اعتبرت ثورة يوليو أن النساء شقائق للرجال ومن هنا وضعت الثورة العديد من اللوائح والقوانين التي تعطى المرأة فرصة متساوية مع الرجال في شتى مناحي الحياة لكن وبعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، في 28 سبتمبر 1970 جرت مياه كثيرة في نهر المرأة المصرية، وربما يختلف البعض أو يتفق حول مقدار التغيير الذي طرأ على وضع النساء المصريات سلبا أو إيجابا في سنوات ما بعد رحيل عبد الناصر، لكن الثابت أو الأوضاع تغيرت على كل حال. هذا التغيير كيف تنظر إليه النساء اللائي ولدن في الأعوام التي سبقت عام 1970 أو بعده بسنوات قليلة وما هو تقييم المرأة الجديدة التي لا يتجاوز عمرها الأربعين عاما حاليا للظروف التي مرت بها المرأة المصرية في ظل ثورة يوليو وما بعدها؟ «بيان الأربعاء» ألتقى عددا من السيدات وسألهن عما قدمته الثورة للمرأة ومدى استفادتهن الشخصية من مكاسب الثورة، وعن تصورهن للوضع الحالي وهل هو امتداد لهذه المكاسب أم ان تراجعا ما قد حدث؟ فكانت الاجابة بأنهن جميعا استفدن من انجازات الثورة الا انهن أيضا قد أضررن من جراء الأوضاع الجديدة التي فرضت ظلالها على وضعية المرأة في المجتمع وهو ما اكده خبراء العلوم السياسية ايضا. **الاحصاءات التي اجريت منذ ذلك التاريخ تؤكد حدوث طفرة كبيرة في تعليم البنات اذ انخفضت نسبة الامية بين الاناث. ولوحظ مع مرور السنوات بعد الثورة زيادة دخول الاناث وخاصة المتعلمات في سوق العمل، وحدث تحول جوهري في عمالة المرأة خلال الفترة من 1961 الى 1971، اذ تحول عدد كبير من النساء من الاشتغال بالزراعة الى أنشطة اقتصادية اخرى. وبشكل عام يشار ان عدد النساء العاملات في قطاع الانتاج على اختلاف انواعه قد وصل الى 4.2 ملايين امرأة عام 2000، مما يؤثر تطور مشاركة المرأة في جميع القطاعات منذ قيام ثورة يوليو حتى وقتنا الحاضر. ورغم ذلك يؤشر تراجعا في جوانب اخرى عن تلك المكاسب التي ارستها الثورة، فقد يكون مفيدا الاشارة الى وضعية سيدات عاصرن فترتين تاريخيتين تماما اختلفت فيهما الأوضاع وتبدلت وهو ماتؤكده السيدة فردوس أحمد الشربيني «مهندسة وتعمل مدرس أول ثانوي» التي تقول ان ثورة يوليو قد حققت لها ولأخواتها ماكانوا يحلمون به من قدر عال من التعليم والمكانة الوظيفية، فقد أتاحت لهما مجانية التعليم فرص تعليمية جيدة بالرغم من عدد اخوتها الكبير «ثمانية اخوة» وبالرغم من ان والدها كان موظفا صغيرا، وهي لذلك تعتبر أن مجانية التعليم من أهم المكاسب التي حققتها الثورة التي أتاحت فرصا تعليمية للجميع وبالطبع فإن المرأة كانت المستفيد الأكبر باعتبار ان المرأة لم تكن تحصل على حقوقها من قبل. كما ان التعليم أيضا كان يؤسس لمجموعة من القيم ومنها الاعتماد الكلي على النفس والشعور بأن مسألة النجاح هي مسئولية فردية ودون ان يعتمد على الدروس الخصوصية، أيضا فإن المرأة حصلت على حقوق أخرى حيث اقتحمت كثيراً من المجالات التي كانت مقصورة على الرجال واتيحت لها فرص وظيفية لم تكن متاحة من قبل حيث كان يتم تعيين الخريجين من خلال القوى العاملة في أماكن تتناسب مع تخصصاتهم. وعلى الرغم من الطفرة الحقيقية التي أحدثتها المرأة في ثورة يوليو الا ان هذه الطفرة قد شهدت تراجعا فيما بعد كما تضيف السيدة فردوس فهناك دائما دعوات داخل المجتمع تشعر أن المرأة عندما تعمل فهي تأخذ مكان الرجل وتحرم شابا من فرصة وظيفية وان الأولى بالنساء أن يتفرغن لرعاية أسرهن وأولادهن، وهو مايتناقض تماما مع صورة المرأة العاملة التي دعمتها ثورة يوليو حيث كانت المرأة تشعر حينذاك بأن العمل حق لها وان ماتفعله هو جزء أساسي من تطور المجتمع والمشاركة في تنميته وان حقها في العمل مساو لحق الرجل تماما. وترى أيضا أنه قبل ثورة يوليو لم تكن تستطيع أي فتاة الاقامة في المدينة الجامعية لكي تدرس بالجامعة بعيدا عن أهلها ولكن مع قيام ثورة يوليو اصبح الأمر عاديا واصبحت المدن الجامعية والتي اتيحت لكل الطالبات وايضا الطلاب المغتربين عن ذويهم مكانا يأتمن فيه الأهل على ابنائهم، كما أن اللغة العربية أصبحت الأساس في التعليم وقبلها كانت المدارس أما أجنبية أو أهلية وقد عملت ثورة يوليو على تدعيم الدراسة بفتح الكثير من المدارس، كما ان نمط التعليم نفسه كان يبني داخل الطلاب قيما رفيعة مثل الانتماء وتحمل المسئولية وقدسية العمل وخلافه، أما الآن فقد تراجعت حقوق المرأة شيئا فشيئاً حتى أن بعضهن اضطررن للتنازل عن الحقوق الوظيفية في مقابل الحصول على فرصة عمل. أما أميرة محمود «خريجة كلية التجارة» فتؤكد أيضا أن مجانية التعليم قد عادت على المرأة بالنفع الكبير بعد ان كانت فرصتها في التعليم محدودة للغاية نظرا لارتفاع تكاليفه عما يفوق امكانيات معظم فئات المجتمع في فترة ماقبل الثورة وهذه الفرص التعليمية واكبها أيضا حق المرأة في الحصول على فرص وظيفية بمجرد تخرجها وهو الحق الذي تمتعن به الكثيرات دون ان تنال منه شيئا، وفي الوقت الحاضر فإن معظم خريجات الكليات لا يحصلن على فرص عمل مناسبة أولا لا توجد هذه الفرص من الأساس. ولأن ثورة يوليو أتاحت الكثير والكثير للمرأة المصرية فإن معظم النساء يشعرن بالامتنان لهذه الثورة التي أوجدت للمرأة وضعية جديدة في المجتمع ولا يستطيع أحد ان يجذبنا للخلف مرة أخرى وهو ماتؤكده نادية منصور صيدلانية مشيرة الى أن المجالات اصبحت مفتوحة امام المرأة في العمل والتعليم وخلافه، واصبحت للمرأة حقوق يكفلها القانون، وان كانت المرأة قد تأثرت في الوقت الراهن بالظروف الاقتصادية مثلها مثل الرجل. وترى فردوس البهنسي خبيرة التنمية وعضو لجنة تنسيق اتفاقية الغاء كافة اشكال التمييز ضد المرأة انه في ظل ثورة يوليو كان لدى كل خريج وخريجة على وجه الخصوص شعور بالأمان بأنه سيحصل على وظيفة بمجرد تخرجه ويبدأ في الاعتماد على نفسه منذ هذه اللحظة، وتقول انه في ظل ثورة يوليو وماغرستها من قيم في المجتمع كان يتم تربية الاجيال بمنطق أن العمل حق وشرف في حد ذاته ولم تكن هناك سيدة في جيلنا تقول انها ترفض العمل بعد التخرج ولكن على العكس كان من ضمن كرامة الإنسان والمرأة خاصة ان تكون امرأة عاملة أو أن لها دوراً ما في بناء المجتمع، كما أن فكرة الحرية كانت مرتبطة بأن الجميع يعمل. وتضيف بقولها أنا شخصيا استفدت من مجانية التعليم فقد كان لي ستة أشقاء ولم يكن والدي ليستطيع تعليمنا تعليما جامعيا مالم تكن هناك مجانية تعليم، وعندما تم توظيفنا عملنا في ظروف مختلفة وهذه تجربة عشتها شخصيا واستفدت منها كثيرا ولكن الآن بدأت الظروف تختلف وأصبح عمل المرأة مجرد عمل روتيني ونمطي ويكاد يكون مقتصرا على قطاع الخدمات، واكتشفنا انه حتى لو وصلت النساء لأعلى المراتب الوظيفية والمواقع القيادية الا ان النظرة للمرأة أصبحت متدنية وبدأت هذه الفكرة في الظهور على استحياء منذ الثمانينيات وظلت تبرز الى أن وصلت في وقتنا الحالي الى ظهور كثير من الدعاوى تطالب بعودة المرأة لمنزلها بحجة افساح المجال امام الشباب للتوظيف وهو منطق بالطبع مغلوط، والغريب انه لم تتم محاربة هذه الفكرة وهو ماساعد على الردة عن الحقوق والمزايا التي حصلت عليها المرأة في ظل ثورة يوليو وبالتالي تم سحب عدد من الامتيازات التي تكفل للمرأة التوازن بين وظيفتها وواجباتها الأسرية والتي كفلها الدستور المصري. وتضيف انه بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر بدأت الدولة تسحب يدها عن بعض المكاسب الاجتماعية التي كانت تمنح للمرأة فدور الحضانة لم تعد توفرها أماكن العمل كما كان من قبل والمتاح منها أصبح باسعار لا تتناسب مع دخل المرأة، ولذلك فمع العبء المتزايد على المرأة فكرت الكثير منهن للعودة الى المنزل، أيضا فإن فرص ترقي المرأة بالترقية لم تعد موجودة كما كان من قبل - وبغض النظر عن كون المرأة أصبحت وزيرة - فإنه على مستوى الادارة والمناصب القيادية لا نجد الكثير منهن. وتشير السيدة فردوس أيضا الى ان حقوق المرأة العاملة قد حدث تراجعا فيها، فالمرأة أصبحت الأكثر عرضة للبطالة بل أن بعض الوظائف اصبحت تعلن انها للذكور فقط، ومن ثم فإن الوظائف المتاحة وضعت مقابل حقوق المرأة، فإما أن تتنازل المرأة عن مكاسبها في مقابل الوظيفة وأما ان تجلس متعطلة عن العمل، والأهم من ذلك هو حدوث تراجع حقيقي على مستوى قوانين حماية المرأة العاملة والتي تضمنها قانون العمل الموحد والمزمع اقراره من قبل مجلس الشعب، وهو القانون الذي أعطى صاحب العمل صلاحيات واسعة ممايعرض النساء للطرد والفصل من العمل وسيكونون أول الضحايا. واذا كانت اراء النساء قد اجمعت على انهن استفدن جميعا من الفرص التي أتاحتها ثورة يوليو وان كان قد حدث تراجع فيها فإن آراء الخبراء أيضا تؤكد الأمر نفسه أيضا فالدكتورة أماني مسعود مدرس العلوم السياسية بجامعة القاهرة وهي في نفس الشريحة العمرية للنساء اللائي قمنا باستطلاع آرائهن ترى ان أهم انجاز لثورة يوليو هو مفهوم التحرر بشكل عام بمعنى انه قبل قيام الثورة كانت النساء تشارك في المظاهرات ولها دور أساسي الا ان الثورة والتي أخذت تغيرات اجتماعية وسياسية واقتصادية قد انعكست على المرأة أيضا سواء في حرية التعبير أو التعليم أو المشاركة السياسية أو في مفهوم المواطنة، فأصبحت المرأة تشعر بأن لها حقوقاً وعليها واجبات تجاه المجتمع وبالتالي ازداد انتماؤها. وتقول أن اقامة مجتمع العدالة في ظل الثورة انعكس بدوره على المرأة فلم تعد هناك وظائف قاصرة على الرجال وهو مايؤكد ان المجتمعات الثورية تصبح فيها المرأة هي الفئة الأكثر استفادة، وهو مايعني ايضا انه تم تشكيل وعي وعقلية المرأة. وتكمل الدكتورة أماني مسعود رأيها موضحة ان كل الاجيال بعد الثورة قد استفادت بشكل أو بآخر من مكاسب الثورة، غير ان هذه المكاسب قد بدأ التلاعب بها. أما الدكتورة هويدا عدلي روماني ـ خبيرة العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية ـ فتقول أنا واحدة من بنات جيلي الذين ولدوا في أوائل الستينيات وكان للثورة فضل كبير عليهن، فقد أتيحت لنا فرصة للتعليم والعمل متساوية مع الرجل تماما، والأهم بالنسبة لي أن الثورة بتوجهاتها الثقافية حررت المرأة من كثير من القيود التقليدية والشكلية التي تفرضها العادات والتقاليد، فقد نجحت الثورة بالفعل في تحديث الثقافة المصرية فأعطت للمرأة حق المشاركة السياسية وحق العمل والتعليم واذا قمنا بمقارنة هذه المكاسب التي حصلت عليها المرأة في ظل الوضع بالوضع الحالي نجد ان هناك تراجعا على مستويات عديدة فمجانية التعليم لم تعد حقيقية. كما أنه قد حدث تراجع أيضا على المستوى الثقافي فعادت الثقافة التقليدية لتلقى بظلالها على المجتمع واصبحنا نتحدث عن أن المنزل هو المكان الطبيعي للمرأة باعتبار ان انحرافات الشباب كان سببها غياب المرأة عن المنزل. وتضيف انه حتى على مستوى المشاركة السياسية فإن مستوياتها أصبحت متدنية للغاية بالنسبة للمرأة نتيجة أن المرأة لم تعد الاجواء مهيأة لها لممارسة هذا العمل. سألنا عبدالغفار شكر أمين عام مساعد منظمة الشباب الاشتراكي ورئيس مكتب التثقيف في الاتحاد الاشتراكي في فترة الثورة عن رأيه في التحولات التي جرت على وضعية المرأة باعتباره شاهدا على العصرين وباعتباره أيضا أحد قادة التثقيف السياسي في فترة الثورة والذي تتلمذت على يديه العديد من القيادات السياسية والكوادر النسائية. فيقول انه استمرار للسياسات التي طبقت في عهد عبدالناصر فإن زيادة عدد المتعلمات استمرت في العهود التالية له باعتبار انها سياسات لا يمكن تغييرها في يوم وليلة واستمر تمتعهن بالمكاسب الاجتماعية وحق العمل، وعلى العكس من هذا نلاحظ انه ابتداء من منتصف السبعينيات بدأت تظهر في الصحف والاذاعة والتليفزيون دعوات معادية لعمل المرأة تتهمها بأن عملها هو السبب في البطالة وتدعوها للعودة للمنزل باعتبار ان مسئوليتها الأولى هي تربية الاجيال الجديدة كما تم التصفيق على حرية المرأة، ورغم هذه الدعوات الا ان الأسس التي وضعتها سياسات الثورة لم يكن من الممكن الانقضاض عليها بشكل واضح.