لا الذكرى دينية ولا رقم الخمسين سحريا بل رداءة الاوضاع تكاد تحولها الى نداء استغاثة يتوسل البطل المنقذ بصيغة سلطان الدولة القوية «وامعتصماه». انه نداء استغاثة يستجير من الرمضاء بالجيرة، انه دليل عجز وتمنية للنفس، انه وهم وسراب واضغاث احلام الضعفاء. يجب تحرير الشعوب العربية من نداء «وامعتصماه»، لانه نداء مناقض للتحديث وبناء مقومات القدرة الذاتية على التحرر من التخلف ومن الاستعمار. ولكي تكون ذكرى ثلاثة وعشرين يوليو اداة لاستنهاض الهمم من أجل تحرير الوطن والانسان يجب تحريرها ايضا من رموز «المعتصم» و«صلاح الدين». يجب انقاذ تراث ثورة 23 يوليو من براثن سياسات الهوية والتي تحولها الى نوع من العصبوية السياسية والايديولوجية تجعل اتباع الناصرية طائفة تحتفل بعيدها الذي لا تشاركها به بقية «الطوائف»، وتتنازل وتبارك لهم بهذا العيد في اقصى حالات التسامح. الناصرية حركة سياسية تاريخية اندمجت بالتيار القومي العربي القائم قبلها في محاول لتحديث المجتمع المصري وتحرير جماهيره الواسعة من الفقر والتخلف والجهل، انها محاولة للتحديث بادوات الخمسينيات والستينيات الحديثة المعروفة وعلى رأسها الدولة، وفي مقدمتها الجيش. الناصرية حركة اكتشفت الصدام مع الاستعمار الجديد بعد الاستقلال في سياق عملية التحديث والتنمية وتحكم هذا الصدام بلقائها مع القومي العربي في مسعى توحيدي بقي ملهما للناس في المنطقة العربية على اعتاب كل ازمة. ورغم انزراع هذه المهمات التاريخية في وجدان الناس الا ان الناصرية ليست هوية سياسية تتصارع مع هويات اخرى، ففي مثل هذه الحالة لن تكون ذكرى ثورة الضباط الحرار الا مناسبة للبكاء على طلول الحركة القومية العربية ونوعا من النوسطالجيا السياسية التي تمنح النفس ملجأ مؤقتا من العجز. وليست النوسطالجيا برنامجا سياسيا ولا حتى افقا نفسيا او عزاء حقيقيا، بل قد تتحول الى تجميل للماضي يفقده دروسه وعبره، والى احباط وتثبيط همم في الحاضر. وعلى اية حال لا مجال للنوسطالجيا ولا للمباهاة الجوفاء، فاننا عندما نتحدث عن التجربة الناصرية انما نتحدث عن تجربة رائعة قد فشلت او افشلت والامر سيان في السطر التاريخي الاخير. ومع ذلك فإنها جزء من تاريخنا العربي الحديث، وهو ليس تاريخ الناصريين او البعثيين او القوميين وحدهم، لبراليين كانوا ام سلطويين. وهو اضافة الى ذلك الصفحة الاكثر اشراقا وجمالية في هذا التاريخ، ولذلك فهي تثير هذه العواطف الجياشة، بحيث ارتبط كل حدث بتداعيات موسيقية واغنية وايقاع وخطاب ونكتة شعبية بالمصري والسوري واللبناني، وبصور لجحافل الجماهير تتحدى العدوان على القناة وبورسعيد واخرى تحتفل بالوحدة وبنتائج حرب اكتوبر في ساحات دمشق وجحافل اخرى تتحدى الهزيمة وصور لسياسيين «طبيعيي المظهر» يتمتعون ببعض الفكاهة، ويكثرون من التدخين، ولا يتظاهرون بانهم اباطرة، ولا يلبسون ملابس غريبة، ولايحاولون تمثيل دور ليس دورهم. وفي السطر الاخير المتعلق بالسيرة الذاتية توفي عبدالناصر ولم يخلف لابنائه وعائلته ثروة مادية اطلاقا ومن اي نوع. وهذا دليل على اخلاقيات هذا الشخص العظيم في السلطة. ولكنه لم يترك لابناء تياره الذي رعاه ثورة بل جهاز دولة ثقيل متآكل بالفساد وقد ضاق ذرعا بـ «مهام القومية العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية» . ويكاد يصرح ان عبدالناصر قد عربه بالقوة. لماذا تخاطب تلك المرحلة على سذاجتها حسنا الجمالي؟ ومن اين اتى الحس الجمالي في السياسة؟ وهل اصبحنا من اتباع نيتشة الذي يخلط القيم الجمالية والاخلاقية في كل شامل يجهل التمييز بين الجميل والقبيح هو التمييز بين الرديء والحسن واخلاق العبيد واخلاق السادة، تحولت فيما بعد الى جماليات استعراضية لسياسات فاشية؟ هذا الخطر قائم في كل عاطفة قومية وطنية في السياسة وفي كل نشوة او تصور لنشوة تجعل السياسة عملية تعبير عن هوية وعواطف اكثر مما هي خدمة لمصالح محسوبة عقلانيا. ولكن لا توجد في السياسة تقسيمات حادة من هذا النوع، وحتى في السياسات الديمقراطية الليبرالية هنالك استخدام للتعبئة العاطفية ومخاطبة للغرائز في التنافس وفي استثمار مشهدي الاعلام واستدرار العواطف في رومانسية السياسيين الرديئة والتي يعتاش الصحافيون عليها، ولكن السؤال يبقى حول وزن هذه العناصر في تبرير وشرح السياسات واهداف السياسة وممارساتها. كانت الاستعراضية الجمالية الفاشية والشيوعية شاملة الى درجة طمس الحدود بين الواقع والرمز، وبين الاستعراض الجمالي والتبرير السياسي، وبين البلاغة اللفظية والبيان البرهاني وبين التكرار الطقسي السياسي والشعائر الدينية. وجمالية المرحلة القومية باعتقادنا ناجم عن مشاعر الجماهير المنطلقة من النداء الخالد: «ارفع راسك يا أخي»..، انها مشاعر تحررية احبت تلك الفترة كفترة تأميم لمصالح الاستعمار، وفتح ابواب التعليم في الجامعات لأبناء الطبقات الفقيرة، التي كان من المفترض حسب نظام الاشياء السائد في حينه، حتى في المرحلة الليبرالية ما بين الحربين العالميتين، ان تعيد انتاج نفسها وانتاج الفقر والجهل والمرض في العمل الزراعي. ولا شك ان بعض الباشوات كان ليبرالياً ومتنورا ولكن نظام الاشياء القائم كان يقصي الفلاح عن الحضارة. لم تكن هذه جمالية فاشية ولا شمولية رغم ان النظام والمشروع الذي انجبه لم يكن ديمقراطيا ولا ليبرالياً. لم تكن الديمقراطية الليبرالية مطروحة في حينه في اي بلد من البلدان المتحررة من الاستعمار، ولكن ابناء جيل الثورة في سوريا ومصر والعراق والسودان ولبنان والعراق كانوا يعتقدون انهم ديمقراطيون بمعنى تمثيل الغالبية الساحقة من الناس، ضد الاستعمار والانظمة الملكية والاقطاع، وحتى ضد الليبرالية التي كانت نخبوية لا علاقة لها بهموم الناس. لقد عاداها اولئك الثوريون ولم يدركوا قيمتها وقد كلف هذا العداء الشعوب العربية غاليا. كما كلفت النزعة الجماهيرية المغالية دون ثقافة ديمقراطية والتي سهلت مصادرتها فيما بعد من قبل الاسلام السياسي، خاصة بعد الهزيمة التي ضربت الشرعية الثورية، وبعد ان فسدت بيروقراطية الدولة القومية الثورية بسبب من لا ديمقراطيتها ولا شفافيتها وحصرها الشرعية بالشرعية الثورية. لقد كانت ديمقراطيتهم مثل ديمقراطية اليعاقبة معادية لليبرالية ابناء الارستقراطيين والبرجوازية الصاعدة، ولذلك ايضا انتهت الى نابوليونية مسخة كاريكاتورية لدى بعض من يقلدون عبد الناصر، وازاء عجز المجتمع عن انتاج ذاته خارج الدولة الا كقبيلة او طائفة، وازاء عجز الدولة عن قلب الحالة البونابرتية، وهي لم تكن دائما مسخاً او كاريكاتيراً، الى حالة ديمقراطية ليبرالية حقة دون التخلي عن مهام التحديث. لقد كان المشروع القومي الذي تولد عن ثورة الضباط الاحرار ومزاوجتها بالتيار القومي في بلاد الشام مشروعا تحديثيا يثير في العرب النوسطالجيا والنشوة ازاء حالة التخلف والردة. ولكنة يصعب على المنتتشين ان يفهموا العلاقة بين الردة الى التخلف والغيبية في الثقافة السياسية وبين فشل المشروع واخطاء منهجه في التحديث. كما كان مشروعا قوميا وحدويا معاديا للاستعمار متأثرا وجدانيا وبمنطلقاته الأولى بالنكبة الفلسطينية. ولذلك فهو يثير بالعرب مشاعر الحنين الى «المد القومي» في ظروف المزاد العلني الدولي المفتوح حاليا لتصفية ما تبقى من بضاعة فلسطينية. ولكن مشاعر الحنين الجياشة لا تترك مجالا لفهم العلاقة بين الهزيمة التي تمت في عهد التيار القومي عام 1967 وما يجري الآن حصاده اسرائيليا واميركياً من اسقاطات لهذه الهزيمة النكراء. لقد شنت على عبدالناصر حرب استعمارية سافرة في العام 1956، كما شنت عليه وعلى سوريا حرب استعمارية تصفوية ضده ليس لأنه احتل بلدا، ولا لانه اتهم بارسال انتحاريين الى نيويورك، بل لانه صاحب مشروع تحديثي ووحدوي في آن. ونحن عندما نلخص في الذكرى الخمسين لثورة يوليو نحتار بين التقدير الهائل لعبد الناصر الذي جلب اليه كل هذه المؤامرات السافرة لضرب مشروعه وبين غضبنا على عبدالناصر الذي لم يستطع تجنب هذه المعركة المبكرة وعلى الاجهزة الجوفاء والرجال الفارغين من حوله الذين دخلوها من غير عدة. نحن نعجب بحجم المشروع الذي استلزم كل هذا التآمر الاستعماري غير المبرر كما يبرر العدوان اميركيا في ايامنا، ونغضب و«ننتكس» ازاء ضآلة وفراغ ومزاودات حملة هذا المشروع الذين حيدوا المجتمع تماما وشلوا قدرته. ويتساءل بعض القوميين في ايامنا عن السر وراء انعدام تأثير التحركات الجماهيرية الواسعة تضامنا مع الانتفاضة على عملية صنع القرار بشكل جدي. لقد تجاوزت هذه «المد القومي» تضامنا مع مصر ابان ازمة السويس حجما، ولكن تأثيرها لا يقترب من تأثيره، لانه كان هنالك في حينه مشروع سياسي مطروح كبديل لما هو قائم. وقد اندرج التحرك الجماهيري ضمن هذا المشروع مهددا انظمة وكيانات، في حين لا يندرج الاحتجاج الحالي ضمن مشروع سياسي يتابعه ويهدد بحصد نتائجه ولذلك سرعان ما يخبو مخلفا وراءه المرارة والاحباط. وحري بالمستغربين ان يتساءلوا لماذا ليس بإمكانهم ان يطرحوا انفسهم عربيا كبديل لما هو قائم، ولماذا لا توجد مشاريع سياسية بديلة تجير الاحتجاج وتتابعه وتحوله بالتالي الى عملية ضغط سياسية بالمعنى الحرفي للكلمة؟ عليهم ان يسألوا انفسهم هل كان عبدالناصر قادرا على الوصول الى السلطة والاحتفاظ بها فترة طويلة والانطلاق منها بمشروع سياسي هو الوحيد الذي يستحق هذه التسمية في عصرنا الحديث لو كان ناصريا بمفهوم اليوم العقائدي، وهل كان التيار القومي عموما قادرا على طرح ذاته كمشروع لو انه تخلف عن السياسة بمعناها الحصري الضيق؟