عندما بدأت حركة الجيش المصري ليلة 22 يوليو 1952، وهي الحركة التي كانت مقدمة «الثورة - الزلزال» في المنطقة والعالم بأسره، كانت السجون المصرية تعج بآلاف الوطنيين الشرفاء، المتهمين في قضايا سياسية، تتعلق بتهم تعد - في حد ذاتها - وسام فخر وبطولة لكل من نسبت اليه، أو أدين بها، مثل: مقاومة الاحتلال، أو التحريض ضده، أو العيب في الذات الملكية. احد هؤلاء السياسيين الشرفاء كان المهندس ابراهيم شكري، النائب الاشتراكي الوحيد في البرلمان المصري قبل الثورة، رغم انتمائه لاحدى الاسر الثرية العريقة في مدينة «شربين» بمحافظة الدقهلية وسط مصر، وحمل والده لقب «باشا» والذي كان مسجونا - عند اندلاع الثورة - بتهمة «تحبيذ العيب في الذات الملكية»! ابراهيم شكري تخرج في كلية الزراعة بجامعة القاهرة عام 1939 وقبلها كان قد اصيب برصاصة في «فخذه» اثناء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الانجليزي «نوفمبر 1935»، ثم اصبح نائبا في البرلمان 1949 عن الحزب الاشتراكي، الذي كان يعتبر امتدادا لحركة «مصر الفتاة» التي اسسها «أحمد حسين»، وبسبب تاريخه الوطني المشرف، اعيد انتخاب «شكري» في عدة برلمانات بعد الثورة، ووصل إلى منصب رئيس لجنة الزراعة في مجلس الشعب، وقبله كان نقيبا للزراعيين، ثم تقلد أول منصب تنفيذي في بداية السبعينيات من القرن الماضي عام 1972 تحديدا - كمحافظ للوادي الجديد، ثم اختاره الرئيس الراحل انور السادات وزيرا للزراعة، وظل في المنصب حتى استقال - عام 1978 - ليؤسس حزب «العمل الاشتراكي» الذي تولى زعامة المعارضة الحزبية في مصر فترة طويلة، حتى تم تجميده عام 2000، بقرار من لجنة الاحزاب، بسبب مقالات مثيرة نشرتها جريدة الحزب «الشعب» في الأزمة المعروفة بقضية رواية «وليمة لأعشاب البحر» للأديب السوري حيدر حيدر، واعتبرتها السلطات المصرية تحريضا على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي. هذا التاريخ الوطني الممتد والحياة السياسية الحافلة، جعلت حديث ابراهيم شكري عن «ثورة يوليو 1952» شهادة مهمة وثرية، تتناول جوانب ومواقف عايشها وكان طرفا فيها، وادت إلى قيام الثورة، ثم وجهة نظره فيما حققته من انجازات، يقول هو انه طالما طالب ببعضها - قبل الثورة - تحت قبة البرلمان، وكانت ضمن البرنامج الاساسي لحركة «مصر الفتاة». في البداية، يروي «شكري» قصة سجنه، قبيل اندلاع ثورة يوليو بأسابيع قليلة، ويقول: كتبت مقالات في جريدة «الاشتراكية» - لسان حال الحزب الاشتراكي قبل الثورة - وجهت فيه حديثي إلى المناضل الاستاذ أحمد حسين رئيس الحزب، والذي كان مسجونا وقتها بتهمة التحريض على حريق القاهرة «يناير 1952»، وقلت له: اظن ان الذي يشغلك الآن ليست هي امور اسرتك أو ابنائك، لكن اعتقد انك تسأل: ماذا سيفعل اخوانك وزملاؤك من اجل الوطن؟ واطمئنك اننا نرى ان وجودنا في السجون للدفاع عن حرية الشعب، هو احسن وافضل من أي نزهة نقضيها على افخر يخت في العالم، واعتبرت السلطات ان استعمالي كلمة «افخر» فيه اسقاط على اسم يخت الملك فاروق، وكان اسمه «فخر البحار» كما اعتبروا انني أؤيد ما فعله احمد حسين، فوجهوا لي تهمة غريبة، هي «تحبيذ العيب في الذات الملكية»، وحكم عليّ بالسجن ستة اشهر، وكان ذلك قبيل قيام حركة الجيش بأسابيع. أما كيف عرف ـ في سجنه ـ بإندلاع الثورة، فيقول: جاءتني اخبار من طبيب السجن، وكانت تربطني به صلة قرابة بعيدة، انه سمع ان هناك تحركات للجيش متجمعة إلى الاسكندرية، بهدف اقناع الملك فاروق بالتنازل عن العرش لولي عهده الامير أحمد فؤاد.. فشغلني الموضوع جداً، وتعلقت بشباك الزنزانة في سجن الاستئناف.. لعلي ألاحظ شيئاً غير عادي في ميدان (القلعة)، الذي كان السجن يطل عليه، لكن لم اجد شيئاً.. وفي مطلع الليل، وبعد ان هدأت الحركة في الميدان، سمعت بعض المارة يرددون كلمة أحمد فؤاد.. واستنتجت ان ما قاله لي الطبيب صحيح، وان الملك قبل التنازل عن العرش لابنه الصغير. ويضيف ابراهيم شكري: استرحت نفسياً جداً في هذه الليلة، وكان يوم الخميس ونمت نوماً عميقاً لدرجة ان الحارس عندما فتح الزنزانة لي في الصباح، لاذهب إلى دورة المياه.. واستعد لصلاة الجمعة، وجدني مازلت اغط في النوم.. فقال لي: «انت نائم.. والراديو يتحدث عنك طوال مساء امس؟!، وعرفت بعد ذلك ان الاذاعة كانت تذيع قرار مجلس الوزراء بالافراج عن المحبوسين على ذمة تهمة العيب في الذات الملكية، ولم يكن القرار منطقياً سوى علي أنا وأحمد حسين، لكن لم يفرج عنه بسبب انه كان يقضي عقوبة اخرى بالسجن لمدة عام ونصف العام بتهمة التحريض على حريق القاهرة، وكانت تهمة ملفقة بالطبع.. حيث احضرت السلطات شهودا زورا قالوا انهم رأوا أحمد حسين وهو يتجول بسيارة سوداء في شوارع القاهرة ويحرض المتظاهرين على حرق وتدمير ونهب المنشآت الحكومية، ذلك ان السلطات ارادت ان تجعل منه «كبش فداء» وتنتقم من مواقف حركة مصر الفتاة و«الحزب الاشتراكي» المعارضة للاحتلال والملك والحكومات الموالية للانجليز. مع نجيب وعبدالناصر ويواصل المهندس ابراهيم شكري رواية شهادته التاريخية عن الساعات التي ولدت فيها ثورة يوليو 1952 ويضيف: بعد ذلك علمت من احد ضباط السجن ان تعليمات مشددة وردت إلى مدير السجن بألا يغادره حتى يأتي له قرار الافراج عن ابراهيم شكري. وعندما جاء القرار وكان ذلك يوم 27 يوليو 1952، خرجت من السجن مباشرة إلى قيادة الجيش، في منطقة كوبري القبة، لمقابلة اللواء محمد نجيب وتقديم الشكر له لكن ياوره الخاص اليوزبايشي محمد رياض ابلغني انه نائم، وكان الوقت بعد الظهر ونصحني بأن انتظره في مكتب احد الضباط «المهمين جداً وسط التنظيم» ـ حسب وصف الياور رياض ـ وكان هذا الضابط هو جمال عبدالناصر.. الذي استقبلني بترحاب، ولم اكن اعرفه من قبل، وظللت اتحدث بحماس عن قضايا وطنية وسياسية كثيرة.. وعن ان حركة الجيش جاءت بعد طول انتظار، وكان عبدالناصر يستمع فقط.. إلى ان جاء اليوزبايشي محمد رياض واخبرني ان محمد نجيب استيقظ ويستعد لمغادرة مقر القيادة، فتوجهت لمقابلته عند باب الخروج. وابلغته امتناني الخاص وكذلك تحية الحزب الاشتراكي، وتمنيت له ولزملائه التوفيق.. فسلم علي وهو يهم بركوب السيارة العسكرية، قائلاً: «ها نحن نركب الجيب.. وليس السيارات الليموزين الفاخرة يا استاذ ابراهيم، وضحكنا وحييته مودعاً. ويستطرد شكري قائلاً: كانت هذه اول مقابلة لي مع عبدالناصر بصفتينا: انا كسجين سياسي ونائب سابق في البرلمان ـ الذي تم حله ـ وهو كقائد في تنظيم «الضباط الاحرار» الذين قاموا بالثورة، التي كانت تسمى وقتها في الشهور الاولى بعد يوليو 1952 ـ حركة الجيش او «الحركة المباركة».. لكنني عرفت ـ بعد ذلك ـ اننا التقينا مصادفة من قبل، اثناء مشاركتي في احدى المظاهرات في مدينة الاسكندرية، وعندما تدخلت قوات الشرطة ضدنا.. وقف هو إلى جانبنا ـ وكان بزيه المدني ـ ضد الشرطة. كذلك فإنني علمت ان الرئيس جمال عبدالناصر كان من المتطوعين لتوزيع طوابع «مشروع القرش» في الاسكندرية، اوائل الثلاثينيات من القرن، وهو المشروع الذي دعت اليه مجموعة من الشباب الوطنيين ـ وكان منهم: أحمد حسين ومصطفى الوكيل وآخرين ـ ليتبرع كل مواطن مصري بـ «قرش صاغ» واحد، مساهمة في تنفيذ مشروعات تنموية وطنية خالصة. وهذه المجموعة من الشباب هي التي اسست ـ بعدها بأعوام قليلة ـ «جمعية مصر الفتاة» التي تحولت إلى «حركة مصر الفتاة».. وخرج عنها «الحزب العربي الاشتراكي» نهاية الاربعينيات. كذلك، فإن عبدالناصر نفسه انضم إلى «مصر الفتاة».. وبدأ نشاطه في الاسكندرية، حيث كان يقيم ثم انتقل إلى القاهرة.. ودخل مدرسة «الاهرام الثانوية»، وانضم إلى شعبة مصر الفتاة في حي «باب الشعرية»، إلى ان دخل الكلية الحربية عام 1937. ولذلك لم يحدث تعارف بيننا في اطار الحركة السياسية والوطنية قبل الثورة، لانني كنت طالباً في جامعة القاهرة.. وقت ان كان هو في الاسكندرية، كما انني لم يكن لي علاقة بشعبة مصر الفتاة في «باب الشعرية». لقاء تاريخي! لكن ابراهيم شكري يتذكر جيدا أول لقاء رسمي، مرتب له.. وليس بالصدفة، مع الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وهو يصف هذا اللقاء بأنه كان «تاريخيا.. وله دلالات وانعكاسات هامة جدا»، ويقول عنه: لم يفرج الضباط الاحرار عن احمد حسين، الا بعد قيام الثورة بنحو الشهرين. وحدث ان رتبت لقاء بينه وبين عبدالناصر في منزلي الحالي، والكائن على النيل.. بالقرب من ميدان الجيزة. وبالرغم من المرارة الشديدة التي كان يشعر بها أحمد حسين بسبب عدم الافراج الفوري عنه، كما حدث معي، الا انه كان ـ كعادته ـ ذكيا ولماحا.. ولم يضيع وقتا في معاتبة عبدالناصر، وانما وجه كلامه اليه قائلا: «أهم شيء الآن ان تعلنوا الجمهورية، وان تقوموا بالغاء مجلس الوصاية ـ الذي كان وصيا على الملك الصغير أحمد فؤاد.. بعد تنازل أبيه الملك فاروق عن العرش ـ وان توزعوا الاراضي الزراعية على الفلاحين المعدمين.. فهؤلاء هم جنودك الذين سيدافعون عنك وعن الثورة». ولم يخيب جمال عبدالناصر الظن به، فلم تمض سوى نحو عشرة أيام.. الا وتم تحقيق الطلبين معا: الغاء مجلس الوصاية، وتوزيع الاراضي على الفلاحين. ولا أدري، هل كان هذا القرار في ذهن عبدالناصر قبل لقائه احمد حسين في بيتي، أم انه استلهمه منه بعد اللقاء، أم كان الأمر مجرد «توارد خواطر» بين الزعيمين السياسيين. لقاء آخر، جمع بين الثلاثة نفسهم: جمال عبدالناصر وأحمد حسين وابراهيم شكري، عندما ذهب الاخيران الى عبدالناصر عام 1953 ـ وكان وقتها رئيسا للوزراء ـ لشرح موقف الدكتور محمد حلمي مراد، الذي كان مسجونا وقتها.. بسبب «وشاية» من احد طلابه في جامعة القاهرة تزعم انه «يحرض الطلاب ضد الثورة ورجالها»، وأخذ شكري وحسين يعددان المواقف الوطنية لحلمي مراد.. منذ ان كان معهما في مصر الفتاة، وبعد ان أنصت عبدالناصر اليهما جيدا.. طلب زكريا محيي الدين على الهاتف ـ وكان وقتها يقوم بأعمال وزير الداخلية ـ وقال له: «يفرج فورا عن الدكتور حلمي مراد». وهذا اللقاء انتهى بقصة طريفة، يحكيها المهندس ابراهيم شكري بقوله: «قبل نهاية اللقاء، قال جمال عبدالناصر موجها كلامه لأحمد حسين: يا ريت تكون مستشارا لنا يا أستاذ أحمد. لكن احمد حسين الذي كان معروفا عنه الجرأة والصراحة والوضوح، رد بسرعة قائلا: أنا لا أصلح أن أكون مستشارا لكم.. فسأله عبدالناصر باستغراب: لماذا؟!.. فأجابه: لاني بعدما شاهدته الآن ـ يقصد قراره السريع بالافراج عن د. حلمي مراد ـ أصبحت أخشاك، ومن يخشى أحدا.. لا يصلح أن يكون مستشارا أمينا له!. مكانة وتقدير ورغم حل الأحزاب بعد الثورة، الا ان ابراهيم شكري لم يبتعد عن العمل السياسي.. وانتخبه أبناء بلدته «شربين» نائبا عنهم في مجلس الامة ـ الذي اصبح مجلس الشعب بعد ذلك ـ عدة دورات، وعايش عن كثب ـ تحقق بعض ما حلم به، وناضل من اجل تحقيقه، على أرض الواقع.. ويقول عن تلك الفترة: «ثورة يوليو» حظيت بمكانة وتقدير غير مسبوقين في نفوس أبناء الشعب المصري، لانها استطاعت ان تتخذ من القرارات الداخلية والخارجية ما مكنها من «تغيير وجه مصر» والمنطقة العربية، بل والعالم الثالث بأسره. فعلى المستوى الداخلي كان «اعلان الجمهورية»، واصدار قرارات توزيع الاراضي الزراعية على الفلاحين.. والاصلاح الزراعي، ثم اقرار مجانية التعليم.. وهي كلها «قرارات ثورية» عكست نتائج ايجابية سريعة على المجتمع المصري، الذي كان يتوق للتغيير.. وللتخلص من فساد الملك والحكم، وخلقت «طبقة جديدة» من العمال والفلاحين. الذين أدخلوا أبناءهم المدارس والجامعات، بعد ان كانت حكرا ـ في الغالب ـ على أبناء الأثرياء، ومن هؤلاء المتعلمين تكون الجيش المصري الحديث.. الذي استطاع ان يخوض «الحرب الحديثة» في (اكتوبر 1973)، وينتصر فيها. وعلى المستوى العربي والاقليمي، مدت الثورة جسورها مع كافة الدول العربية والافريقية التي كانت ترزح تحت الاحتلال، وكانت بمثابة «القدوة» و«الجذوة» التي أطلقت شرارة الثورة ضد المحتل في تلك الدول.. وبالتالي اكتسبت مصر دورها القيادي والريادي في المنطقة العربية والمحيط الافريقي والآسيوي، وأصبحت مصر ـ في عهد الزعيم عبدالناصر ـ قائدة للتحرر الوطني واستقلال الشعوب.