كانت الديمقراطية دائما هي الحلقة الأضعف التي راح أعداء ثورة يوليو يدقون عليها في كتاباتهم ويلطمون الخدود ويذرفون الدموع والدماء على ضياعها ولا يرضون إلا هدم الثورة على رؤوس أصحابها بسبب ضياع الديمقراطية، وفي حزب التجمع التقدمي الوحدوي وبمناسبة أسبوع إحتفالاته بمرور «50» عاما على ثورة يوليو قدم المستشار طارق البشري ورقة عنوانها «تجربة تنظيم الحكم الناصري في سياق التاريخ المصري المعاصر»، وقد آثر البشري أن يبدأ بحثه ببيان ما يقصده هو بالديمقراطية فقال: أقصد بالديمقراطية ذلك النظام في إدارة المجتمع وإدارة الدولة، الذي يعتمد على التشكيلات المؤسسية الموضوعية، وليس على العلاقات الشخصية بين القائمين على الأمور، ويعتمد على جماعية إتخاذ القرار وليس على الفردية في هذا الشأن، ويعتمد على تعدد الهيئات والجهات التي تمارس الشئون العامة. وأضاف البشري أن الديمقراطية هي وصف يلحق التشكيلات والتنظيمات التي تتكون في المجتمع لإدارة الشئون العامة لجماعة معينة، وأهم هذه التشكيلات والتنظيمات وأخطرها شأنا هو «الدولة» بطبيعة الحال. ويؤكد البشري أن الديمقراطية بهذا التصور لا تقوم ولا يحسن إعمالها إلا بمتطلبات تتعلق بعصمة الإنسان وحرمته في جسمه وعرضه وسمعته وماله،وبحقه في العمل والسكن والتنقل وغير ذلك، وحقه في الاجتماع وتنظيم شئون جماعاته الفرعية التي ينتمي إليها، وسواء كانت هذه الحقوق فردية أو جماعية فإنها لازمة للإنسان بذاتها واثارتها في صدد الحديث عن الديمقراطية يأتي بمعنى أنها تشكل المناخ الاجتماعي السياسي الثقافي الضروري لإقامة التشكيلات الديمقراطية. ويواصل البشري قائلا: إن الديمقراطية أيضا ـ كما يتصورها ـ ليست مشورة في إتخاذ الرأي، ولكنها مشاركة في إتخاذ القرار فهي لا تتعلق بالقرار الذي إتخذ من حيث موضوعه ولكن تتعلق بالكيفية التي اتخذ بها هذا القرار ويقول: إن الديمقراطية نسق تنظيمي لإتخاذ القرار وأن القيادة الفردية «غير الجماعية» ليست إستبدادا بالرأي وإنما هي إستبداد بالقرار. ويضيف البشري: أن أي قائد فردي رشيد إنما هو يسأل ويشاور ويتبادل الرأي مع من يستحسن الإستعانة بتجاربهم حول ما تصلح به الأوضاع لصالح حكومته وجماعته.ويستطلع الخبرات حول ردود الفعل وحول القيود والضوابط الحاكمة للأوضاع القائمة وللجماعات المتعددة. وكل ذلك يحتاج إلى معارف جماعية وإلى خبرات جماعية وأراء متعددة يجمعها ويقارن بينها ويتحرى الأصح منها من وجهة نظره، ومن جوانب المصالح التي يرعاها ولكن قراره بعد ذلك يبقي قرارا فرديا يملكه وحده لا يخضع فيه لقرار يرد من غيره ويلتزم هو به. ـ هل عرفنا الديمقراطية قبل ثورة يوليو؟ ــ يقول البشري قبل يوليو وعلى مدى القرن الـ «19» كله لم نعرف هذه الديمقراطية والدستور الوحيد الذي تضمن بذور تعددية لم يكتب له التنفيذ، وإذا نظرنا إلى التنظيم الديمقراطي في تصوره التقليدي من حيث قيام سلطات ثلاث متميزة الواحدة عن الأخرى، ومن حيث وجود جهاز تشريعي يصدر التشريعات ويراقب أعمال الحكومة ويمكنه إسقاطها ومن حيث قيام سلطة قضائية ذات تميز عن غيرها تراقب سيادة القانون فلن نجد أمامنا في التاريخ المصري إلا دستور 1923، ونلحظ أنه الفترة من 1923 إلى 1952 لم يستمر تطبيق الدستور بغير مخالفة ولا وقف ولا الغاء وبغير أحكام عرفية إلا مددا متقطعة مجموعها لا يزيد على عشر سنوات ولا تجاوز المدة المستمرة الواحدة ثلاثة أعوام، ومن بين عشرة إنتخابات جرت في ظل هذه المدة ست منها نزيهة والأخرى نتائجها مصطنعة مطعون في نزاهتها وأن مجالس النواب التي شكلت تشكيلا نزيها إستمر أولها أقل من عام واحد وإستمر ثانيها في عام 1926 نحو عام ونصف وإستمر ثالثها في بداية عام 1930 نحو ستة أشهر وإستمر رابعها عام 1936 عامين وكذلك خامسها وسادسها بمدة إجمالية لا تزيد على ثمانية أعوام وأن وزارة الوفد التي كانت تتولى الحكم مع كل إنتخاب حرة لم يتجاوز مجموع بقائها في الوزارة خلال المدة من 23 إلى 1952 سبع سنوات، ورغم هذا يؤكد البشري أن التطبيق الديمقراطي لم يكن مفقودا ولا سرابا يحسبه الظمآن ماء، وإنما كان حقيقة واقعة وأن إجراء إنتخابات حرة ست مرات وتولي حكومة لا ترضى عنها القوى الحاكمة ذات الوجود الثابت كالملك والإنجليز ليس بالأمر الهين وأن ما يقصده هنا هو أن التنظيم الديمقراطي قبل يوليو لم يتخذ صورة مثالية مستقرة مطلقة إنما كان متقطعا ومضطربا ومحددا وأن هذا ما أضعف من أثر هذه التجربة وصرف حركات شباب الثلاثينيات وما بعدها عن أن تكون الديمقراطية الأولولية في أهدافها ومساعيها. ملامح ديمقراطية أو لاديمقراطية يوليو ويحاول البشري أن يتبين ملامح التنظيم السياسي الذي اقامته يوليو ويقول أن ملامح نظام الحكم في خلال مدة الثورة «52 ـ 1970» لم يكن في ظنه مقطوع الصلة بما سبقة وليس معدولا عن جوهره فيما لحقه، وعليه يقول: أن الثورة قامت من داخل الجيش المصري، ومن خلال تنظيم الضباط الأحرار، والتنظيم السياسي الذي ينشأ داخل الجيش قد يتبنى الأهداف السياسية للجماهير ولكنه لايمكن أن يكون ذا توجه جماهيري، من حيث الخطاب السياسي الذي يتعين أن يبقي سريا وليس جهريا، ولا من حيث أساليب العمل التي يتعين أن تبقى محصورة ومحكومة بعفوية ضيقة اختيرت اعتمادا على الثقة والروابط الشخصية وليس على الإنتشار والروابط السياسية وحدها، ويقول: تنظيم الضباط الأحرار في أصل نشأته وبموجب عسكريته قام وهو يحمل في نسيجه العفوي خصائص العلاقات الوظيفية لأجهزة الدولة والإدارة من حيث مراعاة الرتب والاقدميات وغير ذلك، كما لم يكن يستبعد من أسلوب عمله أنه عندما قام ليلة 23 يوليو بالثورة إنما سيحرك ما يستطيع تحريكه من قوات الجيش لا بموجب العضوية السياسية لهؤلاء في التنظيم وإنما بموجب التبعية الإدارية والموقع القيادي للقوات المتحركة. ويواصل البشري: من حيث التكوين السياسي للضباط الأحرار فهم من هذا الجيل الذي تفتح إدراكه السياسي في الثلاثينيات ودخلوا الكلية الحربية في أواخر الثلاثينيات، وهم من جيل التنظيمات السياسية التي تشكلت عبر الثلاثينيات والإربعينيات «الحزب الوطني، الاخوان المسلمين، مصر الفتاة، الحركة الشيوعية وبعض من شباب الوفد» الليبرالي الذي خطف الأبصار في العشرينيات، وقام لديهم التحفظ عن مدى جدوى التنظيم الليبرالي في تحقيق الأهداف الوطنية التقليدية وفي مدى إمكان تحقق المدينة الفاضلة لمجرد إجراء إنتخابات دورية تفضي إلى تداول السلطة، ونظراوا إلى الديمقراطية الليبرالية بحسبانها وسيلة لخلخلة النظام القائم لا لتحقيق الأهداف المرجوة وهي تتعلق بالإستقلال والمرجعية الإسلامية، والشيوعيون كانوا يجهرون بأن المآل هو للأخذ بمبدأ دكتاتورية البروليتاريا. في ظل هذا قام تنظيم الضباط الأحرار بحركته ليلة 23 يوليو وبعد البدايات الأولى من سيطرة التنظيم على الحكومة والإستيلاء على عدد من المواقع والمراكز التي تكفل الهيمنة على الجيش وضمان إعلام المواطنين بالحركة ومراقبة تحركات الملك ومراكز حكمه لشل فاعليته، وفي البدايات الأولى إنتهى تنظيم الضباط الأحرار وظهر «مجلس قيادة الثورة» وكان اسما يتناسب مع موجبات الهيمنة على الجيش وجهاز الدولة كله وتحولت القيادة إلى رئاسة وإندمجت السياسة في جهاز الإدارة، وإندمجت القيادة السياسية في الرئاسة الإدارية، وإندمجت وظائف الدولة التنفيذية والتشريعية وعرف نظام اللاحزب خلال الفترة من 23 يوليو 1952 حتى عام 1970 وإتخذت القيادة ورئاسة الدولة أخطر القرارات السياسية التي ترتبت عليها آثار بالغة في مصائر الشعب والوطن في وقت غاب فيه التنظيم السياسي أو كاد وهي قرارات تأميم القناة وقرارات التأميم الكبرى في يوليو 1961 إذ كان الإتحاد القومي قد ذوى ولم ينشأ بعد الإتحاد الإشتراكي، وفي قرار تأميم القناة كانت هيئة التحرير قد ذوت ولم ينشأ الإتحاد القومي، كما أن استقراء العلاقات والخرائط تكشف عن مركزية قابضة في بناء أجهزة الدولة وتتصاعد السلطات المركزية تصاعدا سريعا من أدنى المستويات إلى أعلاها مركزة في رئيس الجمهورية الذي صار مصدر الدفع الرئيسي في النشاط العام بأوجهه المتعددة، وأن إستقراء الوثائق الدستورية ومتابعة التشكيلات الخاصة بمؤسسات الحكم يكشفان أن مصر لم تعرف خلال الفترة «52 ـ 70» توزيعا بين السلطات بالشكل الذي تتصوره النظم الديمقراطية التقليدية وعرفت إندماج السلطة التشريعية في التنفيذية وصدرت غالبية القوانين في صورة قرارات بقوانين في رئيس الجمهورية، وخلال «18» عاما لم يوجد مجلس نيابي أصلا لمدة تسع سنوات، والمجالس التي وجدت في 1956 و1958، و1940 كان أوسطها بالتعين من رئيس الجمهورية خلال دستور الوحدة مع سوريا، وفي المجلسين الآخرين كان للتنظيم الشعبي سلطة الاعتراض على المرشحين ولم يذكر أن مجلسا منها مارس حق الرقابة على الوزراء في عملهم التنفيذي. جريان النيل وصلاح الحاكم خلق طارق البشري فهما وتفسيرا تاريخيا للتنظيم السياسي في ثورة يوليو وقال: علينا أن نتفحص أجهزة الدولة المصرية قبل ثورة يوليو لنعرف ما إذا كانت هذه الملامح التي تكشف عنها البناء التنظيمي للثورة قد تولدت عن نظام الثورة ونشأت به أم كانت هذه الملامح متهيئة للظهور من قبل وذات جذور سابقة. ويؤكد البشري: إن نظام يوليو لم يخلق هذه الظواهر، فهي قديمة وهي في مصر تدعمها الجغرافيا السياسية، مصر الواحدة الكبيرة المحصورة بين الصحاري والبيادي، ومصر السهل المنبسط الذي يحكمه ويتحكم فيه مصدر ري وحيد، ولما سأل هارون الرشيد فقيه مصر الليث بن سعد عما تصلح به مصر فقال: «جريان النيل وصلاح الحاكم» ويضيف البشري: إذا كان جهاز إدارة الدولة في مصر يستمد قوته من أوضاع الجغرافيا السياسية فإن أسباب القوة والدعم منذ القرن التاسع عشر زادته هيمنة وجبروتاً فإنتقلت إلى مصر خبرة الجماعات القومية المتحدة في أوروبا ونشوء الدولة القومية وأساليب الحكم المركزي التي إنتقلت على أيدي محمد علي لتخدم مشروع نهوض وبناء مجتمع ودولة ذات جيش مسلح تسليحا حديثا ومشروع سياسي طموح. وينتهي البشري إلى أن الدولة المركزية بسلطاتها الشاملة وبقدراتها المستوعبة وبميلها الإضطراري لتنظيم الجماعة وبتفردها المؤسسي لم تكن نبتا ناصريا ولا من مواليد ثورة يوليو إنما بدأت ونمت قبل ذلك بأكثر من قرن وكانت يوليو تابعة ومسبوقة وأن كانت هذه الثورة نمت بهذه الخصائص وجرت بها خطوات بعيدة وغير مسبوقة. الأمم غير الآمنة ويطرح طارق البشري فكرة جديدة يدلل فيها على ما سبق وهي فكرة الأمم غير الآمنة ويقول: نحن في مصر وفي بلاد العرب والمسلمين وفي كل بلاد آسيا وأفريقيا من الأمم غير الآمنة لا على مجتمعاتها ولا على شعوبها ولا على أرضها أو ثرواتها وثقافتها، هذه المجتمعات والأمم والشعوب غير الآمنة التي عرفت أزمات حادة تتعلق بالأمن القومي لها إنما تتحرك حركتها السياسية الوطنية لتقاوم مخاطر الخارج ولمحاولة فرض عصمتها ومناعتها على قوى الخارج المهددة لها، والدولة تقوم بحسبانها المؤسسة السياسية المشخصنة للجامعة الوطنية العامة، لأن أهم ما يجب عليها أن تكلفه هو حراسة أمن هذه الجماعة في مواجهة أخطار الخارج أو في مواجهة إحتلال صيغ التوازن بين الجماعات الفرعية المكونة لهذه الجماعة الوطنية العامة. ومن هنا تبدو معقولية فكرة التنظيم السياسي الواحد التي ظهرت في غالب الأمم الساعية إلى الاستقلال بعد أن غزتها الجيوش الأجنبية وسيطرت على حكوماتها ودولها، من حزب المؤتمر في الهند إلى حزب الكونتانج في الصين «ثم الحزب الشيوعي» إلى جبهة التحرير في الجزائر إلى أحزاب التحرير في أفريقيا جنوب الصحراء، لأن التنظيم الواحد هنا قام بديلا عن الدولة في تشخيص الجماعة الوطنية والسعي لإسترداد الإستقلال وإجلاء النفوذ الأجنبي والتنظيم الواحد الذي يعنيه المستشار طارق البشري هنا هو التنظيم الجامع وليس الوحيد،وهو في مصر كان الحزب الوطني القديم أيام العرابيين، ثم ظهر الوفد المصري مع ثورة 1919، ثم ورثت يوليو بإستحقاق وجدارة قيادة حركة التحرر الوطني وإستردت للدولة وظيفتها الأساسية وهي حفظ الأمن القومي للجماعة السياسية، ويؤكد البشري: أن سعي الثورة لإنشاء تنظيم سياسي واحد لم يكن بدعا ولا شذوذاً في إطار السوابق المشار إليها، وبحسبان أن الجماعة السياسية كانت لاتزال تخوض معارك الإستقلال ومخاطر الخارج عليها كانت محدقة. ولكن البشري يواصل قائلا: أن المشكلة جاءت من أن يوليو لم تؤيد مفهوم التنظيم الجامع الذي يعني تنظيماً سياسياً يعبر عن مجمل السياسات والطموحات وإنما جعلته التنظيم الوحيد، ومنع قانونياً إنشاء أي تنظيم سياسي وفرض العقاب الجنائي على مخالفة هذا المنع فلم تسمح بفتح ذرائع التفاعل الحي بين الجماعة الفرعية المنتمية إليها،والمشكلة الثانية: أن التنظيم الجامع الذي نادت به الثورة لم يكن له إستقلاليته ولا وجوده المتميز عن سلطة الدولة، وكانت كل تنظيمات يوليو في وقتها تمثل واجهة لنشاط الدولة فهي لا ترسم سياسة ولا تصدر قرارا إنما يجري ذلك في رئاسة الجمهورية، ولاتحشد جمهورا لأن ذلك يقوم به أجهزة الإدارة المحلية، ولا تشيع فكرا فذلك تقوم به وسائل الاعلام، ولا تجمع معلومات فذلك تقوم به أجهزة الأمن، وأن قامت بأي مما سبق فهو جهد المقل يضاف قليله إلى الكثير الذي تقوم به أجهزة الدولة. ثلاثية الشكل وواحدية المضمون ويصل البشري إلى نتيجة في ختام دراسته مفادها: إن المقارنة بين النظام السياسي خلال الفترة في 52 إلى - 1970 وبين مدة الثلاثين عاما التالية تشير إلى وجود إختلاف في رسم هياكل السلطة ونوعا من التوزيع للأدوار والمشاركات في إتخاذ القرار ولكن يبقى جوهر الإندماج بين سلطتي التنفيذ والتشريع قائما وجوهر التوحد بين السلطة المندمجة والحزب الحاكم قائما فالسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والحزب الحاكم ثلاثة في الشكل وواحد في الجوهر، ويبقى جهاز الدولة بتشعباته وإمتداداته هو المؤسسة شبه الوحيدة التي لا تقوم إزائها مؤسسات أخرى لا أهلية ولا رسمية، وأنه بموجب هذا التوحد يمتلك السلطة كاملة سواء بالإنتخابات أو بغيرها. والحل الصحيح هو السعي والضغط لتقوية هيئات المجتمع الأهلى وبخاصة النقابات العمالية المستقلة والنقابات المهنية والهيئات المحلية ومؤسسات الدولة ذات الاستقلال النسبي مثل الجامعات، والقصد من ذلك ليس إضعاف دور الدولة ولكن موازنة قوتها في حدود توازن السلطات وفي حدود الأطر الشعبية والأهلية للجماعة الوطنية. الديمقراطية الاجتماعية عند يوليو وفي تعقيبه على ورقة البشري قال الدكتور رؤوف عباس أستاذ التاريخ: أن يوليو طرحت مقولة لم يشر إليها البشري في ورقته وهي مقولة: أن هناك ديمقراطية سياسية وديمقراطية إجتماعية، وقال عبد الناصر: كتب علينا أن نسير في المرحلتين معا، وأن عبد الناصر عندما سئل عن الديمقراطية وهوجم في أثناء مظاهرات 1968 التي طالبت بالديمقراطية رد قائلا: عاوزين حكومة ديمقراطية إذا كانت لدينا فرصة تعليم،وسكن ووظيفة، اليست هذه حرية، إذن مفهوم مكاسب الجماهير التي تحققت هو الذي حكم النظرة الديمقراطية، وأضاف د. رؤوف عباس عائدا إلى تاريخ الوفد المصري قبل يوليو: أن الوفد الذي حارب بالديمقراطية لم يكن مؤمنا بها في تنظيماته وتكويناته، وأن رئيس حزب الأحرار الدستوريين لم يأت من خلال تكوين ديمقراطي وإنما جاء من الشارع لرئاسة الحزب كما وصفه النحاس في مذكراته. وأضاف الدكتور رؤوف عباس: أن سلطة عبد الناصر الأبوية كانت سلطة مقنعة لدى الجماهير وأن السادات حاول إرتداء ثوب هذه السلطة ولكنه لم يكن مقنعا. ورد د. رفعت السعيد الأمين العام لحزب التجمع على ما ذكره طارق البشري قائلا: أننا إعتدنا أن نجد من ينكر وجود الديمقراطية في العهد الناصري أو من يبرر عدم وجودها ولكن البشري أوجد طريقا ثالثا وهو أنها أمر مقبول في إطار التفسير التاريخي والجغرافيا السياسية التي قدمها، وأعرب رفعت السعيد عن أمله أن يراجع البشري ورقته هذه، وقال السعيد: أن جوهر الورقة التي أعدها طارق البشري تقوم على فكرة أن «أي قائد فردي رشيد يسأل ويشاور ويتبادل الرأي مع من يستحسن الاستعانة بتجاربهم حول ما تصلح به الأوضاع وهاجم رفعت السعيد طارق البشري في قوله أن أخطر قرارات الثورة إتخذت في غياب التنظيم السياسي وكأن ـ كما يقول السعيد ـ طارق البشري يستملح هذا الأمر». ورد السعيد على ما قاله طارق البشري: «أن الدولة المركزية الحديثة بسلطاتها الشاملة وميلها الاضطراري لتنظيم الجماعة ولم تفردها المؤسس لم تكن نبتا ناصريا ولا من مواليد يوليو إنما بدأ ذلك ونما قبل يوليو بقرون». ما قاله البشري أيضا «أن معقولية فكرة التنظيم السياسي الواحد ظهرت في غالب الأمم الساعية إلى الاستقلال، والحزب الواحد في مصر لم يكن يعني منع قيام تنظيمات أخرى وإنما كانت واحدية من تعبيره عن الجماعة وسعيه لتحقيق ما أقيمت عليه من طموح تقتضيها المرحلة التاريخية، في هذا يرد رفعت السعيد: إن ثورة يوليو جمعت بيديها كل ما أنجزته بسبب تفردها وأورثت نفسها لوريث ما كان يمكن ان يرثها إذا كانت ثورة ديمقراطية، وأضاف التنظيم الجامع الذي تحدث عنه طارق البشري لم يكن أتيا عبر طريق ديمقراطية وإنما كان أتيا عبر القهر والبطش فكان قاهرا وباطشا. ورد رفعت السعيد على قول طارق البشري أن نظام يوليو ليس مسئولا في إطار دراسته التي قدمها فقال: الأوضاع القديمة يمكن تغيرها كما غيرها نظام يوليو ولكن ـ حسب قوله رفعت السعيد ـ لذة الحكم بلا ديمقراطية عند يوليو كانت شيئا آخر. وقال: غير صحيح ما ذكره طارق البشري عن الصلة بين الديمقراطية والحركة الوطنية أو أن الديمقراطية قبل الثورة وبعدها وظفت من أجل القضية الوطنية، لأن مصريين كثيرين ماتوا لأنهم أرادوا الديمقراطية فقط، ولم يموتوا لأنهم أرادوا الحركة الوطنية. ودلل السعيد على عدم صحة ما طرحه البشري وأن الديمقراطية وظفت من أجل الحركة الوطنية، وكانت خادما لها قائلا: أن الإنجليز خرجوا من مصر وحلت الحركة الوطنية مشاكلها، فلماذا لم تحل مشكلة الديمقراطية، والديمقراطية مشكلة في ذاتها وليست خادمة للحركة الوطنية. وهاجم رفعت السعيد طارق البشري لأنه لم يذكر حرفا واحدا في ورقته عن سجون ومعتقلات وإعدامات يوليو، ولكن طارق البشري بدلا من هذا يقول: ورثنا نظام حكم «كذا» وكأننا شعب محكوم عليه أن يرث ويورث لأن هذا هو تاريخنا. وأكد السعيد: أن ما حدث لمنجزات يوليو من تبديد وإنتهاك وضياع لم يأت بالمصادفة وإنما كان طبيعيا بسبب غياب الديمقراطية، اهتم عبد الناصر بأمن الوطن ولكنه داس على أمن المواطن. وترددت المناقشات في القاعة حول التأكيد على الديمقراطية الإجتماعية ليوليو وحول وجود ديكتاتورية يوليو وما بعدها وإستمرار خداع الشعب المصري حتى الآن، وقال الدكتور سمير فياض أمين القاهرة في حزب التجمع: أن الدكتور رفعت السعيد ظلم الورقة وأخذ جملا مبتورة من سياقها وبنى عليها هجومه، كما جاءت من القاعة إختلافات حول الورقة مفادها أن طارق البشري اهتم بالشكل وليس بالنتائج في حديثه عن ديمقراطية يوليو ونسى أن شكل الحكم يأتي لتحقيق مصالح طبقات معينة في مواجهة طبقات أخرى ورد البشري على الدكتور رفعت السعيد قائلا: أنه لم يقرأ الدراسة جيدا ودعاه لقراءاتها وإلا يجتزيء منها جملا مبتورة