تأخذ الاحتفالات بذكرى يوليو طابع المراجعة والتأمل وإعاة النظر واستخلاص الدروس المستفادة من أحداث 50 عاما مرت في التاريخ المصري والعربي، كما تأخذ طابعا يدفع إلى شحذ الذاكرة الوطنية والقومية بقوة دفع جديدة تستلهم أمجاد الماضي وتتوسل بها في مواجهة انكسارات الحاضر. ولأن ثورة يوليو كانت بالأساس حركة وطنية وقومية مناهضة للاستعمار فقد دخلت حروبا عسكرية كثيرة بداية من حرب السويس في مواجهة العدوان الثلاثي (فرنسا وإنجلترا وإسرائيل) ودخلت الثورة حرب اليمن وحرب يونيو 1967 وحرب الاستنزاف وأخيرا حرب أكتوبر 1973. فماذا كانت نتائج هذه الحروب وما هي غاياتها؟ وهل كان للثورة مواقف عدوانية متطرفة أم أنها كانت في حالة دفاع شرعي عن الوطن. للإجابة عن هذه الأسئلة قدم الإجابة عليها خبيران تخصصا في السياسة والاستراتيجية هما اللواء طه المجدوب الخبير الاستراتيجي وصاحب العديد من الكتب المتميزة في هذا الشأن كما أنه شارك في معظم حروب مصر كرجل عسكري، أما الخبير الآخر فهو الدكتور حسن نافعة الاستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وجاء طرحهما في ندوة عقدت بمركز «رامتان» الثقافي. بدأ اللواء طه المجدوب حديثه بالمرور على حرب 1948 باعتبار ان وقوع نكبة فلسطين كان المقدمة لكل الحروب العربية مع إسرائيل «وقبل ان تعلن حتى إسرائيل كان الهدف الصهيوني الاستيلاء على كل أرض فلسطين ووضعوا خطة أسموها الخطة دال» للسيطرة على هذه الأرض، وفي المقابل تم إنشاء جيوش عربية مثل جيش الإنقاذ وجيش الجهاد المقدس لكي تواجه هذا الفيضان الصهيوني ولكنها كانت عاجزة عن ان تقف أمامه وبالتالي عندما أعلنت الدولة الصهيونية في 15 مايو 1948 قررت الدول العربية ان تدخل جيوشها إلى فلسطين لتحافظ على هذه الأرض العربية ودخلت في هذا الوقت سبعة جيوش عربية إلى حرب فلسطين لكن النتيجة كانت أقل بكثير مما كان منتظرا وقد مرت حرب فلسطين بمرحلتين أساسيتين سأمر عليهما سريعا ـ الكلام للواء المجدوب ـ في المرحلة الأولى كنا منتصرين فيها كعرب حتى ان الجيش المصري بات على بعد 10 كيلو مترات من تل أبيب و7 كيلومترات من القدس ولكن للاسف توقفت الحرب بناء على هدنة لتبدأ المرحلة الثانية وأثناء هذه الهدنة أعيد تسليح الجيش اليهودي ودخلت الدول الكبرى بثقلها في هذا المجال وحدثت اتصالات مع بعض النظم العربية لإيقاف الحرب وبعد الهدنة الطويلة وإعادة التسليح بدأ الجيش اليهودي يركز هجومه على القطاع المصري فقط لا غير وكانت الجيوش العربية الأخرى للأسف قد بدأت تنسحب إلى حدودها وكانت أسوأ مراحل الانسحاب انسحاب الجيش الأردني من بلدتي اللد والرملة حيث كشف هذا الانسحاب جناح الجيش المصري وعرضه للهجوم اليهودي. تهديدات بعد ذلك انتقل اللواء طه المجدوب إلى الفترة من بداية ثورة يوليو حتى العدوان الثلاثي عام 1956 وقال: قامت الثورة وكانت لها أهداف مهمة سارت في تحقيقها وتم قطع شوط عظيم بعد نضال طويل استغرق ثلاث سنوات، حيث نجحت الثورة في إنهاء الاحتلال البريطاني لمصر، وعقدت اتفاقية الجلاء سنة 1954، وبدأ انسحاب القوات، ثم انتهى هذا الانسحاب في يونيو 1956، أي قبل حرب 1956 بفترة قصيرة ثم لم يلبث ان عاد البريطانيون مرة أخرى الى منطقة القناة، وكانت مصر آنذاك تتجه قوميا وأصبح دورها القومي يتسع فبدأت في سنة 1954 في مساعدة الثورة الجزائرية التي اشتعلت في هذه السنة وأمدتها بالكثير من المساعدات المادية والعسكرية، وبدأت مصر في هذه الفترة في تحقيق الهدف الثاني للثورة وهو بناء جيش وطني قوي يتصدى لاحتمالات العدوان الصهيوني ثم طلبت مصر من الولايات المتحدة ان تمدها بالأسلحة فرفضت الولايات المتحدة واتجهت مصر إلى الاتحاد السوفييتي فرحب بذلك. في ذلك الوقت هددت الولايات المتحدة بقطع العلاقات مع مصر، وهددت بفرض العقوبات الاقتصادية، كما هددت بريطانيا بأنها ستوقف معاهدة الجلاء ، وللأسف قيل في ذلك الوقت ـ ونحن لم ننتبه لذلك في تلك اللحظة ـ أن هناك احتمالا ـ وهذا تقرير من رئاسة الأركان البريطانية ـ بأن تقوم إسرائيل بمهاجمة مصر قبل ان تستكمل استيعاب صفقة الأسلحة، وقبل ان يتمكن الجيش المصري من الوقوف على قدميه كل هذه الأحداث سبقت قناة السويس مما يشير إلى أن هذه الدول كانت تبيت النية لغزو مصر وكانت قناة السويس هي الحدث أو الذريعة التي استخدمت لغزو مصر في عام 1956. بدأ العدوان ـ يستطرد المجدوب ـ بالاتفاق في ضاحية تسمى سيفر، وكان ينص على ان إسرائيل عليها ان تخلق ذريعة تمكن بريطانيا وفرنسا من غزو مصر، وبالفعل خلقت الذريعة بإسقاط كتيبة مظلات عند ممر متلا أمام السويس، وادعت إسرائيل ان قواتها تقترب من قناة السويس، رغم ان الحرب كانت دائرة على الحدود غير ان إسرائيل لم تنجح في أي معركة دارت في 1956 لا في رفح ولا في عجيلة ولا في ممر متلا إلى ان أدركت مصر أبعاد المؤامرة السياسية بعد صدور الإنذار البريطاني الفرنسي الشهير الذي يطالب مصر بالانسحاب 10 أميال غرب القناة، فرأت الحكومة المصرية أنها متعرضة لمؤامرة جسيمة تستهدف عزل الجيش المصري الذي بعثنا به كثيرا في ذلك الوقت لوقف الغزو الإسرائيلي في سيناء والقضاء على الجيش المصري وتدميره، وادراكا من القيادة المصرية لهذا البعد الخطير صدر قرار بإخلاء سيناء من القوات المسلحة فورا وتوحيد الجهد غرب القناة لمواجهة الغزو الأكبر الذي سيتم بواسطة بريطانيا وفرنسا والذي بدأ فعلا في 5 نوفمبر وكان في منطقة بورسعيد ودارت مقاومة مصرية عجيبة هناك عندما قررت مصر ان تقاتل وجاء خطاب جمال عبد الناصر في الأزهر ودعوته لشن الحرب ضد الاعداء وفي الوقت نفسه قامت مصر بغلق قناة السويس وسدها من مدخلها الشمالي والجنوبي لمنع الأساطيل الغربية من دخول القناة. وركز اللواء المجدوب على المقاومة الشعبية المصرية وكيف كانت المدخل لتغيير موازين القوى في العالم. وأدى سقوط هذا العدوان إلى انتشار وازدياد حركات التحرر حيث استمرت ثورة الجزائر إلى أن استقلت عام 1963 ثم اتسع نطاق القومية العربية في أنحاء الوطن العربي وأصبح لها وجود محسوس جدا. وعن حرب اليمين التي شاركت فيها مصر عام 1962 قال اللواء المجدوب: كانت ثورة اليمن ضد نظام حكم داخلي يشبه نظام حكم القرون الوسطى أيام نظام الأئمة وبالتالي فإن هذه الثورة قامت لكي تحرر الشعب اليمني من التخلف ولذلك سارعت مصر لنجدة الثورة والوقوف إلى جانبها فأرسلت قواتها سنة 1962 ودارت حرب ضارية بين قوات مصر وقوات الثورة ضد الدول المناوئة للثورة وبخاصة بريطانيا التي كانت تخشى ان تمتد الثورة إلى الجنوب حيث تقع عدن القاعدة البريطانية العتيدة في هذه المنطقة في جنوب شبه الجزيرة العربية وبالتالي كان الوجود المصري في اليمن أساسيا وضروريا للضغط على الوجود البريطاني في عدن ولحماية منطقة جنوب البحر الأحمر ـ وبخاصة باب المندب وتحريرها وهو ما نفعنا في عام 1973 عندما قامت الحرب وبعثنا الأسطول المصري لإغلاق باب المندب ومنع أي امدادات تصل إلى إسرائيل من الجنوب. اندفاع ويشير اللواء المجدوب إلى ظاهرة مهمة حدثت من عام 1957 حتى 1967 نتيجة للاندفاع القومي إذا ان مصر انتشرت عسكريا في الدول العربية يقول المجدوب فكلما طلبت دولة جيشا يتم ارساله لها بداية من سوريا عام 1957 إلى اليمن 1962 إلى الجزائر 1963 حيث كانت المغرب تهاجم الجزائر بعد استقلالها بسنة وأحمد بن بيلا طلب قوات لحماية الجزائر لأنهم كانوا في بداية تكوين جيش، ومن ثم ذهبت قوات مصر إلى الجزائر وكان لي الشرف ان أقود هذه القوات في هذه الفترة والحمد لله ان القوات المصرية في الجزائر أوقفت الحرب وقبلت وقف إطلاق النار وإجراء تسوية مع الجزائر. ثم يعلق على نكسة 1967 مؤكدا ان ما حدث نتيجة لقصور قرارات سياسية خطيرة كان لها أبعاد عسكرية خطيرة. هذه الأوضاع اعتبرتها إسرائيل فرصة ذهبية لا تعوض لكي تهاجم مصر ونجحت للأسف بينما نحن كنا نتحمل الأخطاء التي تحملناها، وأنا دائما أقول إن إسرائيل لم تنتصر بقدر ما هزمنا أنفسنا وأننا قدمنا النصر إلى إسرائيل على طبق من ذهب. ننتقل بعد ذلك ـ الحديث للواء المجدوب ـ إلى المرحلة ما بين 1967 ـ 1973، فقد تضمنت هذه الفترة 4 مراحل أساسية: مرحلة الصمود ثم مرحلة الدفاع النشط ثم مرحلة الاستنزاف ثم الاعداد لحرب التحرير أكتوبر 1973 استغرقت مرحلة الصمود من عام 1967 إلى 1968 وكان هدفها إعادة بناء القوات المسلحة لكي تصبح قادرة على تأمين الدفاع لأننا مبدئيا يجب ان ندافع أولا ثم بعدها نفكر في الهجوم. وبالتالي كان لابد من الدفاع عن منطقة قناة السويس أما مرحلة حرب الاستنزاف فكان هدفها ان نقنع إسرائيل بأن ثمن بقائها على الضفة الشرقية للقناة سيكلفها الكثير. وفي كلمته اعتبر الدكتور حسن نافعة ان حرب اليمن لا تدخل في حروب ثورة يوليو وأن حروب ثورة يوليو بالمعنى الصحيح هي حروب 1956 و1967 و1973 وحرب الاستنزاف التي مهدت لحرب أكتوبر 1973 ويتساءل نافعة: ما هو القاسم المشترك بين هذه الحروب التي نقول أنها حروب ثورة يوليو وأنها حروب مصر في نصف قرن؟ ويجيب: إسرائيل هي القاسم المشترك في جميع هذه الحروب، فهي حروب ضد المصدر الرئيسي لتهديد الأمن القومي المصري، وبالتالي تهديد الأمن القومي العربي، فقضية الصراع العربي الإسرائيلي قضية خاضت فيها مصر الحروب بكل أنواع النظم السياسية، في النظام الملكي اضطرت مصر ان تخوض الحرب ضد إسرائيل، وفي وجود عبد الناصر خاضت مصر الحرب ثلاث مرات وفي ظل أنور السادات اضطر أن يدخل الحرب في 1973 وكان فعلا بطل قرار الحرب. ومعنى هذا ان مصر أيا كان نظامها السياسي سوف تدخل الصراع مع إسرائيل حتما لأن إسرائيل تشكل التهديد الأساسي لأمن مصر القومي. وفي تقييمه لحروب مصر في ظل ثورة يوليو يقول الدكتور حسن نافعة الإدارة المصرية لهذه الحروب اختلفت وتفاوتت من حرب إلى حرب، ففي 1956 خسرنا الحرب عسكريا لأن إسرائيل تمكنت من احتلال سيناء واضطررنا للانسحاب من سيناء لكننا كسبنا الحرب سياسيا وأدار عبد الناصر عام 1956 معركة سياسية من الطراز الأول رغم خسارته للحرب على الصعيد العسكري إلا أنه خرج منها منتصرا لأسباب كثيرة منها ان الثورة كانت في ذلك الوقت لاتزال مجموعة من الضباط شديدي النقاء ولديهم طموح ومشروع للتحرر والاستقلال والتنمية وعن حرب 1967 يقول نافعة أن الإدارة المصرية لها كانت من أسوأ الإدارات ولا أشك مطلقا أنها كانت نكسة كبيرة في التاريخ المصري ولكن مَن من الشعوب والنظم لم يتعرض لانتكاسات؟ المهم ان مصر بقيادة عبد الناصر قالت لا للهزيمة وتمسكت بموقفها الرافض للهزيمة والمستعد لتقديم كل التضحيات الممكنة وبدأ عبد الناصر كما رأينا يفصل عبد الحكيم عامر والقوات المسلحة أصبحت لها قيادة جديدة بدأت تخرج أو تنفصل تماما عن عباءة السياسة وتتفرغ للقتال وبدأ الجيش المصري يتحول لأول مرة منذ عام 1952 إلى جيش مهني محترف يستعد للقتال، ثم جاءت حرب الاستنزاف التي جاءت بعد أيام من الهزيمة وبدأت بضرب المدمرة الإسرائيلية إيلات والعمليات التي تمت في العمق على مدى ثلاث سنوات كاملة.