سيبقى الرئيس جمال عبدالناصر حيا في قلوبنا، احببناه ام لم نفعل، وافقناه ام اختلفنا معه، ايدناه ام انتقدناه، ونحن نفتقده هذه الايام لاننا بتنا نبحث عن الحد الادنى الذي يجمعنا فلا نلقاه. ونحن نرى الامة تتخبط، والمؤتمرات، تتحول الى غاية بحد ذاتها ولا تكاد تتحقق، وعنصر القيادة العربية غائب، فلا احترام لكبير ولا حقوق لصغير، ولا هيبة للمجموع. ونحن بالطبع سرنا وراء عبدالناصر في عهد الرومانسية الذي تلا نهاية حقبة الاستعمار المباشر. وظننا ان زوال الجنود وتغيير بعض الانظمة الصادقة له او المتآلفة معه، سوف يفتح الطريق امام الغاء الحدود، وبناء الوحدة، وتعمير الديار، والسماح بالحرية، وجاء عبدالناصر في عصر لم يكن النفط فيه سلعة سياسية عربية، ولا مصدر ثروة ووزن نسبي. وجاء عبدالناصر في زمن كان المغرب العربي يسعى للتحرر، فساند حركات التحرير فيه، وبخاصة الجزائر وجاء عبدالناصر في عهد لم يكن الاعلام العربي شيئاً يذكر، ولا وسيلة طيعة مهمة بيد الحكومات، فصنع صوت العرب، وخلق للاعلام المصري ابطالاً جدداً، من احمد سعيد وجلال معوض ونادية فهمي الى عبدالحليم حافظ الى عبدالوهاب وام كلثوم بعد نفض زي الولاء للعهد السابق عنهم وغيرهم الكثير على صعد الادب، المسرح، القصة، وحتى الرسم. واهاج فينا عبدالناصر في زمن الأشواق التي لن تخبو في تحقيق الاحلام والاماني الكبار. ولم نصدق ما كان يقال عنه من انه من صنع اميركي. وحتى بعدما قرأنا كتاب كوبلاند الشهير «لعبة الامم»، فان عميل المخابرات المركزية الاميركية نفى ان يكون عبدالناصر قد تآمر مع الاميركان، ولكن المؤلف ذكر انهم علموا بحركة الضباط الاحرار، وسكتوا عليها. وبعد محاولة اغتياله عام 1955، واعدامه لخمسة من قيادات الاخوان المسلمين، فاننا بدأنا نشك فيه، وذلك لان بعضنا تربى في بيوت كانت تقرأ لاقطاب الاخوان المسلمين وان لم تكن منتمية لها. وما دخل اعجابنا كعرب مسلمين عاديين في كتاب سيد قطب «العدالة الاجتماعية في الاسلام»، او «في ظلال القرآن»، او كتاب اخيه محمد «شبهات حول الاسلام»، بالعمل السياسي لحركة الاخوان، وبكينا على اعدام عالم مثل عبدالقادر عودة الذي وضع كتاب «أصول القانون الجزائي في الاسلام» والذي لايزال يدرس حتى الان في الجامعات. ولكننا سرعان ما غفرنا له ذلك، وحتى عندما كانت اذاعته تهاجم الاردن والملك الحسين بشراسة، او حتى عندما كان يتعرض للاردن ورموزه شخصياً في خطبه الماراثونية، كنا نغفر له ذنبه لان سعيه للوحدة واملنا في تحقيقها على يديه فاق قدرتنا على عدم التسامح وبالمقابل فان كل اردني كان يعلم ان الملك الحسين الذي تعرض لاكثر من محاولة انقلاب واغتيال قيل ان للمخابرات المصرية فيها دوراً انذاك، قد غفر للاردنيين الذين عملوا ضده وبل وعين بعضهم مدراء للاجهزة الامنية في الاردن، فاذا كان الملك يغفر، فلماذا لا نفعل نحن كمواطنين ذلك. ومع ايماني حاليا ان سياسة عبدالناصر الاقتصادية كانت كارثة لمصر، فاننا نحن الطلاب «الشرقيين» كما كنا نسمى انذاك، قد استفدنا من الفرق بين السعر الرسمي للجنيه المصري بالدولار مقابل اسعار السوق السوداء. وان الرئيس عبدالناصر قد فتح لنا جامعاته، ومعاهده لكي نتعلم وندرس عندما لم يكن لدينا في الاردن جامعات. ولكننا عشنا طلابا ايام حرب اليمن، ورأينا عائلات الضباط والجنود المصريين الذين حاربوا في اليمن يعانون الامرين من غياب ازواجهم وابنائهم في بلد عربي لا يرون للحرب فيه او ضده اي معنى او اي تحقيق للوحدة، وعشنا كذلك ايام هيمنة المخابرات، وما كان يقال في الخلوات عنها وعن اساليبها وبطشها وعن صلاح نصر بالذات، ولكننا كنا نغفر ذلك ونحن طلاب وننساه في غمرة حربنا الداخلية بين اهلاوي وزملكاوي، وبين منافستنا على العلامات والدرجات والتخرج بتقادير. ولكن الذي قصم ظهر امالنا حرب عام 1967. ولم نصدق على الاطلاق ما كانت تقوله الاذاعات الخارجية عن انتصار اسرائيلي. والا كيف تفسر انتفاخ الاسماك في البحر وقد تجوعت كي تشبع من جثث الطيارين الاسرائيليين الذين سقطت طائراتهم في البحر بفعل الدفاعات الجوية الكثيفة ذات الدقة الجراحية. وعندما عدنا الى الاردن، وسافرنا الى جسر الملك عبدالله على نهر الاردن فاجأتنا الحقيقة الأليمة، فقد منعنا من دخول الجسر الا لمنتصفه، وكان الجنود والعلم الاسرائيليان على الجانب الاخر، وعلم يرفرف غريب كان رمزاً لكل ما كنا نكرهه وننكره. وتهاوت الاحلام، وتضاءلت الآمال، واسودت الدنيا بعدما ضاقت. وجاء يوما 9، 10 يونيو حزينان. فقد استقال الرئيس عبدالناصر بعدما تحمل مسئولية الهزيمة. ولكننا خرجنا مع الخارجين الذين طالبوا بعودته، وبودي لو انه صمم على استقالته انذاك لاستن في الامة العربية سنة حسنة، وسابقة لن ينساها التاريخ، وهي ان الزعيم الذي يأخذ مخاطرة يتحمل نتائجها حين تفشل او يفشل. ولكنه على الاقل ابدى استعداده للتخلي وقد رأيت بأم عيني ردة الفعل الطبيعية في الشارع المصري. لقد كانت استقالته رمزاً لعصر البراءة، وعصر الزهو، وعصر التغيير نحو الأفضل. وما كان الناس مستعدين انذاك لاضافة الملح على الجراح وفركه في دمه النازف، وتحمل الاهانة بعد الهزيمة. ودارت الايام، وصارت الهزيمة نكسة. ولكن ردود الفعل بدأت تتوالى. وتغيرت في عامي 1968 و1969 اربعة انظمة عربية في سوريا والعراق والسودان وليبيا. وبرزت حركة التحرير الفلسطينية ممثلة بالمنظمة، وجاءت احداث سبتمبر الدامية في الاردن تذكرة لعبد الناصر بنتائج هزيمة يونيو وحجم الاذى، الذي تسببت فيه، ولم يطل الأمد عليه الا اياما حين التقى وجه ربه الاعلى. كان عبدالناصر شخصية مصرية فذة تركت بصمتها على التاريخ المصري. وكانت احلامه في الوحدة العربية قد سبقت عصر الخصوصيات القطرية والسيادات المحدودة. ولو عاش في عقد التسعينيات لعرف ان الوحدة لا تتحقق بالتدخل في الشئون الداخلية للدول ولجنب نفسه الكثير من المشكلات، ولأعطى مصر فرصتها لتكون اقوى اقتصادياً من كوريا الجنوبية. اننا نحكم على عبدالناصر بمقاييس اليوم ومعاييره، لا بالمقاييس والمعايير التي كنا نتبناها في زمن البراءة ووقت الرومانسية، ان اهم ما في عبدالناصر ـ رحمه الله ـ هو اننا نريد روحه ان تبقى وقادة، ولكننا لا نريد اساليبه التي جرت علينا الويلات.. انها النوايا الحسنة التي قادته في نهاية الامر ونحن معه الى نتائج وخيمة، فهل نتعلم من التاريخ، ام سيحكم علينا بتكراره؟.