كانت اولى المحطات هي اتفاقية الحكم الذاتي للسودان التي عقدتها ثورة يوليو في عام 53 مع الحكومة البريطانية، قبلت حكومة الثورة لأول مرة في تاريخ الحكومات المصرية بحق السودان في تقرير مصيره عن طريق استفتاء شعبي لاختيار الاستقلال التام أو الاتحاد مع مصر. فقد ظلت الحكومات الحزبية السابقة تتمسك بحق مصر في تبعية السودان لها، وازال ذلك القبول تحفظ الحكومة البريطانية ازاء اعطاء السودان حق الحكم الذاتي، ولكن حكومة الثورة تدخلت بقوة في الانتخابات التي جرت عقب الاتفاقية لمناصرة الحزب الوطني الاتحادي الذي يدعو للاتحاد مع مصر مما أدى إلى فوزه بتلك الانتخابات. واصطبغت زيارة الرئيس محمد نجيب لافتتاح البرلمان السوداني في مارس 1953م بمواجهة دموية بين رجال الشرطة وانصار حزب الأمة الذين ارادوا ابلاغ الرئيس نجيب صوت المعارضة الرافضة للاتحاد مع مصر. وكان لتلك المعارضة الداخلية بالاضافة إلى ازاحة الرئيس محمد نجيب من قيادة مجلس الثورة، واعدام قادة الأخوان المسلمين بعد حادثة المنشية اثر كبير في تحول الحزب الوطني الاتحادي عن شعار الاتحاد مع مصر والاتفاق مع أحزاب المعارضة باعلان الاستقلال من داخل البرلمان باجماع الاصوات. وقد استبان للحزب الوطني مدى التناقض بين الوضع الديمقراطي السائد في السودان والنظام العسكري الذي يسيطر على الاوضاع في مصر. اضطرت الحكومة المصرية للموافقة على رغبة البرلمان السوداني دون التمسك بعقد الاستفتاء الذي نصت عليه اتفاقية الحكم الذاتي، بدأت المحطة الثانية في العلاقات بهجوم الاعلام المصري الكاسح على الحزب الوطني الاتحادي الحاكم الذي تنكر لشعاره الانتخابي بالاتحاد مع مصر، وتلقى دعماً مادياً منها ساعده في الفوز بالانتخابات وكون أول حكومة سودانية، فبدأت العلاقة عدائية بين الحكومتين منذ مطلع استقلال السودان في أول يناير 56 ولكن تغيرت تلك العلاقة العدائية بنهاية ذلك العام حين وقع العدوان الثلاثي على مصر من بريطانيا وفرنسا واسرائيل، فقد سارعت الحكومة السودانية بمؤازرة مصر وارسلت جنودها لحماية قناة السويس. جاءت المحطة الثالثة عندما قررت حكومة الثورة اجراء انتخابات رئاسية في عام 57 وشمل الاقتراع منطقة حلايب التي تسيطر عليها حكومة السودان والتي سلمت للسودان بموجب اتفاقية الحكم الذاتي من دولتي الحكم الثنائي. كان رئيس الوزراء في ذلك الوقت هو عبدالله خليل من حزب الأمة الذي تولى المنصب بعد ان تحالفت طائفة الختمية مع حزب الأمة واسقطت الرئيس اسماعيل الأزهري زعيم الوطني الاتحادي. قام عبدالله خليل بتعبئة شعبية وعسكرية ضد اجراء انتخابات مصرية في ارض سودانية وتقدم بشكوى إلى مجلس الأمن. لكن الرئيس عبدالناصر تصرف بحكمة حين اوقف اجراء الانتخابات في منطقة حلايب دون ان يعترف بأن حلايب ارضاً سودانية. كانت المحطة الرابعة هي تعاون ثورة يوليو مع الحكم العسكري الأول للرئيس عبود الذي استولى على السلطة في نوفمبر 58، واصبحت تلك سمة غالبة للحكومة المصرية ان تفضل التعامل في السودان مع حكومة عسكرية، وتدعم الحكومات العسكرية بصرف النظر عن توجهاتها الايديولوجية والسياسية. عقد نظام عبود اتفاقية مياه النيل التي قام بموجبها السد العالي، ويعتقد كثير من السودانيين ان تلك الاتفاقية لم تكن منصفة للسودان من حيث توزيع حصة المياه وحجم التعويض المالي الذي منح للمواطنين الذين غرقت اراضيهم نتيجة قيام السد. وعند اندلاع ثورة اكتوبر 64 ضد نظام عبود نفس الناس عن غضبهم المكبوت ضد الحكومة المصرية التي دعمت ذلك النظام العسكري، وحاولت الحكومة المصرية بدورها التقليل من شأن الثورة الشعبية واثرها السياسي، ربما خوفاً من امتداد اثرها إلى مصر. شكلت هزيمة يونيو 67 محطة اخرى في العلاقة بين البلدين اذ سارعت حكومة السيد محمد احمد محجوب «حزب أمة» المؤتلفة مع الحزب الوطني الاتحادي بتأييد مصر وقطع العلاقات مع الولايات المتحدة التي اتهمتها مصر بالاشتراك في الحرب ضدها. ودعت الخرطوم لمؤتمر قمة عربي لعقد مصالحة بين مصر والسعودية بعد اقل من شهرين من حرب يونيو، واستقبلت الخرطوم القائد المنهزم استقبالاً شعبياً غير مسبوق وفعلت ذات الشيء بالنسبة للملك فيصل. وكان مؤتمر اللاءات الثلاثة انتصاراً لعبد الناصر فقد أدى لمصالحة مصر مع السعودية، ومهد لخروج الجيش المصري من مأزق اليمن، وتلقت مصر دعماً مادياً مقدراً من الدول العربية النفطية. ولم تنقض سنتان على مؤتمر الخرطوم حتى وصلت العلاقة بين السودان ومصر الثورة إلى المحطة السادسة والاخيرة قبل وفاة عبدالناصر في عام 70، فقد انقلب العقيد نميري على النظام الديمقراطي للمرة الثانية واستلم حكم البلاد في مايو 69 وأعلن ان ثورته اشتراكية عربية على غرار نظام عبدالناصر. ولم تتردد حكومة الثورة المصرية في دعم النظام العسكري الانقلابي بصفته دليلاً على حيوية الثورة المصرية، رغم هزيمتها الفاجعة في حرب يونيو، وانها مازالت جاذبة وفاعلة في الساحة العربية له إلا ان نظام نميري ارتكب كل انواع البطش الثوري الذي تعلمه من النموذج المصري. وان كانت ثورة يوليو مؤثرة على مستوى القيادات الوسيطة في الجيش التي تطلعت الى استلام السلطة الا انها لم تكن ذات تأثير قوي على المستوى الشعبي في السودان لخوف اهل السودان من النظرة الاستعلانية عليهم، ولحبهم الدافق لممارسة الحرية السياسية، ولأن الأحزاب السياسية الكبيرة اعتمدت على كيانات دينية محلية عريقة لا يسهل التأثير عليها من الخارج.