدي كان اكبر من احتمال السادات وقدرته ونهجه في التفكير.. لذلك لم يفكر بمنطق عبدالناصر وانما فكر بمنطق بورقيبة وكان ما كان. سألت نفسي سؤالا مباغتا.. هل كان يمكن ان تحدث كارثة 11 سبتمبر لو ظل عبدالناصر حيا.. الاجابة قطعا بالنفي.. فهذه الكارثة لو كانت تمت بأيد عربية بحق كما يزعمون فهي ليست الا نتاجا للقهر والذي تمارسه اميركا بحقنا صباح مساء عبر استلاب الثروات والدعم اللامحدود لاسرائيل والذي ساعد عليه وجود انظمة عاجزة وضعيفة الى حد تغري كل من هب ودب في هذا الكون بأن يطمع فينا. الناس هنا من المحيط الى الخليج تجسد امامهم بطل فعشقوه، فلما مات لم يجدوا بديلا. وجدوا انفسهم في فضاء بلا أبطال. فحاولوا ان يحتشدوا وراء ابطال فريقين لم يعودوا من ورائهم الا بمرارات لا تغادر الحلوق. لم يكن حادث 11 سبتمبر ليحدث ولكن وجود عبدالناصر كان سيوفر على الارجح ذريعة لاميركا كي تعتبر العرب اعداء بحق.. فقد كان متوقعا ان تنهزم اسرائيل في اول معركة تخوضها ضدها مصر هزيمة حقيقية وان تكون الحرب حرب تحرير «لا حرب تحريك» تتعدى تحرير سيناء الى تحرير غزة والضفة. وكان متوقعا ايضا ان تثمر دعوات عبدالناصر في انتاج شكل من اشكال التوحد العربي ولا بأس من تقارب كبير مع ايران بعد الثورة الاسلامية فيها.. كانت ستكون هنا كتلة مخيفة بحق.. تحمي مصالحها وتزود عن شواطئها وارضها. الانكسارات التي حدثت لم تكن تحدث لا غزو الكويت ولا مجيء الاميركان الى الخليج ولا تفتيت الصومال ولا البلطجي الدولي كان يمكن ان يجد له موطيء قدم هنا. هذه ليست اوهام شخص يقدس عبدالناصر فلا قداسة لاحد، وانما هي استقراء لمعطيات كانت موجودة وقياس على احداث تاريخية وتحديات خطيرة جابهتها ثورة يوليو، وكانت اصعب بمراحل مما نعيشه. طريق يوليو هو الطريق الوحيد الذي يمكننا من خلاله تحقيق طموحاتنا وآمالنا في العزة والكرامة والتحرر وامتلاك المقدرات.. الطريق الوحيد نحو المستقبل وعلينا ان نخوضه اعتمادا على أنفسنا ودون عبدالناصر جديد.. طريق مرير حتى نتحرر من السبي الاميركي. ناصر لا يمكن ان يتكرر سلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا.