الدكتور إسماعيل صبري عبد الله أحد رموز اليسار المصري.. وأحد رجال التخطيط الأوائل في مصر، عاصر ثورة يوليو منذ ولادتها، إختلف مع قائدها كباقي تيار اليسار، ودفع ثمن الاختلاف سنوات قضاها في السجن ثم خرج ليلتحم مع الناصرية بعدما ذابت جبال الثلوج بين أهل اليسار وعبد الناصر. ود. إسماعيل اقترب من عبد الناصر حينما كان وزيره في رسم الخطط الاقتصادية الأولى. اليوم يدلي معنا بشهادته حول عبد الناصر الإنسان والزعيم والثورة وما تبقي منها. ـ بداية ما هي شهادتكم على عبد الناصر الانسان من خلال علاقتك الشخصية به؟ ـ لم تكن بيني وبينه علاقة مباشرة لأنني لم أكن أعمل في مكتبه وأحيانا كان يطلب رأيي في شيء فأقول، أما تقييمي له كإنسان فهو كان إنسانا إستثنائيا ولايمكن تكراره فقد تجمعت فيه معاني من الصعب أن تتجمع في شخص واحد فمثلما كان هو رئيس الدولة الوحيد الذي ثقف نفسه وهو في السلطة وكان يمكنه وهو على رأس السلطة أن يستغل المثقفين، وعند إعلامه بأي كتب حديثه في أي مجال كان يطلب الحصول عليها فورا فحينما كان خالد محيي الدين منفي في جنيف وتحدث معه تليفونيا من هناك طلب عبد الناصر منه أن يبعث بعض الكتب مع الشخص العائد إلى القاهرة فأوروبا كانت تمثل له كتبا وليس سلعا إستهلاكية. وهذا شيء نادر على مستوى العالم ان يصل شاب إلى السلطة ويريد أن يعرف وأن يعلم كل شئ كذلك علاقته بالزعماء الآخرين كان يستغلها إستغلالا جيدا من خلال التعليم منهم أمثال نهرو وتيتو ويعلق صورهم في صالون بيته وكان يتعلم منهم وهم كانوا يعتبرونه القائد القادم الذي سيحمل الرسالة من بعدهم ولذا كانت العلاقة بينه وبينهم علاقة شخصية جدا فـ «تيتو» كان يطلب منه احيانا الذهاب إليه لا لشيء ولكن للإستراحة معه بعض الوقت ومن أهم صفات عبد الناصر الجيدة هي حبه للعمل ، فكان يعمل ما لا يقل عن 12 ساعة يوميا ولذا فقد أفنى عمره في العمل فمات وعمره 52 عاما برغم أنه من أسرة معمرة فأبوه مات وعمره 82 عاماً وعمه مازال على قيد الحياة. والأزمة التي قضت عليه هي سبتمبر الأسود فقد طلب منه اطباؤه أن يذهب لرأس الحكمة للإستراحة بعض الوقت ولكن بعد أيام حدثت مذابح سبتمبر الأسود واستدعى الحكام العرب في القاهرة وبعد وداعه لآخر ضيف وافته المنية فمات مناضلا وكان عطاؤه لوطنه بلا حدود كما كره وجود الخبراء الأجانب في أي مجال مفضلا ان يبحث عن المصريين ويقول المصري قد يخطئ مرة ولكنه سيستفيد المرة القادمة ولذا جاء بشاب عمره 32 عاما وعينه وزيرا للصناعة وهو «عزيز صدقي» الذي اقام التصنيع في مصر. الشيء الأخير الهام الذي كان من أهم سمات عبد الناصر هو إنحيازه إلى الفقراء من الشعب. وأعتقد أن مجموع هذه الصفات من الصعب أن تتوافر في شخص واحد وبالتالي فهو رجل إستثنائي.. إضافة إلى أن عبد الناصر لم يكن منظرا ولم يكن صاحب عقيدة إنما كان رجلاً وطنياً يعمل لصالح وطنه وأمته. ـ بحكم أنك رجل ماركسي مثالي هل كان هناك خطأ متبادل ما بين اليسار وعبد الناصر ومن الذي كسب الآخر في النهاية؟ ـ نحن كيساريين لم نكن نعرف الضباط الأحرار وعندما رأينا بعض منشورات للضباط الأحرار كان إنطباعنا الأول عنهم أنهم مجموعة من الضباط المتمردين وفي البداية تخوفنا نظرا للإنقلابات التي كثرت في بعض البلدان والتي قام بها الجيش. ولعل من أهم المحطات التي أثرت في مستوى العلاقة بين الطرفين هي حادثة إعدام عاملين بكفر الدوار هما «خميس والبقري» بعدما أضربا عن العمل ، فما حفز اليسار ضد الثوار الأحرار ، وفي بداية الثورة كان هناك خطأ متبادل في فهم كلامنا للآخر بعد ذلك تطورت وجهة نظر كلا منا تجاه الآخر.. وجاءت فترة هامة أراد فيها عبد الناصر الاعتماد على الإتحاد السوفيتي فكان اليسار هو البوابة للوصول لهذا الهدف ثم ترجم عبد الناصر فيما بعد بعض الأفكار اليسارية على أرض الواقع من خلال بعض قرارات التأميم، أما التطور الذي طرأ على اليسار هو أنه ليس من حق الماركسيين احتكار الاشتراكية ويجب الاعتراف بالإتجاهات الاشتراكية الأخرى غير الماركسية وخصوصا إذا كان المجتمع لم يصبح مجتمعا صناعيا وعندما أخذنا قراراً بحل الحزب الشيوعي أتخذت قرارا آخر وهو إقامة حزب بين شباب اليساريين والناصريين لكن الأجهزة البيروقراطية بما فيها الإتحاد الإشتراكي كانت معادية لأفكارنا ومتخوفة من توجهاتنا. ـ ما هو تقييمك لفكرة الديمقراطية في عهد الثورة، خاصة أن فترة الخمسينات إتسمت بحكم الحزب الواحد في معظم بلدان العالم؟ ـ لا نستطيع أن نقول أن حكم عبد الناصر كان حكما ديمقراطيا وفي نفس الوقت لا نستطيع أن نقول أنه كان حكما إستبداديا شموليا فالإصلاحات الاجتماعية غيرت ظروف المجتمع ووضعه الاقتصادي ، ففي عام 1950 كان 85% من صادرات مصر قطن خاص من أراضي الاقطاعيين بينما الآن 5% فقط. مما يؤكد حدوث تغير كبير في المجتمع أحدثته الثورة أما عن التجربة الديمقراطية قبل الثورة فقد كانت فاشلة وقد إنتهت عمليا قبل أن يحلها عبد الناصر فكان هناك أحزاب أقلية تتبع الملك وحزب الأغلبية الذي اتفق في النهاية مع خط الملك بعدما إقنع «فؤاد سراج الدين» بالخضوع لمطالب الملك ورأينا صوره النحاس صاحب السن الكبيرة وهو يقبل الملك وعموما مصر لم تمر بأي تجربة ديمقراطية فأين كان سيتعلم هؤلاء الضباط الديمقراطية لقد تأجلت قضية الديمقراطية وعبد الناصر كان واضحاً في ذهنه قضيتين هما الكفاية والعدل ، أي زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع وشهادة للتاريخ أن عبد الناصر مات ولم يملك شيئا ولم يترك شيئا. وقد طالب عبد الناصر في نهاية حياته بتغيير الميثاق وتوسيع مساحة الديمقراطية وعبد الناصر كان يعرف الديمقراطية السليمة بأنها الجانب الشعبي الغالب على الجانب التنفيذي. وهذا كان متوافقاً مع مجتمع الكفاية والعدل الذي كان يتصوره عبد الناصر وأعتقد لو أن «الله» قد مد في عمر عبد الناصر لكان هناك تطور أكيد في إتجاه الديمقراطية. ـ هل الاقتصاد الموجه الذي طبقته الثورة أدى إلى إفقار مصر؟ ـ هذا غير صحيح بالمرة والأرقام خير دليل على ذلك ففي عام 1969 كان هناك فائض في الميزان التجاري وفي عام 73 «سنة الحرب» كان الدين الخارجي بما فيه دين السلاح 28 مليار دولار وفقا لأرقام البنك الدولي ولكن الأمر تغير كثيرا الآن. إضافة لهذا فإن إدارة الاقتصاد في السنوات العجاف من «6774» كانت من أرقى فترات الإدارة لأنه تم إعادة بناء الجيش لكن التنمية لم تتوقف في هذه الفترة وكانت المعونات الخارجية من الإتحاد السوفيتي غير إستهلاكية وكان معظمها للتسلح، والعرب كانوا يقدمون بعض الدعم المادي ولكن كان الاعتماد الرئيسي في هذه الفترة على أنفسنا. ـ هل أهتمت الدولة فعلا بالتخطيط وكان مفهوم التخطيط من أولويات الثورة أم كانت قراراتها عشوائية؟ ـ الثورة جاءت بمفهوم التنمية ولذلك جاء مفهوم التخطيط مع الثورة وأنشأت معهدا خاصاً للتخطيط بغرض البحث عن مشروعات جديدة ولذا فمنذ اللحظة الأولى للثورة كان هناك إهتمام كبير بالتنمية وبالتالي بالتخطيط. فالسد العالي كان هدفه إضافة لتوفير الكهرباء توفير المياه إستصلاح الأراضي، كذلك التخطيط في مشروعات الصحة والتعليم في 1954 بدأ الكلام عن التخطيط لأن مجلس الإنتاج بدأ تحديد عدد من المشروعات وكذلك مجلس الخدمات. وبدأت عملية تربية كوادر تخطيطية واستفادت مصر في هذا من الهند التي كانت قد بدأت خطوات كبيرة في هذا الإتجاه في النصف الثاني من الخمسينيات بدأت الخطة الأولى التي نفذت في أوائل الستينات ونفذت بنجاح. وتم إنشاء وزارة خاصة بالتخطيط فيما بعد. ولكن في عام 65 بدأت أزمة أخرى تجاه المشروعات التي تم اعدادها بعدما قطعت أميركا المعونة عن مصر وكان على مصر أن تشتري القمع ولذلك كان لابد من تأخير بعض المشروعات الصناعية إلى مرحلة أخرى ولكن المحصلة النهائية للاقتصاد المصري في ضوء برامج التخطيط التي طبقتها الثورة كانت إيجابية وبرغم الحرب والهزيمة إستمر أداء الاقتصاد المصري بصورة جيدة ،ومما يؤكد ذلك أن حرب 73 ساهم القطاع العام فيها مساهمة كبيرة ومؤثرة أدى إلى نجاحها.