اعظم انجازات ثورة 23 يوليو انها اعادت لمصر وجهها العربي ودورها الرائد في افريقيا الامر الذي ادى الى ازدهار حركات التحرر الوطني وخلق علاقات جديدة تجاوزت بها الثورة النظرة الواحدية والتفسير الاوروبي، للاطماع الخديوية في منطقة القرن الافريقي والبحر الاحمر والبحيرات العظمى. ادركت ثورة يوليو في مرحلة مبكرة اتساع دائرة الوعي في افريقيا ودور الشعوب في تحريرها وتنميتها لذلك سعت لتنسيق المواقف ضد الاستعمار تمهيدا لبناء جبهة لحركات التحرر الوطني ذات قاعدة عريضة ومتماسكة، لقد تمكنت القوى الوطنية من اسقاط حلف بغداد ومشروع ايزنهاور في الشرق الاوسط وفي غرب افريقيا فشل مشروع ديجول للاحتواء الشامل للمستعمرات الفرنسية ونجحت شعوب كينيا وغانا في تحقيق تطلعاتها وفي باندونق عام 1955 كانت النواه لتكتل اسيوى افريقي مسنود بدول صديقة كونت فيما بعد «مجموعة عدم الانحياز». ثورة يوليو ومسألة السودان تعاملت ثورة يوليو بمسئولية وعمق مع المسألة السودانية واحدثت تحولا اساسيا في الذهنية التي تعامل بها حكام مصر قبل الثورة مع هذه القضية المهمة. بقرار شجاع وصادق اسقطت ثورة يوليو المطالبة بالسيادة على السودان وقبلت الفصل بين مسألتي الدفاع والسودان واعترفت بحق الشعب السوداني في تقرير مصيره وذلك اما باختيار الاستقلال التام او الارتباط بمصر كما وافقت على ان يكون مشروع قانون الحكم الذاتي الذي رفعته حكومة السودان الى دولتي الحكم الثنائي في 8 مايو1952 اساسا لمفاوضاتها مع الاحزاب السودانية والحكومة البريطانية. مع موقفها هذا لم تسقط ثورة يوليو وهي ثورة وحدوية شعار وحدة وادى النيل وراهنت على وقوف الرأي العام السوداني مع مبدأ الوحدة، في كتابة «كلمتي للتاريخ» تحدث الرئيس نجيب عن التحول في سياسات مصر تجاه العلاقة مع السودان اذ قال: كان الخط الوطني لجميع الاحزاب والمفاوضين المصريين في السابق هو فرض سيطرة مصر على السودان مستندين الى اسباب تاريخية وحق الفتح ولكنى كنت معارضا لهذا الاسلوب مؤمنا بانه لا يجوز اكراه شعب السودان على قبول ما لم يستشر فيه وكنت في نفسى واثقا ان الديمقراطية والاستفتاء الحر لشعب السودان سوف يصلان بنا الى النتيجة نفسها ولهذا اعلنت موافقتي على تقرير المصير مخالفا بذلك الخط الذي اجمع عليه السياسيون قبل حركة الجيش. تاريخيا كانت وجهة النظر الرسمية مختلفة ومناقضة لما توصلت اليه ثورة يوليو، في خطابه امام مجلس الامن في اغسطس 1947 لخص النقراشي مطالب مصر في الآتي: ـ انهاء النظام الاداري القائم في السودان منذ عام 1899 وذلك حتى يتمكن السودانيون من مشاركة شعب مصر رفاهيته وامانيه. ـ ان مصر والسودان قطر واحد من الناحية الطبيعية وان خط عرض 22 درجة حد صناعي خلقه البريطانيون وليس له ما يبرره من الناحية الطبيعية والجغرافية. ـ اعترف فرمان 1841 بفتح محمد علي باشا للسودان وفرمان 1866 نص على ان تكون المحافظات السودانية تابعة لولاية مصر وان تنتقل ولاية مصر وما تبعها من الاقاليم السودانية الى الاكبر من ابناء الخديوي الذكور. ـ باسم الخديوي قاد كتشنر جيشا مصريا لاسترداد السودان واستنادا الى السيادة المصرية على السودان ارغم كتشنر مارشان على الانسحاب من فشودة. ـ اتفاقية 1899 لم تمس سيادة مصر على السودان. ـ اتهم النقراشي حكومة السودان بانها تعمل على فصل السودان من مصر وفصل جنوب السودان عن شماله فهي تعد العدة لخلق مقاطعة جنوبية يمكن ضمها عند الحاجة الى افريقيا الشرقية البريطانية. ـ رفض مبدأ تقرير المصير. في عام 1950 بعد عودته للسلطة تحدث مصطفى النحاس زعيم الوفد عن موقف مصر اذ قال: ان الامة قد اجمعت اجماعا لا يشذ عنه احد على وجوب تحرير وادى النيل مصره وسودانه من كل ما يقيد حريته واستقلاله ليسترد مجده القديم واعلن في خطاب العرش عند افتتاح الدورة البرلمانية في 16 نوفمبر 1950 ربط الحكومة المصرية بين مسألتي الجلاء والسودان باعتبارهما كل لا يتجزأ ويتحتم حلهما في وقت واحد على ان يمنح السودانيون حكما ذاتيا تحت التاج المصرى مع وحدة السياسة الخارجية والجيش والنقد، فالسودان ومصر بلد واحد وله تاج واحد هو التاج المصرى. المتغيرات المحلية والدولية واثرها على المسألة السودانية: جمود الموقف المصرى تجاه المتغيرات التي حدثت داخل السودان وفي محيطة الاقليمي ادى الى فشل كل المفاوضات التي دارت بين الحكومة المصرية والبريطانية في هذا المجال. عوامل ثلاثة كان لها دورها في التغير الذي حدث في مطلع الخمسينيات وادى الى اعلان استقلال السودان وباجماع رائع من داخل البرلمان. ـ العامل الاول: ثورة 23 يوليو وموقفها من قضية السودان. ـ العامل الثانى: هو انه تشكل في السودان وعي قومي من الصعب تجاهله بمعنى ان امر السودان لا يمكن معالجته بمعزل عن السودانيين اصحاب القضية، اضافة الى ان خصوصية العلاقة مع مصر لا تعنى نفي حق الشعب السوداني في تقرير مصيره وفي تحديد خياراته بارادته الحرة ربما لهذا السبب تنبهت حكومة الهلالي اخيرا الى اهمية الحوار المباشر مع السودانيين خاصة الحركة الاستقلالية. ـ العامل الثالث: والاخير هو ضمور الدور البريطاني في المنطقة عموما ومحاولة اميركا ملء الفراغ في منطقة الشرق الاوسط بعد انسحاب بريطانيا لذلك اهتمت الولايات المتحدة بقضية السودان وربطتها بمشروع لحماية المصالح الاستراتيجية الغربية في الشرق الاوسط ضد الخطر الشيوعي. الموقف الاميركي مع اعتراف الولايات المتحدة بعدم معرفتها بتفاصيل مشكلة السودان ومساندتها لسياسة بريطانيا في المنطقة الا انها كانت ترى ان مسألة السودان قضية ثانوية مقارنة باتفاق الدول الغربية مع مصر على الترتيبات اللازمة للدفاع عن الشرق الاوسط، لهذا عملت اميركا عبر محورين لتحقيق اهدافها في المنطقة الاول الضغط على بريطانيا لتقديم صيغة جديده يتم بموجبها الاعتراف بتاج مصر الرمزى على السودان دون المساس بوضع السودانيين وحقهم في تقرير مصيرهم، اما المحور الثانى فهو تقديم مقترحات اميركية اهم بنودها: ـ تعيين حاكم عام محايد ولجنة دولية للاشراف على الحكم الذاتي وتقرير المصير. ـ ان يسند للملك فاروق لقب «صاحب او لورد» النوبة ودارفور وكردفان وسنار نتيجة لهذه الضغوط تقدمت بريطانيا بصيغة الجديد فيها قبولها لمبدأ وحدة مصر والسودان تحت التاج المصرى او أي وضع اخر للسودان اذا نتج هذا عن ممارسة السودانيين لحقهم في تقرير مستقبلهم وهو الحق الذي تعترف وتقبله كل من مصر وبريطانيا، وتدرك حكومة صاحبة الجلالة ان هناك اختلافاً في الرأي بين الحكومتين حول مسألة لقب الملك خلال الفترة الانتقالية التي تسبق تقرير المصير لذلك تعلن الحكومتان عن استعدادهما للدخول فورا في مشاورات مع السودانيين فيما يتعلق بهذا الموضوع للتحقيق عما اذا كان من الممكن الوصول الى حل يكون مقبولا للسودانيين وينسجم مع التعهدات التي اعطتها لهم حكومة صاحبة الجلالة. لهذا السبب طلب ايدن من السفير البريطاني في القاهرة ان تقدم مصر الضمانات الآتية في حالة قبولها لهذه الصيغة: ـ الاعتراف العلنى بحق السودانيين في تقرير مصيرهم. ـ الاعلان بان لقب الملك لن يؤثر ولن يسمح له بان يؤثر على مركز السودان الحالى. ـ ان لقب الملك لن يؤثر على ادارة السودان الحالية. ـ سيتعاون المصريون من خلال لجنة ثلاثية لاقامة الحكم الذاتي وترتيبات تقرير المصير. ـ سيشجع المصريون الاحزاب الاتحادية على الاشتراك في الانتخابات. الهلالي والحوار المباشر مع الحركة الاستقلالية تدويل القضية السودانية التي نتحدث عنها الان ليست جديدة لذلك حاولت مصر الدخول في حوار مباشر مع الحركة الاستقلالية والسعى لاقناعها بقبول رمزية التاج خلال الفترة الانتقالية التي تسبق تقرير المصير. استجابت الحركة الاستقلالية لمبدأ الحوار وربطته بالمطالب الاتية: ـ الغاء المرسومين اللذين اصدرتهما حكومة الوفد بشأن اسناد لقب ملك مصر والسودان لفاروق ووضع دستور ونظام حكم خاص بالسودان. ـ قبول الحكومة المصرية بالتعاون من اجل اقرار مشروع قانون الحكم الذاتي. ـ اعتراف الحكومة المصرية بحق السودانيين في تقرير مصيرهم. في زيارته لمصر عبر وفد الحركة الاستقلالية عن اخلاص السودانيين لمصر وعن ايمانهم بان القطرين لا بد لهما ان يعيشا في حسن جوار وتفاهم كما اكد الوفد على حرص السودانيين على احترام حقوق مصر القائمة في مياه النيل وحرصهم على القسمة العادلة في أي مشاريع جديدة واعرب الوفد عن امله في ان تساعد مصر السودان على تحقيق الحكم الذاتي. رد الهلالي رئيس وزراء مصر على وفد الحركة الاستقلالية بالاتي: ان مصر ليست لها مطامع استعمارية ولا تبقى سلطانا او سيطرة على السودان وان هدفها الاول هو ان تساعد السودانيين على المضى في الطريق الذي يريدونه، واستطرد في حديثه..... ان التاج الذي تتمسك به مصر لا يغير الاوضاع الحاضرة في السودان ولكنه يحمى حقوق مصر لان مصر اذا تخلت عن التاج بعد الغاء اتفاقيتي 1899 ومعاهدة سنة 1936 فكأنما محت اسمها بنفسها عن السودان وسلمته للانجليز لانها لا تملك حتى حق تعيين الحاكم العام.. الحوار المباشر بين مصر والاحزاب السودانية بعد الثورة اخذ ابعادا جديدة بعد ان تم توحيد الحركة الاتحادية والتوصل مع الحركة الاستقلالية الى اتفاق كون اللبنة الاساسية للاتفاق مع الاحزاب السودانية. اهم بنود هذا الاتفاق ترحيب مصر بالاتفاق على ممارسة اهالي السودان الحكم الذاتي وبانها أي مصر تحتفظ للسودانيين بحقوقهم في السيادة على بلادهم الى ان يقرروا مصيرهم بانفسهم واذا قرروا مصيرهم بحرية تامة ان تحترم مصر قرارهم. نتيجة للحوار المصرى السوداني في ظل ثورة يوليو توصلت مصر وبريطانيا لاتفاق في شأن الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان جاء فيه: ما يؤكد على ايمان مصر وبريطانيا بحق الشعب السوداني في تقرير مصيره وفي ممارسته له ممارسة فعلية في الوقت المناسب وبالضمانات اللازمة. بهذا الاتفاق انتقلت القضية السودانية لمرحلة جديدة كان لثورة يوليو وللشعب السوداني دور في تشكيل ملامحها.